قراءة في المرسومين /23/ و24/ لعام 2019 القاضيان برفع الأجور والرواتب..

قراءة في المرسومين /23/ و24/ لعام 2019 القاضيان برفع الأجور والرواتب..

المهندس سامر كعكرلي
عضو المكتب السياسي لحزب اليسار الديمقراطي السوري
بعد مجزرة رهيبة تندى لها جبين الإنسانية، ارتكبها نظام الأسد وحليفه الإيراني في قرية “قاح” في شمال سورية، أصدر رئيس النظام السوري المرسومين التشريعيين رقم /23/ و /24/ لعام 2019، والقاضيان بزيادة رواتب العاملين في الدولة من عسكريين ومدنيين، إضافة لرواتب المتقاعدين، فقد نصت المادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم /23/ لعام 2019 على ما يلي:
((يضاف مبلغ 20000 ليرة سورية إلى الرواتب والأجور الشهرية المقطوعة المحسوبة وفق أحكام المادة (1) من هذا المرسوم التشريعي لكل من العاملين المدنيين والعسكريين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة وشركات ومنشآت القطاع العام والبلديات ووحدات الإدارة المحلية والعمل الشعبي والشركات والمنشآت المصادرة والمدارس الخاصة المستولى عليها استيلاء نهائيا ومن في حكمها وسائر جهات القطاع العام وكذلك جهات القطاع المشترك التي لا تقل نسبة مساهمة الدولة فيها عن 75 بالمائة من رأسمالها)).
ونصت الفقرة /أ/ من المادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم /24/ لعام 2019 على ما يلي:
(( أ – يمنح أصحاب المعاشات التقاعدية من العسكريين والمدنيين المشمولين بأي قوانين وأنظمة التقاعد والتأمين والمعاشات والتأمينات الاجتماعية النافذة بمن فيهم الخاضعون للمرسوم التشريعي رقم 48 لعام 1972 والقانون 43 لعام 1980 زيادة قدرها 16000 ليرة سورية)).
أي أن الزيادة الممنوحة تقدر بسعر الصرف الحالي للدولار الأمريكي البالغ /720/ ليرة سورية بحوالي /28/ دولار للعاملين مدنيين وعسكريين، وحوالي /23/ دولار للمتقاعدين.
وفي تصريح لوزير مالية نظام الأسد نُشر في موقع “الاقتصادي” بتاريخ 22/11/2019 بأن تكلفة زيادة الرواتب الأخيرة بلغت /495,368/ مليار ليرة سورية، وتلك تعادل حسب سعر صرف الليرة السورية حوالي /688/ مليون دولار أمريكي.
وقد جاء في المرسومين المذكورين بأن النفقات الناجمة عنهما تصرف من وفورات مختلف أقسام وفروع الموازنة العامة للدولة للسنتين الماليتين 2019 و 2020 بالنسبة للعاملين الذين يتقاضون رواتبهم وأجورهم من هذه الموازنة.
وبموضوع الوفورات فإنها يمكن أن تؤمن من خلال ثلاث طرق :
الأولى وهي الأضخم وهي تلاعب المصرف المركزي بسعر صرف الدولار الأمريكي والحفاظ عليه ضمن مستويات منخفضة غير منسجمة مع سعره الحقيقي في السوق، حيث أن المصرف المركزي يقوم بتخفيض السعر الرسمي للدولار الأمريكي، مقارنة بسعره في السوق السوداء، فكتلة الرواتب والأجور في موازنة 2019 بلغت /421.61/ مليار ليرة سورية بسعر صرف الدولار الأمريكي في المصرف المركزي /432/ بينما كان متوسط سعر الدولار في السوق السوداء /600/ ليرة سورية. أي أن كتلة الرواتب والأجور في موازنة 2019 تقدر بحوالي / 992/ مليون دولار أمريكي بحسب سعر المصرف المركزي، بينما بحقيقة الحال فإن كتلة الرواتب والأجور تعادل حوالي /714/ مليون دولار أمريكي. أي بتوفير يبلغ / 278/ مليون دولار أمريكي. أما بالنسبة لموازنة 2020 فقد بلغت كتلة الرواتب والأجور /501/ مليار ليرة سورية بسعر صرف الدولار الأمريكي في المصرف المركزي /435/ بينما متوسط سعر الدولار في السوق السوداء الآن /720/ ليرة سورية ((ومتوقع ارتفاعه لأكثر من ألف ليرة خلال العام القادم)) أي أن كتلة الرواتب والأجور في موازنة 2020 تقدر بحوالي / 1151/ مليون دولار أمريكي بحسب سعر المصرف المركزي، بينما بحقيقة الحال فإن كتلة الرواتب والأجور تعادل حوالي /695/ مليون دولار أمريكي. أي بتوفير يبلغ / 456/ مليون دولار أمريكي.
أما الثانية تكمن في عدم إنجاز المشاريع التي تم إقرارها في الخطة الاستثمارية أي من الإنفاق الاستثماري لمؤسسات الدولة، وبالتالي تحويل تلك الوفورات إلى الإنفاق الجاري الذي تشكل كتلة الأجور والرواتب النصيب الأعظم منه. وإذا علمنا بأن الإنفاق الاستثماري للدولة يعني الإنفاق على المشاريع الحيوية فيها والتي يجب أن تعود بالفائدة على المواطنين، فهذا يعني أن توقف أو خفض الإنفاق الاستثماري لصالح الإنفاق الجاري هو تعطيل لعجلة النمو الاقتصادي في سورية.
أما المصدر الثالث للوفورات فهو من الإنفاق الجاري نفسه ومن كتلة الأجور والرواتب بالذات، ففي ظل صرف آلاف الموظفين والعمال من أعمالهم ووظائفهم بسبب عدم ولائهم للنظام، أو بسبب تواجدهم في مناطق خرجت من تحت سيطرة النظام أو بسبب هجرتهم خوفا من النظام مع بقاء أجورهم ضمن الموازنة الجارية فإن ذلك يشكل وفورات في الإنفاق الجاري.
أي أن الطرق الثلاثة لتأمين التكلفة الناجمة عن مرسومي زيادة الرواتب يمكن وصفها بأن الأولى عقلية الصراف، والثانية عقلية المُّخرب، والثالثة عقلية المُّستبد. ولا يجهد نفسه المتابع للشأن الإقتصادي ليجد بأن تلك الزيادة تعتمد على اقتصاد ريعي وهمي، وليس على اقتصاد إنتاجي، مما يجعل الباب مفتوحاً لزيادة في التضخم الذي تقول بعض الإحصائيات بأنه وصل لحدود /1300%/ لأن أي زيادة بالأجور يجب أن تعتمد على زيادة في الإنتاج أو انطلاق العملية الإنتاجية من زراعة وصناعة وسياحة وغيرها من القطاعات الإنتاجية.
وصحيح بأن زيادة الرواتب لم ترافقها هذه المرة ((على الأقل لغاية الآن)) أي زيادة بسعر المحروقات، ولكن بكل تأكيد سينتج عن هذه الزيادة في الرواتب زيادة بانهيار سعر صرف الليرة السورية وارتفاع سعر الدولار الأمريكي، الأمر الذي سيؤدي فوراً لزيادة رهيبة في الأسعار ولا سيما للسلع المعيشية بسبب أن جلها مستورد وليس إنتاج محلي، وحتى بالنسبة للسلع المنتجة محلياً مثل بعض أنواع المنظفات والزيوت وبعض المواد الغذائية إلا أنه جميعها دون استثناء تعتمد صناعتها على مواد أولية مستوردة.
خلاصة القول بأن النظام السوري، وبعد توقف الدعم المالي الوارد من الخط الائتماني الإيراني بسبب المشاكل التي تعاني منها إيران (سواء بسبب انتفاض الشعب الإيراني على حكومة الملالي أو بسبب الحصار الإقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية على إيران) و بعد أن استنزفت عملياته الحربية التي يشنها ضد الشعب السوري خزينته وأمام الضغط الشعبي ضمن حاضنه وبدء ظهور ثورة الجياع فيها حيث ذكر تقرير الأمم المتحدة الصادر في آذار الماضي بأن حوالي 80% من الشعب السوري يعيشون تحت خط الفقر وأن نسبة البطالة تعدت 50 % بحسب منظمة العمل الدولية، بعد كل ذلك لم يتبقى أمام هذا النظام سوى امتصاص غضب السوريين بسبب غلاء المعيشة من خلال مراسيم زيادة رواتب جوفاء سوف تؤدي لا محالة لزيادة انهيار الاقتصاد السوري.
23/11/2019

  • Social Links:

Leave a Reply