سلامة كيلة والحرب على الإرهاب

سلامة كيلة والحرب على الإرهاب

سلامة كيلة (1955 – 2018)

في مقال جميل كاشف بعنوان “من نقد السماء إلى نقد الأرض“، كتب المفكر العربي سلامة كيلة (1955 – 2018) عن البيئة المهمشة الفقيرة التي خرج منا مقاتلو الأحزاب اليسارية في الستينات من القرن الماضي وما بعدها، وكذلك خرج منها مقاتلو داعش. تساءل وقتها: ترى هل انتبه أحد من الباحثين العرب إلى أن فقر وجهل هذه البيئة هو الذي دفعها إلى هذا التمرد أو التطرف في الستينات، وفي العقد الثاني من قرننا هذا؟

share

الحرب على الإرهاب لم ولن تلغي الإرهاب طالما أن أصله لم يعالج، أي الفقر والجهل والتهميش

بالطبع لم ينتبه سوى القلة إلى هذه الحقيقة، ولم يشر إليها أحد باستثناء سلامة كيلة وعدد قليل جدًا من المفكرين المخلصين لشعوبهم العربية من ذوي النزعة الإنسانية، الملتصقين بطبقاتها وفئاتها المفقرة المهمشة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد عامٍ على رحيله.. استعادة ضرورية لسلامة كيلة

في حين كان الواجب معالجة تمرد وتطرف هذه الطبقة الفقيرة بشيء من العدالة والتنمية ورفع مستوى التعليم، تجري معالجة التطرف بمحاربته أمنيًّا وعسكريًّا، مع أن الحرب على الإرهاب لم ولن تلغي الإرهاب طالما أن أصله لم يعالج، أي الفقر والجهل والتهميش. ومع أن الحرب على الإرهاب أكثر كلفة من جميع النواحي، لا سيما ماليًّا وبشريًّا من الحرب على الفقر والجهل، لكن يبدو أن نزعة الإبادة والعسكرة والأمنوة (من الأمن) عند كلٍّ من الأنظمة العربية والنظام العالمي الأمريكي – الأوروبي الجديد هي وسيلة وحيدة لمعالجة الأمور في الشرق العربي الإسلامي، وهي نزعة ضرورية لمصانع السلاح والصناعة الأمنية والإعلامية… إلخ.

في النظام العربي الجديد، يصبح العلاج الوحيد للفقر والجهل هو إبادة البيئات الشعبية التي تنتج حملة السلاح المتطرفين، السلاح الذي تقدمه الأنظمة العربية مجانًا لهؤلاء.

في مقاله المشار إليها، “من نقد الأرض إلى نقد السماء”، يتابع المفكر سلامة كيلة الحديث عن الإرهاب الذي صنعه كل من السوفييت والأمريكان حين كانت تجربة فيتنام تمثّل هزيمة كبرى لأمريكا على يد المقاتلين الشيوعيين المدعومين من السوفييت، وتجربة قاسية لم تنسها حتى الآن، فإن أمريكا ردت على السوفييت الصاع صاعين فاخترعت تجربة الجهاد الإسلامي، أو ما يسمى بالمجاهدين، الذين قاتلوا السوفييت في أفغانستان ودفعوهم للانسحاب لاحقًا. وهو أمر أدى لاحقًا، وعبر سلسلة تداعيات إلى سقوط الاتحاد السوفيتي، وهذا ما لم ينسه بوتين، بل دفعه للانتقام من كل ما هو مسلم في الشيشان، وها هو اليوم يشنّ حرب إبادة على الشعب السوري باسم محاربة الإسلاميين، حيث اشترك الأمريكان معه في مسرحية الحرب على الإرهاب، أو الحرب على الإسلاميين والشعوب المسلمة.

share

رأى المفكر الراحل سلامة كيلة: “ليس الدين من ينتج التعصب والتطرف بل الواقع”

في إشارة ذكية وملفتة للانتباه، يلتقط كيلة جوهر التعبير الإسلامي عن الرفض الاجتماعي للتهميش والفقر والظلم بقوله إن الحركات الإسلامية ما هي سوى حركات دون سياسية استخدمت الدين للاحتجاج على وضع دنيوي، وهي اليوم، أي الحركات الإسلامية أو الإسلام السياسي، القوة الكبرى لمقاومة الإمبريالية والاستبداد والصهيونية معًا، لكنها قوة غير سياسية تنطلق من الفقه، والفقه دون سياسيّ، فيستنتج كيلة من ذلك أن الدين ليس من يحرّك هؤلاء الشباب المهمش المفقر، بل الواقع الضاغط، والإسلام ليس سوى شكل أو وسيلة التعبير “السياسي” عن احتجاجهم، باعتبار أن اليسار انتهى وكذلك الشيوعية، ولم يعد يتوفر في السوق سوى الإسلام السياسي أداة تعبير عن الاحتجاج. يقول “ليس الدين من ينتج التعصب والتطرف بل الواقع”.

اقرأ/ي أيضًا: غاب سلامة كيلة.. تواطأ الموت مع الاستبداد

في إشارة جوهرية، يتابع سلامة كيلة قائلًا من أجل أن الواقع هو المنتج للتطرف والجهاد وليس الدين فالواجب على الدارسين نقد الواقع والظروف السيئة وليس نقد الدين: “الواقع بما يعنيه حول الظروف التي تفرض التهميش والفقر والبطالة، والظروف التي تجعل الطبقات المسيطرة تسعى إلى استغلال الدين من أجل تشويه الصراع الطبقي. هذه الظروف هي التي تحتاج إلى نقد وتفكيك، بالضبط من أجل وضع سياق يسمح برؤية صيرورة الصراع، وبالتالي يطرح البديل الذي يحقق مطالب الشعوب؛ النقد الذي يطال الواقع الاقتصادي والمجتمعي والسلطة والسيطرة الإمبريالية، النقد الذي يطال العجز الذي يشلّ اليسار ويجعله يتلاشى

  • Social Links:

Leave a Reply