ليلة القبض على “عبد الرحمن الكواكبي” (2)

ليلة القبض على “عبد الرحمن الكواكبي” (2)

محمود عادل باذنجكي

تواعدتُ مع (ثائر ) ابن الثائر (جمال طحّان) للذهاب إلى “فرع الأمن الجوّيّ”، نقدّم يُمنى، ونؤخّر يُسرى. كمن يسعى إلى قاعِ جهنّم، في محاولةِ استنقاذٍ يائسة، ربّما تذهب بالمنقِذِ، الذي قد يسُدُّ الطريق على (منقِذِ ذاته) بعدها، إن هوَ هوى في الغياهب.

وقفنا إلى البوّابة “ذات المظالم” بانتظار موافقة الرائد الذي لم يتأخّر في الردّ.

وكما هو معلومٌ في طبع الأحرار إقدامُهم على الموتِ، إقدامُهم على عُرس بفرح.
لكنّ ذروة خشيتهم تكمن في وقوع شجاعتهم، تحت قبضة جُبنِ قِنٍّ انحنى ليسودَ، ثمّ سادَ فاستبدّ، ثمّ سلِمَ من العقاب فاستطابَ لمَنْ يقع بين يديه العذاب.

دخلنا مكتباً تتصنّع جدرانه الأناقة، ويرسم شاغله الرائد “ماهر محمود” على وجهه ابتسامة الظافر في لعبة طاولة النرد، عندما يجيبه (حَجَره): “شيش بيش”.

بعد جلوسنا، ردّ على اتّصالٍ (زائف) يشرح فيه لِهواءِ الغرفة عناوين مجريات تحقيق الأمس، الذي استمرّ منذ الواحدة ليلاً حتّى منتصف النهار قبيل مقابلتنا، مخبراً (سيّده المفترَض)، أنّه وقع على الخليّة الأخطر في “حلب”. وأنّ الصيد ثمين وسيوافيه بتقرير مفصّل عن نتائجه.

بعد رسالته الهاتفيّة (لنا) على الهواء. التفتَ إلى “ثائر” قائلاًبصدره المنفوخِ كديكِ المزبلة يخاطبه بِلَوْمِ لئيمٍ: أما كان الأفضل لوالدك “الدكتور” أن يبقى في (عيادته)!!! في “منطقة الميريديان”، بدلاً من هذه البهدلة؟

كان هذا السؤال مدهشاً لنا، فكيف لمحقّق قضى أحد عشرة ساعة في تحقيق، ولا يعرف أبسط معلومة عمّن كان يحقّق معه؟ والتي من المفترض أن تكون بين يديه قبل اعتقال المتّهم.

وحقيقة الأمر، سقط هذا الديك (المنفوخ) في ناظرينا من ارتفاع رُكام مزبلته، إلى دَرَك (فرخٍ غًرٍّ) لا يتلمّس وجهته فيتوه الدربَ إلى قِنّه الملتصق به. فبادرتُه على الفور مصحّحاً:
– لكنّ الدكتور “جمال”، هو دكتور في الفلسفة، وليس طبيباً!!
فأراد تحويل الحديث، ليتخلّص من إرباك مطبّ الغباء المفرط النافر، فوجّه حديثه لي:
“إنتو المثقّفين.. أبتفهموا. لأنكم بتتفرّجوا عقناة الجزيرة وبتصدقوها.”
فأشرتُ بردّة فعلٍ سريعةٍ -لا تخلوا من خُبث- إلى الحائط خلفه:
– لكنّك (مثقّف) أيضاً، وهاهنا تبدو شهادتك في الحقوق!!
فردّ كلمعة برقٍ اقتضتها الحواريّة الجدليّة التي حوصر فيها دون أن ينسى منفاخ ذاته المخابراتيّة، وبابتسامةِ (المتفهمن):
– ” إيه بسّ أنا ضابيط”.

ثمّ أراد الرائد فضفضة عن تعبه وإرهاقه، فشفط من عمق أحشائه تنهيدة، بسبب عدم التقائه بزوجته وأولاده منذ 5 أشهر في الضيعة، نتيجة متابعته الحثيثة للمؤامرة (الصهيوقطرتركسعرعمريكيّة)، وأنّ تحقيق النصر -حسب ظنّه- قاب قوسين.

سلّمناه أدوية وملابس (جمال) -التي لم تصِل له- وشرحنا للرائد عن خطورة مرضه، وضرورة خضوعه للجرعات في مواقيتها. ثمّ غادرْنا ظلمات المكان، يجتاحنا شعور الناجي من بين فكّي تمساح.

تحرّكنا من ساعتها على أكثر من صعيد، فمِن مطالباتٍ على (الفيسبوك)، إلى لافتاتٍ كبيرة مُدلّاةٍ من نوافذ في المدينة الجامعيّة، ومناشداتٍ من صفحاتنا الشخصيّة، دون أن نوقف سعياً مباشراً ليستعيد (الجمال) ألَقَ حرّيّته.

كان من بين مَن تمّ طرق أبوابهم للتوسّط للدكتور “جمال”، “أحمد بدر الدين حسّون” الذي كان (قدّم) لأحد كتب الدكتور “جمال”، وله معرفة شخصيّة به، عدا عن علاقته الوثيقة “بالأمن الجوّي”، التي تعود للجنة كانت تُهيّء بتكليفٍ من المستبدّ المؤَسّس، لاستلام “بشّار” كرسيّ الرئاسة وهي لجنة مؤلّفة من: (العميد بهجت سليمان، إياد غزال، أحمد حسّون، العميد محمّد بكّور.)

لكنّ “أحمد حسّون” رفض التدخّل لقضيّة “جمال”، لأنّه أجبن من أن يتحمّل مسؤوليّة وفاءٍ يستطيعها ويتجنّبها، خشية فقدان رصيده من التزلّف الخالي من شائبة “كرامةِ” إغاثة ملهوفٍ، معارضٍ لسيّده.

وبعد مساعٍ متعدّدةِ الشخصيّات والأدوار، تدخّل د. “صهيب الشامي”، وقابل د “جمال” في الفرع، (رغم عدم معرفته به سابقاً) وسُمِح له بالاتصال هاتفيّاً بوالدته وزوجته. تلا ذلك توسّط د. “صهيب” لدى “بشّار الأسد” ومدير مكتبه عدّة مرّات.

لأوّل مرّة تقرّر إعطاءه جرعة من العلاج الكيميائيّ بعد انقطاع لأشهر، مع ما لتأخير العلاج من أضرار -غير عكوسة- على حالة المريض.
وكنّا علمنا من مصادر خاصّة عن موعدِ إعطائه العلاج في مشفى “زاهي أزرق”. فهُرِعتُ مع “ثائر” وتخفّينا عن بُعد، حتّى قدِمَت سيّارة فرع الأمن، ترجّل العناصر مهرعين من العربة، مدجّجين بأسلحتهم، ثمّ أخذوا استحكاماتهم وكأنّهم على جبهة حرب، قبل نزول د.(جمال) مصفّداً.

استطاع (ثائر) المرور بين المراجعين والمرضى، ليستطيع والده لمحَهُ ولو بالتفاتةٍ، لا يكاد يشعر بها راصدٌ مترقّب. لمحةُ شوقٍ جارفٍ، بعد أشهر من هواجس، وقلقٍ، وقضم أظافر حيرةٍ، تدفع المرء بعدها لعناق بلا انعتاق، وإلى توقيفٍ للزمن حتّى لا تفرَّ طُمأنينة اللقاء ثانيةً، ولو لثانية.

نُقِل “جمال” إلى دمشق بعدها، واستطاع أهله مقابلته قبيل الإفراج عنه في 14/12/2011
وبعد بيانٍ وقّعنا عليه (زملاؤه في النداء) للكشف عن مصيره، إثرَ ورود شائعاتٍ عن استشهاده.

وكنتُ نشرتُ في صفحتي على فيسبوك قبل أسبوعين من إلإفراج عنه بتاريخ 1/12/2011

الدكتور جمال طحّان- أبو ثائر
الباحث عن الاستبداد

له من اسمه ولقبه نصيب، فامتلك جمال الروح، ونقاء الثائر على الفساد والاستبداد والعنف والطائفيّة المقيتة.
و فيه يجتمع الموروث الحضاريّ و نهضة الإبداع الحلبيّ السوريّ العربيّ الإنسانيّ.

حائز على درجة دكتوراه في الفلسفة- دراسات في طبائع الاستبداد، ربّما كانت تحتاج إلى دورة عمليّة لتكتمل لديه جوانب الصورة. و أظنّه سيغتنم فرصة اعتقاله – التي نرجو أن لا تطول – للتأمّل، والخروج بخميرةٍ فلسفيّة أدبيّة، ربّما تكمل فصولاً غابت عن “عبد الرحمن الكواكبي”.

أعرفه منذ زمن، كنت بداية أظنـّه مغروراً. فوجدت فيه خليطاً عجيباً من براءة طفل، في ثياب صيّاد ماكر.
عالمٌ متواضع.. و صلِفْ!!.
يحمل هدوء بركان تعلوه الخضرة.
تدخل الصورة إلى دماغه فيركّبها بطريقة عجائبيّة في نزف قلمه.
يصمتُ كثيراً وعندما يقول.. يقول كلاماً كبيراً.
اقترن اسمه باسم “عبد الرحمن الكواكبي” من خلال دراساته عنه، فلا أدري في صفحات التاريخ، مَن سيُكنـّى بالآخر؟

يؤمن بالحوار – الذي ينتهجه طوال حياته – سبيلاً للخروج من الأزمة، لكنّه يؤمن بداهة أنّ الحوار يحتاج إلى طرف آخر، مؤمنٍ بالحوار أيضاً، و بشروط متكافئة.

ننتظرك د. “جمال”، وننتظر أوّلاً مـمّن يدعو للحوار، أن يهيّيءَ أسبابه.. و أوّلها أن تكون بيننا قريباً.‎%‎

-يُتبَع-

  • Social Links:

Leave a Reply