حقيقة النموذج السوري في صيغته الروسية

حقيقة النموذج السوري في صيغته الروسية

د. محمود الحمزة
يبدو أن موسكو ندمت على موقفها من الوضع في ليبيا، عندما امتنعت عن التصويت في حينها، وتم اتخاذ قرار مجلس الأمن 1973 بحماية المدنيين. وجرى ما جرى، ومن نتائج ذلك أن اصبحت روسيا خارج اللعبة وخسرت المليارات نتيجة توقف صفقات بيع الاسلحة لطرابلس وخروج الشركات النفطية من ليبيا. ونتذكر كيف أن بوتين وصف تدخل الناتو في ليبيا بأنه “حملة صليبية”. علما أن الحملة الصليبية المقدسة الحقيقية كانت روسية في سوريا وجاء ذكر ذلك بصراحة على لسان مسؤول كبير في الكنيسة الارثوذكسية الروسية. بالاضافة إلى الصلوات التي اقيمت في قاعدة حميم ومباركة الكنيسة للطيارين قبل ان ينفذوا طلعاتهم الجوية بقصف المدنيين والمواقع السكانية في مختلف مناطق سوريا!
منذ أن بدأت الثورة السورية أعلن لافروف أن روسيا لا ترحب بالثورات. وعندما طلب وفد المعارضة السورية من السيد لافروف ان يتفهم مطالب الشعب السوري بتغيير النظام الاسدي المستبد القمعي والفاسد، رد لافروف بعبارة واضحة: إما أن تتفاهموا مع النظام وتقبلوا به أو انتظروا بحراً من الدماء! وهذا ما حدث. جرت أنهار من الدماء. وهذا يذكرنا بشعار المافيا الاسدية: إما الأسد أو نحرق البلد. وقد حرقوا البلد.
هل التطابق في التصريحات والشعارات المنطلقة من موسكو ودمشق مصادفة أم هي تعبير عميق عن جوهر هذه الأنظمة؟
تشهد موسكو في الاسابيع الاخيرة نشاطا سياسيا محموما ترافق بتصريحات على أعلى مستوى حول نجاحات السياسة الروسية في الشرق الأوسط والعالم.
ففي اسبوع الطاقة الروسي في موسكو وفي منتدى فالداي للحوار في سوتشي وفي فعاليات دولية أخرى صدرت تصريحات من الرئيس الروسي ومن الوزير لافروف حول نجاح السياسة الروسية في الشرق الأوسط وخاصة في نموذجها السوري واعتبرته انتصارا لاستعادة دور روسيا في المنطقة والعالم.
وعلى ضوء الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي إلى الرياض فإن لافروف تحدث عن الدور المهم للمملكة وتأثيره على الملف السوري. وبالطبع فإن موسكو تسعى جاهدة منذ اشهر طويلة الى اقناع العالم بتقديم تمويل لاعادة اعمار الاقتصاد السوري . فمرة استخدمت موسكو فكرة اعادة اللاجئين السوريين وارسلوا وفودا من الخارجية ووزارة الدفاع الى الخليج والمانيا ولكن دون جدوى. كما قام الوزير لافروف بجولة خليجية منذ اشهر ولم يقنع المسؤولين هناك سواء كانوا موافقين على اعادة الاعمار واعادة السفارات الى دمشق مثل الامارات والبحرين وعمان، او تلك التي مازالت ترفض بوضوح اي مشاركة في اعادة الاعمار بدون تغيير سياسي.
ويعيد المسؤولون في روسيا هذه الأيام اعادة طرح المقترح الي تقدمت به موسكو منذ اشهر حول الامن الجماعي في منطقة الخليج وتحاول جذب هذه الدول بما فيها ايران ودول كبرى لتوقيع اتفاقية تضمن عدم التدخل في شؤون الدول واحترام السيادة وحسن الجوار وعدم التدخل الاجنبي في شؤون دول الخليج. ولكن هذه الرؤية الروسية لا يمكن ان تقبل بها واشنطن التي تمتلك قواعد عسكية في المنطقة وتتخذ سياسة معادية لطهران. كما ان الخبراء يشيرون إلى تجاهل هذه الوثيقة الروسية للدور الايراني التخريبي في المنطقة الخليجية والعربية عموما من خلال انشاء ميليشيات طائفية وزعزعة الاستقرار في عدة دول مثل سويا ولبنان واليمن والعراق.
واليوم تحاول موسكو استخدام ورقة اللجنة الدستورية والانتهاء من تشكيلها لتقول للعالم : ها نحن انهينا العمليات القتالية في سوريا وبدأت المرحلة السياسية ونريد دعم دولي. ووصل الامر بالمندوب الروسي في مجلس الأمن ليطرح مغالطة وهي ان الدول الغربية تعرقل الأمور فهي قد وعدت- كما قال المندوب الروسي- بدعم الاعمار بعد تشكيل اللجنة الدستورية، ولكن الحقيقة ليست كذلك. فلم نسمع بأن دولة ما في العالم وعدت بالمساهمة في تمويل الاعمار قبل اجراء تغيير سياسي.
الروس اليوم بأمس الحاجة لاقناع الدول الاوروبية والخليجية بأن العملية السياسية أصبحت ممكنة وتدعو للانخراط في اعادة البناء والاعمار وتقديم التمويل له، علما أن التمويل المطلوب يقدر بعدة مئات من المليارات وهذا ما تفتقر اليه روسيا وايران حلفاء النظام المخلصين.
ومن جهة اخرى سمعنا منذ سنوات دبلوماسي امريكي يقول انه حتى لو أردنا تقديم تمويل لسوريا لاعادة الاعمار إلا أننا لا نثق بنظام الاسد فهم سيسرقون هذه الاموال. ومنذ يومين صرح جيمس جيفري المسؤول الامريكي عن الملف السوري بأن النظام السوري مجموعة من اللصوص والحرامية وهو يتقاتلون فيما بينهم على تقاسم الاموال والسرقات. ويشير هنا الى ما حدث مؤخرا من مصادرة اموال عائلة مخلوف واجبار رجال أعمال موالين للنظام على دفع ضرائب على اموالهم وممتلكاتهم للنظام، ويقال أنها بسبب طلب روسي لـ 3 مليارات دولار من الأسد وهي اما ديون مستحقة او ثمن تقديم روسيا مشتقات نفطية ومواد غذائية للنظام.
ونعود إلى النموذج السوري للتسوية السياسية الذي تتحدث عنه موسكو!
فما الذي فعلته روسيا في سوريا؟ منذ اليوم الأول للثورة السورية اتخذت موسكو موقفا استراتيجيا الى جانب النظام الاسدي بالرغم من أنه نظام اجرامي وقمعي وفاسد، وهذا ليس مستغربا حيث تحافظ موسكو على علاقات ودية مع كل الانظمة الشمولية في العالم ومنها نظام الاسد.
حاولت موسكو الدفاع عن النظام السوري بكافة الوسائل الاعلامية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية واستخدمت الفيتو لاكثر من 10 مرات دفاعا عن نظام قتل ما يقارب المليون سوري وهجر 14 مليون خارج البلاد وداخلها ودمر بقصف الوحشي ملايين المنازل وشرد الاطفال .
تبجحت موسكو مرارا وعلى أعلى مستوى بالحجم الهائل للطلعات الجوية في سوريا، وبتجريبها لمئات الاصناف من الاسلحة الجديدة في سوريا بما فيها الصواريخ المجنحة الباليستية. وتسربت مؤخراً معلومات في الصحافة الروسية بأن روسيا جربت منظومة الصواريخ اس-500 في سوريا، علما ان وزارة الدفاع نفت هذا الخبر. وكما يقول المثل: لا دخان بدون نار.
لم تقدم موسكو ولا مرة واحدة خطة لحل سياسي مقبول وعادل في سوريا بل اصرت على تلميع واعادة تأهيل النظام وساعدته طيلة الوقت . فمثلا بعد استخدام النظام للسلاح الكيميائي في الغوطة صيف 2013 قامت موسكو بانقاذ النظام بدل معاقبته، واقترحت على الامريكان نزع الاسلحة الكيميائية (وبالطبع لم تنزع كلها) وابقاء الاسد يسرح ويمرح ويقتل السوريين.
وتتوج الدعم الروسي لنظام الاسد بالتدخل العسكري في 30 سبتمبر/ايلول 2015 بحجة محاربة الارهاب لكن الهدف الحقيقي هو الحفاظ على النظام الاسدي وقمع الثورة والمعارضة المسلحة واستخدمت مسارات استانا وسوتشي بمساعدة تركية وايرانية فقدمت للنظام خدمات كبيرة.
موسكو انتصرت عسكريا على الشعب السوري، ولكن النظام السوري اصبح هزيلا وضعيفا وفقد مقومات الاستمرار المادية والمعنوية. وتجد موسكو نفسها أمامت تحدي كبير. هل يمكن لبشار ان يحفظ ويضمن مصالح روسيا في سوريا؟ في وقت لا يضمن الاسد بقاءه هو نفسه في السلطة، ولا يقدر على خلق استقرار. وبالتالي فالمصالح الروسية مهددة وروسيا تخشى من اي تغيير سياسي في سوريا قد يجعلها تخرج من المولد بلا حمص.
فهل استخدام القوة المفرطة في قمع الشعب السوري هو النموذج الروسي الافضل لدول المنطقة؟ وهل فرض انظمة شمولية قمعية فاسدة هو النموذج الأفضل لدول المنطقة؟ ام يجب احترام ارادة الشعوب ومنحها حقها في العيش الحر الكريم.
بالرغم من الانتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية بتركيبتها الهزيلة التي يمتلك النظام فيها اغلبية واضحة فإن مشكلة الشعب السوري ليست في اللجنة الدستورية ولا حتى في الدستور بل في تطبيقه. فمن سيشرف على التطبيق ومن يضمن ذلك. من الواضح أنه لا توجد قوة دولية تمتلك الارادة السياسية لتحقيق تغيير في سوريا يلبي مطالب الشعب السوري في العيش الكريم في ظل دولة القانون، بل هناك اجندات دولية جيوسياسية واستراتيجية تريد ترتيب الوضع السوري كجزء من ترتيبات تخص المنطقة عموما عنوانها التقسيم والتفتيت للدول القائمة وايجاد خريطة سياسية جديدة للمنطقة تقوم على التوزيع الاثني والطائفي والديني وفق مشرو ع الشرق الأوسط الجديد (الاسرائيلي الامريكي) وتكون دولة اسرائيل العبرية هي الاقوى في المنطقة والقادرة على الهيمنة.
ولا ننسى ان واشنطن وموسكو كلاهما يصرح بأن أمن دولة اسرائيل اولوية رقم واحد لهما. وبالتالي تتضح لنا اسباب التفاهمات الروسية الامريكية في الملف السوري.
ولكن ماذا عنا كسوريين؟
بالطبع الملف السوري اصبح بيد الدول الكبرى والاقليمية في وقت نفتقر فيه الى هياكل معارضة تمثل الشعب السوري وتحافظ على ثوابت ثورته، ويبدو ان الطريق الوحيد للسوريين هو رفع الصوت الوطني السوري المستقل من خلال تشكيل جسم سياسي وطني جامع بقيادة مكونة من نخب وطنية مستقلة ذات سمعة نزيهة وتحظى باحترام السوريين.
امام هذا الضياع لقضية الشعب السوري العادلة لا بد من رفع الصوت عاليا بأنه غير مسموح لأحد أن يبيع هذه القضية ويتاجر بها من أجل اجندات شخصية او سياسية ضيقة.
وهنا نحيي كل الجهود الشعبية والشبابية الداعمة للثورة والرافضة للتلاعب بمصير سوريا سواء بطيقة اللجنة الدستورية أو غيرها.
ويجدر بالقوى المتصدرة للمشهد المعارض أن تتوخى الحذر من التفريط بحق الشعب السوري في تقرير مصيره وعدم توقيع اي وثيقة قد تكبل السويين وتزيد من معاناتهم في المستقبل.

  • Social Links:

Leave a Reply