الفصامي لاعق الأحذية

الفصامي لاعق الأحذية

مصير –
الحياد، و الفرادة، و الاستقلال، هي الصفات المثالية للمفكر الحقيقي، الحياد إزاء الظاهرة، و الفرادة إزاء المألوف و العقل الجمعي، و الاستقلال عن كل مكون سلطوي؛ المفكر الحقيقي ينبغي أن يكون في الأمام، و المقدمة دائماً.
الفكر الحقيقي هو الذي يتقدم الواقع، و ليس العكس؛ هناك ضرورة دائمة للتمييز بين المثقف، و اعتقاده، و قبيلته، و طائفته، و أهوائه، عليه أن يقوم بتحييد اعتقاداته عن دوره بوصفه مثقفاً، عليه أن يكون انفصامياً بمعنى أنَّ: له أن يعتقد بما يشاء، بـ ” قدسية البقرة” مثلاً، و لكن ليس له ذلك في الوقت الذي يشّرع فيه بممارسة دوره، و وظيفته بوصفه مفكراً – ليس ثرثاراً ألمعياً! – لهذا لا يمكن للمثقف أن يكون طائفياً على الإطلاق، لا يمكنه أن يكون ’’ ممالئاً ‘‘ لأحد إلا إذا خان ذاته و صار بوقاً.
هناك فاصل دقيق يكاد يكون ’’ شبحياً ‘‘ بين اللمعان و الذهب، بين المفكر و الثرثار، و نحن في حاجة للتمييز بينهما إلى جهد فكري جبار، بحيث ننخرط في الفكر لتمييزه عن نقيضه؛ فإما أن تكون مفكراً، أو يتحتم عليك الحصول على قدر من الحدس يساعدك على كشف الرداءة و فضحها، ما يلمع ليس ذهباً لأن هناك مَنْ يشوه الفكر ليس بمظهر ’’ الفذلكة ‘‘، و ’’ الرطانة ‘‘ التي يجيدها المتحدث ’’ المهذار‘‘ و حسب، و إنما أيضاً بجوهر سيكولوجي عُجن بداء التبعية.
ليس بالضرورة أن يكون كل ما يلمع ذهباً، كذلك ليس كل ثرثار ’’ متفذلك ‘‘ و بارز إعلامياً، هو إنسان ’’ معرفي ‘‘، بوسعه أن يساعدنا على فهم الظاهرة و الواقع، و إضاءتهما؛ و هذا شيء طبيعي، فهناك مَنْ لا يريد تبديد العتمة، و إزاحة الغموض بقدر ما يريد غسل الأدمغة، و هناك مَنْ لا يُشيع الفهم بقدر ما يشيع التضليل و الثرثرة.
لمعانٌ في المظهر، وعبوديةٌ في الجوهر، و المحصلة ثرثرة، و تشويه، و تضليل؛ يمكننا القول على قاعدة التمييز ’’الكانطية‘‘ الشهيرة، الذي يقيم ’’ الأبستمولوجيا ‘‘ برمتها على الفصل بين الشيء في ذاته، و الشيء في ظاهره، بين ’’ الأنطولوجيا ‘‘، و’’ الفينومينولوجيا ‘‘، إن هنالك ظهوراً لا يلمع إلا لأنه يحجب خواءً داخلياً. حتى إن كان هذا التمييز الكانطي لا يتضمن اختلافاً جوهرياً إلا أنه يمنحنا القدرة على وضع السؤال، والشك في الظاهرة الثقافية، في اللمعان الظاهري لجوهر عدمي، فالبريق تعويض عن فقر ’’ جواني ‘‘، الجرأة الخارجية الماثلة في التأكيدات الرائجة في كل مكان، يشيع فيه غسيل الأدمغة، يعكس جُبّناً داخلياً، أو فراغاً.. لا يغرنكم براعة الحديث، أو طول اللسان؛ هذا إن برع في شيء ففي تعويض عجزه الفكري بالثرثرة، و لا شيء آخر، تلك هي كينونة المثقف اللامع، و الاتباعي، مثقف و اتباعي؟ أجل، يمكن أن يحصل ذلك على سبيل ” المزحة ‘‘ الأنطولوجية للمفكر الثرثار، الذي لا يكف عن اللمعان، و المديح، و التسول.. و التحول.
لا تنفك دراما التحول بكل ما تكتنفه من دلالات سيكولوجية و ثقافية عن إتحافنا بأمثلة وأحداث ساخنة؛ سوق التبشير يعج ببطولات التحول و تبديل الجلود، تتخذ أحياناً شكل وثبة إعجازية و أخرى متدرجة، تحول ثوري راديكالي أو معتدل، في ولادات تشهد فصولاً و مسارات من تمذهب منهمك و متشبع بهويته، مروراً باعتدال و نزوع وحدوي متخفف من أعباء الهوية، لينتهي حيث يستقر أخيراً على ضفة أخرى، داخل هويات نقيضة؛ مراحل ثلاث يمر بها المتحول ليصل إلى ما وصل إليه.. و فيما يشبه حركة تراجيدية أو ديالكتيك، نجد أنفسنا أمام ثالوث لا يُسفر عن جديد: طُمأنينة ثم قلق ثم الطمأنينة ذاتها؛ و من انتماء إلى آخر يراوح العقل الأحادي ذاته، مستبداً بهذا الكارتوني و لا جديد تحت الشمس.
المتحولون أبطال ملحمة الهويات؛ يخلفون انفجارات مدوية للمكبوت على شكل هويات متقاتلة و متنابذة و مسكونة بهاجس الانتقام، قد يكون وحدوي ملتحف بغطاء وطني عابر للهويات الماقبلية، ينازع في داخله ترهات معرفة الحقيقة و مشتقاتها.. إذ أن كل تحول هو حدث مدوّ و لا شك، حدث مُربك يعزز الانقسام و التعارض: فما هو مكسب عند طرف يصبح خسارة عند آخر، بحيث يبدو مثل شق جديد في الرقعة، تأكيد للانقسام و التعارض نفسه، و في حالة الوحدوي الذي شاء القدر أن يتحول إلى ” قطيعي ‘‘ متطرف، إقصائي همه نبذ الآخر و إقامة الحواجز، في هذه الحالة يبلغ التعارض أقصاه، حيث يبدو التحول نفسه و قد تحول إلى استبصار أو هداية حيناً و ضلال و رِدّة حيناً آخر.
التحول بصفته صيغة أكثر تواضعاً لا يقال هنا، الطائفي المستبصر أو المرتد أكثر من متحول، إنه تائب مهتد وجد الحقيقة و اطمأن بها قبل أن يستأنف دوره كداعية تبشيري يوزع أحكام الخلاص: ها هو المتهم و قد صار قاضياً يستبدل متهماً بآخر، و ها هي الحقيقة و الطائفة الناجية قد عادت من جديد طوع اليد و كأن شيئا لم يتغير.
كم سيكون شيقاً و جميلاً لو أن كل متحول لم يقطع شعرة معاوية، لو أنه تجاوز التمذهب نحو رؤية أعم، لو تخطى الانتماء العصبوي و التخندق الطائفي بكسر حلقة الاصطفاف بكل ما تكتنفه من كراهية و نرجسية، لكي يغادر نهائياً سياق ديدنهِ الخيانة المزمنة للمعرفة و الفكر النقدي و الوفاء لذهنيات قطّعية استئصالية متأججة عاطفياً، و ذهنيات لا تُفرز إلا تحولات اجترارية مكرورة لا يعوَّل عليها.
لعله زمن التقلبات المميتة.. زمن الموت العربي الراهن، و لعل تجربتنا نحن ” السوريات و السوريين ‘‘، في بلدنا و الغربة، تقدّم صورة مأساوية عن مصير تحولات و فصامية الإنسان العربي.
– عبد الباسط حمودة –

الفصامي لاعق الأحذية

  • Social Links:

Leave a Reply