في سورية القادمة المواطنة هي البديل عن أي هوية مذهبية…

في سورية القادمة المواطنة هي البديل عن أي هوية مذهبية…

المهندس سامر كعكرلي
عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري

تسللت خلال سنوات الثورة في سورية الكثير من المفاهيم التي لم يكن الشعب السوري يتناولها بأحاديثه. وبطبيعة الحال فإن طول فترة الثورة من جهة، ومن جهة أخرى كثرة الجهات ذات الأجندات الخاصة غير الوطنية التي عبثت أياديها بهذه الثورة، كانا السبب الرئيسي في احتلال تلك المفاهيم لحيز جيد في وعي الإنسان السوري.
ومن تلك المفاهيم التي سمعتها مؤخراً ما يسمى بالهوية السنّية للشعب السوري التي يجب إعادة ترتيبها لمواجهة مشروع طائفي شيعي قادم من خارج الحدود لينال من تلك الهوية، وبعبارة أشد للقضاء على تلك الهوية في تلك المنطقة الجغرافية المسماة سورية.وبالواقع فإنه لا يمكننا لوم من تلقى هذا المفهوم من الشعب السوري البسيط – الذي يرزح تحت ضغط لو تعرض له أي شعب لكان انهار وتلاشى- واقتنع به وبدأ بالتحدث به في أحاديثه الخاصة والعامة، ولكن بكل تأكيد يجب البحث والتحري الدقيق حول من أطلق هذا المفهوم؟ ولماذا أو ما غايته ؟.
بالتأكيد لن يجد الباحث عن مطلق هذا المفهوم كثيراُ من الجهد ليجد بأن مفهوم الهوية السنّية التي ترمز لأمة سنّية واحدة هو أحد الأبجديات الأساسية للإسلام السياسي الذي أساسه الأخوان المسلمين. هذا من حيث من مطلق هذا المفهوم، أما بالنسبة لماذا؟ أيضاً لا يخفى على أحد بأن مشروع الإسلام السياسي السنّي الذي يمثله الأخوان المسلمين قائم على أساس إقامة الدولة الإسلامية من “ماليزيا” ولغاية “طنجة” وهم – أي الأخوان المسلمين – يرون الدول في تلك المنطقة الجغرافية من العالم ما هي سوى تفصيل صغير في مشروعهم، وهذا ما عبر عنه حرفياً القيادي الأخواني الفلسطيني “محمود زهار” وبدون أدنى شك فإن لهذا المشروع حسب فكرهم لن يكون سواهم قادة له أي بمعنى أخر فهو نوع من أنواع السعي للسلطة مثلهم مثل أي تيار سياسي أو حزب، ولكن بفارق مهم جداً بأن السعي للسلطة يجب أن يكون من خلال برامج اقتصادية واجتماعية وسياسية وليس فقط من خلال التلاعب بالمشاعر الدينية للشعوب ورفع شعارات لا تبنى على خطط واستراتيجيات مثل شعار (( الإسلام هو الحل)).
هذا بالنسبة لمن؟ ولماذا” هذا المفهوم، أما بالنسبة لخطورته على وضع سورية ولا سيما وأنها تمر بمخاض عسير سيتم بعده بكل تأكيد ظهور سورية جديدة لم يعرفها العالم من قبل، فسأكتفي بذكر عدة نقاط بشكل مختصر آملاً أن تحث هذه الكلمات المفكرين والمحللين ومراكز البحوث الإستراتيجية التصدي لهذا المفهوم وكشف مخاطره.
أعتقد بأن أول مخاطر هذا المفهوم تنحصر بفكرة أن ما زال السنّة العرب قد قرروا أن هويتهم هي “سنّيتهم” ،وأن الأخوان المسلمين هم من سيحقق لهم ترتيب بيتهم السنّي، فإن هذا دون أدنى شك سيعطي الشيعة العرب الذي لا يقل عددهم من خمسين مليون إنسان يعيشون في عدد من الدول العربية مثل العراق ولبنان وبعض دول الخليج المبرر الأخلاقي والقانوني للبحث عن هوية شيعية في مقابل الهوية السنية، وبطبيعة الحال فإن الشطر الشيعي في فكر الإسلام السياسي وهو فكر ولاية الفقيه سيكون الوحيد الذي يمكنه التصدي لمهمة تحقيق هذه الهوية الشيعية ((وإن كان القاصي والداني بات يعلم علم اليقين بأن فكر ولاية الفقيه الذي يدعيه نظام إيران ينطلق على أساس قومي فارسي إلا أنه يتخذ في الفكر الشيعي غطاءً له)). وهذا ما يفسر تلاقي طرفا الإسلام السياسي والشّيعي السنّي الممثلين بإيران من جهة ومن جهة أخرى والأخوان المسلمين في عدة مناطق في العالم العربي مروراً بحماس والجهاد الإسلامي بفلسطين، والرئيس “محمد مرسي” بمصر، و”الغنوشي” بتونس، وانتهاءً “بأردوغان” في تركيا.أما في سورية فإن التلاقي الإيراني الأخواني لم يظهر بوضوح بسبب غزارة الدم الذي يسفك من الشعب السوري برعاية ودعم إيراني لطاغية سورية بشار الأسد، ولكن لا يمنع ذلك من وجود بعض الغزل ما بين إيران وأخوان سورية، ولعل تصريحات قادة الأخوان المسلمين السوريين من أمثال “فاروق طيفور” أكبر دليل على ذلك. وكأن هذا التلاقي يقوم على قاعدة الاعتراف المتبادل ما بين إيران والأخوان بحيث يكون للأولى زعامة الشّيعة في العالم وللثانية زعامة السنّة في العالم العربي.
هذا من ناحية العالم العربي، أما بالنسبة لخطورة هذا المفهوم على سورية كدولة فإن هذا المصطلح هو دعوة واضحة لتقسيم سورية، وإن كان دعاته يقولون بغرفهم الخاصة بأن هذا المفهوم هو الدرع الحقيقي للوقوف في وجه تقسيم سورية بحجة أن السنّة في سورية يمثلون أغلبية مطلقة تتجاوز التسعين بالمائة حسب زعمهم ومما سمعته من تسجيلات صوتية من دعاة هذا المفهوم بأن باقي المكونات لا حق لهم سوى بتعيينهم كأعلى حد “كمخاتير” في مناطقهم بحكم أنهم أقلية، ويستند أصحاب هذا المفهوم على أن السنّة في سورية هم من فجروا الثورة بدليل أنهم هم الفئة الكبيرة التي نالها من القتل والاعتقال واغتصاب النساء، ونسي هؤلاء بطرحهم هذا نقطتين رئيسيتين الأولى وهي وإن كان صحيح أن معظم ضحايا النظام المجرم هم من السنّة – وهذا كلام حق يراد به باطل- والرد عليه من حديثهم وحسب نظرية الاحتمالات وبما أن السنّة أغلبية فمن الطبيعي أن يكون أغلب الضحايا من السنة، ولكن ذلك لا يمنع من أن في بدايات الثورة كانت كافة فئات الشعب السوري مشارك بتلك الثورة ولعل اعتصام ساحة الساعة بحمص ومشاركة صبايا وشباب باب توما وجرمانا بمظاهرات الميدان وركن الدين بدمشق، واعتصام محامي السويداء، أكبر دليل على أن ثورة سورية هي ثورة شعب ضد نظام مافيوي مجرم ،والثانية بأنهم يلتقون بهذا المفهوم مع النظام الذي سعى جاهداً بتصوير ثورة الكرامة أنها ثورة سنّية قامت ضد الأقليات وأنه كنظام حامي للأقليات.
وبرد بسيط على هذا المفهوم أنه ردع بشري ضد تقسيم سورية كما يدعون أود طرح سيناريو بسيط ينطلق من مفهومهم الأكثرية والأقلية، فما رأي هؤلاء أن يقوم دروز السويداء التي تبلغ مساحتها /6550/ كيلومتر مربع بإعلان كيانهم المستقل تحت اسم إمارة بني معروف أو جمهورية بني معروف ((وهذا الكيان سيكون بكل تأكيد خارج نطاق أصغر أربعين دولة في العالم))، والدروز بهذا الكيان المفترض يشكلون أغلبية مطلقة، مع بعض التواجد السنّي والمسيحي البسيط جدا في تلك البقعة الجغرافية في سورية، ويقولوا للسنّة أو للمسيحيين أنكم بالحد الأعلى لا يمكنكم سوى أن تكونوا كمخاتير في قراكم، أليس هذا الطرح يماثل تماماً ما يطرحه دعاة مفهوم الهوية السنّية بمفهوم أكثرية وأقلية، وطبعاً بنفس السيناريو يمكن تطبيقه في أكثر من منطقة في سورية.
بالخلاصة فإن مثل هذه الدعوة للهوية السنّية التي يتبناها الإسلام السياسي على رأسه الأخوان المسلمين ويعملون على تعميمه، مستغلين حجم مآسي الشعب السوري والتلاعب بالمشاعر الدينية يتنافى بشكل مطلق مع مفهوم دولة المواطنة التي دعت إليها ثورة الكرامة في سورية والتي لا يوجد بها أي مفهوم عن أكثرية أو أقلية سوى بالمفهوم السياسي البرلماني.
19/11/2019

  • Social Links:

Leave a Reply