متغيرات الشمال والعملية السياسية بسوريا

متغيرات الشمال والعملية السياسية بسوريا

 

زكي الدروبي

تدخل قضية الشعب السوري منعطفاً جديداً، إذ أطلقت تركيا عملية عسكرية في شرق الفرات أطلقت عليها اسم “نبع السلام”، وترتب عليها تغييرات جديدة في جرافيا السيطرة وتوزع النفوذ في سوريا، بالتوازي مع عودة القصف بالطيران الحربي الروسي على إدلب، رغم أن القصف المدفعي والصاروخي للنظام لم يتوقف، تزامن كل ذلك مع انطلاق مباحثات الدستور في جنيف برعاية الأمم المتحدة، فهل هناك علاقة تبادل وتأثير بين هذه الأحداث المتسارعة؟ وهل ستنعكس بالفائدة على قضية لشعب السوري المطالب بالحرية من نظام الاستبداد القاتل والانتقال إلى نظام تعددي ديمقراطي؟
يرى الدكتور وليد البني أن ما يحدث في شمال سوريا “مجرد عملية تقاسم بين القوى التي تحتل سورية”، وتوزيع للتركة التي تخلى عنها ترامب في سورية، الأتراك والروس والإيرانيين تقاسموا المناطق التي كانت تسيطر عليها أمريكا من خلال قسد التي اتخذ قرار بإنهائها.
لازالت العملية العسكرية التركية في شمال سوريا تلقي بظلالها على المشهد السوري ككل، إذ أن تشكيل جيش من الفصائل العسكرية المختلفة التي كانت حتى وقت قريب متناحرة يضم في قوامه ثمانين ألف مقاتل يعملون بأمر من الدولة التركية ليس أمراً عابراً، ولا شك أن تداعيات عملية “نبع السلام” من إنهاء الكنتون شبه المستقل الذي كانت تسيطر عليه مليشيات PKK الإرهابية أمر جيد لكنها أتت بقوات النظام لتشكل مخافر حراسة للحدود التركية في الشمال، وبينما كان الكنتون مرفوضاً رفضا مطلقا، أصبح مسموحاً وأمر واقع ما بعد المنطقة “الآمنة” المحددة بعمق 30 كم، وازدياد الممارسات القذرة التي يقوم بها عناصر من “الجيش الوطني” تسبب شرخاً في علاقة أبناء البلد الواحد وتزيد من تشرذم الشعب السوري.
ترى السيدة “نغم غادري” في ما يحدث تطبيقاً لاتفاق آستانا، عبر المزيد من قضم الأراضي الخارجة عن سيطرة النظام إلى سيطرته، مضيفة ” قال لافروف منذ البداية أننا سنرفع علم النظام على كل سوريا قبل البدء في العملية السياسية أو التفاوض، وكل ما يحدث اليوم في شمال سوريا سواء شرق أو في الغرب هو تفصيل من تفاصيل آستانا”.
وقد يكون انعكاس هذا الفعل المزيد من التعنت لدى النظام ولدى روسيا، فروسيا التي تريد الإبقاء على النظام كما هو، ضعيفاً خاضعاً ينفذ أوامرها، لن تكون متحمسة جداً لتغييره، والتصريحات الأخيرة لرأس النظام والتي قال فيها أن الوفد الذي يفاوض ليس وفداً يمثل الحكومة، إنما وفد مدعوم منها، رافضاً أي انتخابات تجري دون إشراف كامل من قبل حكومته، معتبراً أن ما يحدث في اللجنة الدستورية مجرد حوار بين سوريين، لهذا يرى الكثير من الثوار والتنظيمات السياسية خارج إطار المعارضة التقليدية أن العملية الدستورية لن تأتي بجديد، وهي تضييع وقت لا أكثر. وهذا ما يؤكده الدكتور البني، قائلاً “اللجنة الدستورية بالأصل مجرد لهاية لن ينتج عنها شيء، لذلك لا شيء يؤثر عليها ولا هي تؤثر على أحد” .
لكن ألا تدفع كل المتغيرات على الأرض لحدوث شيء ما لتخفيف الضغط؟ فالعملية العسكرية في إدلب مستمرة، ومازال القصف قائماً يوقع المزيد من الضحايا، والتصريحات التي تطلق من قبل النظام وأسياده في روسيا تهدد باستمرار بعملية عسكرية كبرى في إدلب، ودخول النظام إلى مناطق جديدة كانت خارجة عن سيطرته في شرق الفرات يهدد ما يقارب من مليون شخص ويضرهم للهجرة بعيداً عن النظام، والحدود التركية مقفلة، فهل سيتم تغيير ما أو دفع في العملية السياسية لتفادي انفجار غير محسوب كما حصل أثناء العملية العسكرية الأخيرة؟
يجيب الدكتور وليد البني بأن ” مصير إدلب لم يتضح تماماً بعد” لكن ” لا أستبعد أن تتم مبادلتها من تركيا على مناطق أخرى، وخاصة وأن القوة الرئيسية فيها هي النصرة المنبوذة دولياً والتي لن يعارض أحد في الإقليم والعالم أي قوة تتبرع بالقضاء عليها حتى ولو كانت روسيا وايران” والهاربين من منطقة إدلب سيتم توطينهم في منطقة أخرى حسب الرغبة التركية” ولن يسببوا موجة لجوء ضخمة إلى تركيا.
واستبعد البني أن ينزح أعداد ضخمة جداً من الرقة والدير بعد دخول قوات النظام إليها، وقد يتم “إيجاد حل لهم على طريقة درعا”، عبر المصالحات والتسويات، ويرى البني أن المبادرة الألمانية حول المنطقة الآمنة بإشراف دولي “قد تكون رأس الخيط” .
من جهتها ترى السيدة نغم غادري أن للمتغيرات الحاصلة تأثير على العملية السياسية، فالعملية السياسية من وجهة نظر الروس هي آستانا، وهي ذات شقين، عسكري وسياسي، وتم بموجب الاتفاقية – إن أحسنا النية – الضغط على قسد من قبل الأتراك لتسليم مناطقهم إلى النظام، اليوم وبعد أن عادت معظم المناطق التي كانت خارج نظام الأسد إلى سيطرته، كيف سيجلس المفاوضون على طاولة المفاوضات دون أوراق ضغط؟ وأنا أتكلم عن عملية التفاوض بشكل عام وليس اللجنة الدستورية بالتحديد، ماهي نقاط القوة التي نمتلكها كي نفاوض، ونقول نعم أو لاء، هل هي طاولة تفاوض أو طاولة مائلة لجهة النظام؟ النظام يملك كل أوراق القوة باتجاه عدم التفاوض، فماذا نملك نحن؟
قد يرى الكثير من المتابعين ومنهم أعضاء اللجنة الدستورية ومؤيديها أن هناك ضغوطاً غربية وروسية على النظام كي يخضع للعملية السياسية، وأن نظامه انتهى ولم يعد بإمكان أحد إعادة تجميله وإحياؤه، وفي المقابل يرى آخرون أن كل هذه الضغوط لا تعدو عن كونها ذراً للرماد في الأعين، وأن روسيا والعالم ككل لن يجدوا أفضل من عميل تابع خانع كنظام بشار الأسد الذي ينفذ كل ما يؤمر به وهو ليس أكثر من كومبارس سيء، وكل ما يحدث يجري من خلال تفاهمات بين الدول لا علاقة له بها.
وفي هذا يرى الدكتور نبيل مرزوق أن ما يجري “شمال شرق سوريا في المحصلة لمصلحة النظام وفق التوافق الروسي التركي”، وأما مسألة الدستور فهي “خاضعة لتوافق دولي أوسع”، لكنه لا يتوقع الكثير منه لأن “المفاوضات شكلية، ونتيجتها مرهونة بالتوافقات الدولية، والمستوى الذي تقبل به كل من روسيا وإيران” مضيفاً ” مع الأسف ما يسمى المعارضة السورية لا تملك القوة الكافية لفرض مفاوضات حقيقية على النظام، وهي أيضاً للأسف غير مستقلة وغير ممثلة فعلية للشعب السوري”.
وكذلك ترى “غادري”، فالشق السياسي من العملية السياسية هو “لعبة، ضحك على الشعوب”، وتستدرك قائلة ” ليس على الشعب السوري فقط إنما على الشعوب الأخرى أيضاً”، مضيفة “بهذه الطريقة روسيا لن ولم تخسر”، ويبقى دور الخليج وأوروبا تقول “الغادري” فقد صرحوا بأنهم لن يدعموا إعادة الإعمار إلا إذا شاهدنا توجه نحو الديمقراطية، حتى أن فرنسا رفضت اللجنة الدستورية مالم تصل لتحقيق أربع شروط من ضمنها إشراف الأمم المتحدة على الانتخابات، فهل هي مجرد تصريحات أم هي “حفظ ماء وجه مات أمام شعبوها أنها سعت لتحقيق الديمقراطية في هذه الدول” حسب “غادري”.

  • Social Links:

Leave a Reply