إضاءة سياسية  السيادة السورية

إضاءة سياسية السيادة السورية

 

انطلق الربيع العربي ليتحرى وضعا جديدا يتخلص فيه من الاستبداد وسطوته ، ويبحث عن حياة أفضل اقتصاديا ، وقد برزت الثورة السورية نسخة متقدمة عن مثيلاتها العربية من حيث إرادتها القوية وتصميمها الكبير على التغيير الجذري ، ورفضها اي حديث أو مطالب سوى الحرية والكرامة ، كما رفضت باللاوعي الجمعي جميع أطروحات الإصلاح الترقيعية التي كانت تحاول العصابة الحاكمة تمريرها على الثورة للإحاطة بها والإمساك بزمامها ، الأمر الذي زادها صلابة وتماسكا واتساعا .

ولم تتخل جهة إقليمية أو دولية عن مد يد العون للعصابة المجرمة نصحا ودعما متنوعا سرا وجهرا دون أن يفيد ذلك شيئا إلا مزيدا من التنكيل والقتل والتدمير والتشريد .
وطبيعة البنية الحاكمة تسمح أصلا بكل التدخلات والإملاءات ، ولقد استجلبت بتكبرها وطغيانها الميليشيات الطائفية الحاقدة وإرهاب الدولة المنظم المتعدد على شكل محتلين باسم الشرعية الكاذبة المفتقدة لأبسط معاني السيادة .

ومما يجدر التصريح والاعتراف به أن قادة المرحلة الأولى للثورة السورية ولأسباب متعددة لم يتموضعوا سياديا وكان من أهم وأبرز أخطائهم قبولهم بما يسمى الأصدقاء ، وتسليم أغلب مفاصل العمل السياسي للمعارضة المهترئة على اختلاف توجهاتها والتي أتاحت بعد تخليها عن المجلس الوطني وقبولها بتشكيل الائتلاف مزيدا من الارتهان رويدا رويدا ؛ وكان القبول بالتوسعة والسكوت عن اللقاءات الجانبية المخلة والتغاضي عن العلاقات والتصريحات والانتماءات المناقضة للثورة ومطالبها ، ثم القبول بتشكيل الرياض 1 وما اعتراه من حيثيات كشكل الدعوة وانتقاء الأفراد وتحضير الوثائق المكتوبة وإدارة الجلسات وسواها الكثير مما تؤكد جميعها على فقدان السيادة .
والكارثة السياسية الكبرى هي سكوت هذا التشكيل عن وفده المفاوض عندما أقر السلال الأربعة مع ديمستورا ، وتقاعسه عن مسؤولياته واتخاذ التدابير اللازمة بحق هذا الوفد الذي كوفئ ومهد للرياض 2 لتصبح المعارضة بعده نظيرا حقيقيا وشريكا جيدا للعصابة القابعة في دمشق وليكونوا جميعا في ركاب المحتلين .

ولا حاجة للحديث عن الفصائل والحكومات المؤقتة المتعاقبة لأن الألبسة التي قدمت لهم كانت فضفاضة عليهم جدا .
وسوى هذه المراحل مراحل كثيرة ومفاصل مهمة تستحق الوقوف عندها بالتوضيح والشرح محليا وإقليميا ودوليا .

وهنا قضية في غاية الأهمية وهي التي دعتني لكتابة هذه الإضاءة : إن الحرية والكرامة اللتين نادت بهما الثورة وقدمت ما قدمت من أجلهما لا يمكن أن تتحققا إلا بمظلة سيادية تدرك دورها ومكانتها وتاريخ منطقتها ، وتكون قادرة على القيام بالأعباء المنوطة بهذه السيادة ، وتعلم الأحجام الإقليمية وحقيقة الأمم المتحدة وطبيعة الأوضاع الأميركية حاليا .

فالأصوات التي تصدح والبيانات التي تسطر والهياكل التي تؤسس لا يصح أن تكون حرة هنا ومستزلمة هناك ، ولا يمكن أن تكون كريمة في موضع وتقبل الإهانة في موقع ، ولا يقبل أن تظهر السيادة في موقف وتترجح عندها العبودية أو التواري تحتها في موقف آخر .

وتتبدى الضرورة دوما في إظهار السيادة عند كل محطة في السلوك العملي قبل القول الخطابي ، وكل من ظهر عليه وعرف عنه التفريط بالسيادة في موقف ما أو السكوت على انتهاكها في مرحلة ما فإنه لا يوثق بكلامه عن السيادة وتحريها فضلا عن قدرته في تثبيتها .

لقد بدأت تتكشف ملامح مرحلة جديدة من مفرزات الثورة السورية حيث إن التناقضات الإقليمية والدولية على أرض سورية وحول ثورتها كبيرة جدا ، وعملية الفضح التي يمارسونها ضد بعضهم وتبيين أدوارهم الوظيفية من خلال تصريحاتهم يثبت أن طريق السيادة هو الأسلم والأنجع مهما كبرت تحدياته وعظمت تضحياته وطال زمنه .
وإن الانحياز لطرف على حساب آخر وترجيح كفة أحدهم مقابل الآخرين ليس أكثر من تحسين لشروط العبودية ، ولا علاقة له بالحرية والكرامة اللتين رفعت لواءهما الثورة السورية وبذلت في سبيلهما كل غال ونفيس ، ولا علاقة أيضا لكل هؤلاء الأطراف بهما ، وواهم من يظن أن إحدى تلك الجهات تدعم خيار حرية السوريين وكرامتهم .

وفي الختام فإن على جميع الثوار السياسيين أن يعمقوا إيمانهم ويزيدوا دأبهم في المتابعة في بناء الخط السياسي السيادي السوري بعيدا عن كل الهياكل والوزارات واللجان المصنعة وعن كل الإقليمي والدولي .
وإن أصحاب هذا الخط هم وحدهم من سيكسر إرادة المحتلين كما كسروا العصابة الحاكمة في نهاية 2012 ، وهم وحدهم من سيلبي طموحات السوريين في بناء دولة القانون ، وهم وحدهم من سيستطيع أن يؤسس لبناء علاقات إقليمية ودولية جديدة .
ولا يستبعد هذه القدرة عن الثورة السورية إلا أمثال الذين كانوا يؤمنون بالعصابة الحاكمة ويرضون باستبدادها وإجرامها ويرونها خيارا وحيدا لا يمكن استبداله .

محمد سعيد سلام

  • Social Links:

Leave a Reply