رسائل في العقد الاجتماعي (1)

رسائل في العقد الاجتماعي (1)

التنوع المجتمعي وأثره على الحالة السياسية

رشيد حوراني – مركز دراسات مينا  

تولي الدول أهمية كبرى لبنيتها الداخلية من خلال وضع إدارة التنوع والتعدد في المجتمع على رأس جدول أعمالها، إذ تختلف المجتمعات البشرية من الناحية الجغرافية، وكذلك من الناحية القيمية، والديموغرافية والاجتماعية والعرقية والثقافية. ومن الناحية الإيديولوجية التي تتبلور فيها العوامل السابقة، ويتمثل الاختلاف الإيديولوجي في التفضيلات والخيارات المعرفية التي يتبناها فريق داخل المجتمع أو عمومه، وتنعكس على تصوره لـ “ما يجب أن يكون” على نحو عملي يُفضي لإحداث الحراك السياسي والتغيير الموافق لتلك التصورات، ومن ثم بالفروق الايديولوجية التي تمثل أهم عوامل اشتعال النزاعات بين أطراف المجتمع وبين الدول، ويكون الصراع مبرراً قيمياً وسياسياً باسم العدل أو الحرية أو غير ذلك. كما تختلف من الناحية العقدية فيما يتعلق بأسلوب إدارة الحياة الذي هو أحد أسباب نشوء السياسة لتكون مهمتها إدارة تلك الخلافات.

بما أن حل مشاكل الحياة يجب أن يكون نتاج جهد بشري، فإن التنوع والاختلاف لا يعني عدم الوقوف على قرار جامع كما يرى بعضهم؛ فالتعددية الثقافية مثلاً تعد ضرورية لترجمة القيمة الموضوعية في الواقعين السياسي والأخلاقي، والتعددية الاقتصادية، هي حالة أساسية لإحداث الحركة في الأسواق المحلية والعالمية، وبذلك يتمسك الفرد أو الجماعة به كمـا يرى (روجيه لابوانت)، وبهذه الصورة يتغير معنى التعدد والتنوع بتغيّر الموضوع ذاته(1)

تتباين الأسباب التي تعود إليها ظاهرة التنوع المجتمعي كالأسباب التاريخية التي تتمثل على نحو خاص في الحروب، وما ينجم عنها من تشريد وتهجير، كوجود الشركس في سورية بسبب حربهم مع روسيا. والأسباب الاقتصادية التي تعود إلى تدني مستوى المعيشة، وانعدام فرص العمل، وهو ما دفع المغاربة إلى الهجرة نحو أوربا، والأسباب السياسية كتغيير الحدود بين الدول، والأسباب الفكرية التي دفعت مارتن لوثر كينغ، إلى المناداة لتحقيق المساواة في الحقوق المدنية لكل المواطنين، وأسَّس الكنيسة البروتستانتية التي تختلف مع مثيلتها الكاثوليكية في عِدة نِقاط محوَرية أبرزها إنكار الخلافة الرسولية(2)، وبالتالي فإن التنوع الاجتماعي في كل مجتمع له تاريخه وظروفه الخاصة، ويختلف عن المجتمعات التعددية الأخرى.

إن أهمية هذه الورقة في أنها تسلط الضوء على مسألة التنوع الاجتماعي كإشكالية مركبة، وما يمكن أن تثيره مكوناته من انعكاسات ضمن إطار الدولة الواحدة، وفي المقابل لا تعني الوحدة مصادرة الاختلافات وحالات التنوع والتعدد في المحيط الاجتماعي؛ بقدر ما تعني تنمية المشتركات والالتزام السياسي والعملي في القضايا المصيرية للدولة، وضمان الحفاظ على المكونات المجتمعية واستقلاليتها، والانتقال من خلالها إلى الديمقراطية التوافقية التي تعني التعدد والتنوع الحزبي الحقيقي القائم على البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولا علاقة له بالقبلية أو الأعراق أو الطوائف (3).

أولاً: الإشكاليات الناجمة عن التنوع الاجتماعي

يشير الباحث السعودي عبدالله حميد الدين في قراءته لكتاب “التعددية الثقافية وحقوق الأقليّات في العالم العربي” إلى أن الأقليات أو المكونات المجتمعية هي صناعة سياسية ولأهداف سياسية، وأن الوعي بالهوية “الانتماء العرقي أو الاثني” ينشأ لأسباب سياسية، والتبشير بها وتحويلها من هوية كامنة إلى هوية فاعلة، هو أيضاً عملية سياسية. وتتجلى في زماننا هذا “زمن سياسات الاعتراف أو سياسات الهوية” إشكالية ناجمة عنها لإيجاد حل تنظيمي يكفل حق الاختلاف من جهة، ويكرس وحدة الدولة من جهة ثانية، وعليه فإن ظاهرة التنوع الاجتماعي تتجلى في عدة نواحي منها ما تمتاز به المجتمعات باشتمالها على أكثر من قومية أو إثنية أو دين بنسبة تؤدي إلى تباين تلك المجتمعات في الرؤى الثقافية والسياسية والاجتماعية. الأمر الذي يقود إلى تباين في الرموز الهوياتية، فيتميز هذا التنوع بين المجتمعات بوجود ازدواجية في الانتماء بين الهوية والوطنية من جهة، والهوية المجتمعية من جهة ثانية. الأمر الذي ينعكس على التداخل، وأحيانا التصادم بين الولاء للوطن والولاء للخصوصية الاجتماعية، ويصل أحياناً إلى حد الاحتراب، وادعاء امتلاك الحقيقة، في لحظة من لحظات التطابق الإيديولوجي بين الهويّة والمظلومية(4). ليظهر دور السلطة أو الدولة في احتواء هذا التنوع ضمن نطاق الإطار الواحد.

يذكر آرنت ليبهارت في كتابه الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد، أنه في فترة الفسحة الديمقراطية بعد حكم الدكتاتورية، تظهر الانقسامات العميقة بين قطاعات السكان وغياب الإجماع الموحد لها، كما ترتفع الأصوات التي تطالب بتحقيق التوازن والمساواة، وتتعلق تلك الإشكاليات والمطالب التي تنادي بها المكونات المجتمعية بشكل رئيس بالهوية وبشكل الدولة والمطالب السياسية والاقتصادية، فكل منظومة اجتماعية هي بنية مستتبة(5) وتعدُّ اللغة مثلاً أحد أبرز العوامل التي تعكس ثقافة أي جماعة وتاريخها وهويتها، لذلك فقد بات المجلس الوطني الكردي على سبيل المثال يطرح تصورات جديدة عن المسألة الكردية في سورية على نحو مستقل عن قوى المعارضة، ويُشهر ورقة التهديد بالانسحاب من المعارضة في العديد من المناسبات في حال رفضت مطالبه، ومثال على ذلك البيان الاحتجاجي الذي قدمه المجلس الوطني الكردي لرئيس الهيئة العامة للمفاوضات “رياض حجاب” السابق في  6 / 9 / 2016م، على خلفية مسودة مؤتمر لندن الذي يمثل رؤية المعارضة للحل، وتمثل احتجاج المجلس الوطني على بعض البنود منها اعتماد الوثيقة “اللغة العربية لغة رسمية وحيدة في البلاد”، وعدَّ ذلك إلغاء وتجاهلاً للغة الكردية ولغات المكونات الأخرى(6)، وأعلن المجلس الوطني الكردي بأنه غير ملزم بهذه الوثيقة، بالإضافة إلى بنود أخرى. كما يُعد الدين سمة رئيسة لأي جماعة على نحو يعزز هويتها، ويُتخذ كوسيلة للتعبئة لصالح أو ضد النظام السياسي، فمثلا بقيت الجماعات غير المسلمة في السودان تطالب بفصل الدين عن الدولة بعد أن أُقر الدين الإسلامي هو الدين الرسمي للبلاد في العام 1983م.

وينجم عن التنوع الاجتماعي مشكلات تتعلق بشكل الدولة وضرورة أن يكون متوازناً يعمل على احتواء المطالب الانفصالية، ويضمن الاستقلال الإداري لتلك الفئات المتباينة اجتماعياً؛ بحيث يُشعر تلك الجماعات التي ترفع من شأن هويتها “الإثنية أو العرقية” بأنها تمارس شؤونها بصورة قانونية في موضوعات تتعلق بخصوصيتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، ويسمح في الوقت ذاته للكيان الأكبر “الدولة أو النظام السياسي” بممارسة تلك الصلاحيات فيما يخص المصالح المشتركة بين الجانبين.

إضافة إلى المشكلات السياسية التي تتعلق بتمثيل تلك الجماعات وتنافس نخبها من أجل التمثيل في المؤسسات السياسية والمناصب العامة، فمثلاً نجد في سورية كيف دفعت سياسة نظام الأسد التمييزية، وتفضيل أبناء الطائفة العلوية في المناصب العامة ومفاصل الدولة المجتمع السوري إلى الانفجار.

ثانيا: تأثير العائدية الثقافية والاجتماعية على الأداء السياسي

يعتمد التغيير وإعادة بناء الدولة على مشروع سياسي وطني من خلال التحولات الجذرية في بنية المجتمع وثقافته، وإعادة هيكلة نظامه السياسي والاقتصادي وفق نموذج جديد يكون ضامناً لحقوق الأفراد والجماعات كافة بغض النظر عن انتماءاتهم، خاصة في المجتمعات التعددية كالمجتمع السوري والمجتمع الأمريكي والمجتمع التركي والمجتمع الماليزي، لأن التعلق بالعائدية الثقافية والسكانية للمسؤول والاحتفاء بها، يُؤسس إلى الاستبداد من خلال التركيز على سمات نمطية مفترضة، هوياتية وسكونية وذاتية الطابع، حالها حال الانتماء الديني أو العرقي، لا على مهارات وإمكانيات ذهنية وسياسية وإدارية، علمية وديناميكية، وموضوعية الطابع، وقابلة للاختبار والقياس ضمن الفضاء المؤسسي الديمقراطي(7)، كما أن الأفق الفكري للفرد وكفاءته ومهاراته هو انعكاس للجهد الشخصي والقدرات الذاتية والتجارب والخبرات قبل الأصول الاجتماعية أو الجغرافية؛ مع المحافظة في الوقت عينه على التنوع ومنع الإقصاء، ومكافحة التمييز والعنصرية على أي أساس ديني أو مذهبي أو اجتماعي أو مناطقي أو عشائري، وتخفيف سطوة المحاصصة، عبر تقليل الانجرار وراء مخاوفها، وبناء الثقة بين المكونات والأماكن، وتعزيز الاندماج والتشارك والتعاون وروح المواطنة، وترسيخ الفكر المؤسساتي، تحت مظلة وطنية جامعة لأبناء المحافظات والمناطق والثقافات والمكونات  كافة.

إن اقتصار الحكومات في حل القضايا الناجمة عن المكونات المجتمعية والثقافية على التهدئة والمجاملة لأسباب متعددة منها تقديم المصلحة الفئوية على المصلحة العامة، أو الاعتماد في إدارة الحكم على الأقرب فكراً وسلوكاً للنخبة الحاكمة من شأنه تسييس موضوعات المكونات الاجتماعية وحقوقها، وتأجيج المواقف بين السلطات وبين المكونات، ويظهر أثرها على أشكال ومستويات ثلاث:

أ – المستوى المحلي داخل الحدود الجغرافية للدولة وبروز الهويات الفرعية والنزعات الدينية والقومية التي تتفاعل فيما بينها لتتحول إلى إحدى عوامل التصدع الاجتماعي، وهذا التصدع يحتاج لمتحدث بلسانه ويدافع عن مطالبه الإثنية والعرقية(8)، وبالتالي يتطور الصراع على أرضية الاستفادة الكبرى من الموارد والسلطة، ويحول دون القبول بالمشاركات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى بروز ظواهر سياسية كالأحزاب والتيارات التي لا تعير اهتماماً لحدود العلاقة بين الدولة ومرجعيتها “الثقافية أو الاجتماعية”، كبعض الأحزاب الإسلامية التي تؤمن بالنظام الديمقراطي بشكل صوري لتستفيد من الممارسة الديمقراطية للوصول إلى السلطة، وكل ذلك قد يؤدي إلى تدخلات خارجية، فعلى سبيل المثال تقوم إيران باستخدام أكراد العراق لأجل تحقيق مطامع على الأرض، وخلق المتاعب للحكومة العراقية بغية تحقيق منافع سياسية لصالحها.

ب – المستوى الإقليمي: من خلال الدول المتحكمة بموازين القوى في المنطقة التي لا تُخفي بعض دول الإقليم الذي تقع فيه الدولة مطامعها، وتحاول تحقيق مكاسب على حساب جيرانها، كما تدخل في خطط وبرامج الدول الكبرى ذات الصلة، حيث أظهرت تركيا مواقف متشددة إزاء مساعي الأكراد ضم مدينة كركوك للإقليم الفيدرالي الخاص بهم، وتم منحه لهم من قبل أمريكا، لأنهم يعدونها مدينة تركمانية وأن من واجبهم حماية الأقلية التركمانية في العراق من أي تهديد في ظل ضعف النظام السياسي القائم(9).

ج _ المستوى الدولي: حيث تجد القوى الكبرى وعلى رأسها أمريكا في تلك التوترات المتصاعدة فرصة لها لتحقيق عدة أهداف، كإيجاد موطئ قدم وتكريس حضورها بشكل أكبر في المنطقة، ولإبقاء زمام اللعب بأوضاع المنطقة وأوراقها بيدها، وللتأثير والضغط على دول اقليمية أخرى.

يؤكد الباحث السياسي السنغالي “جوبيتر ندياى” على أنه أينما توجد حركات انفصالية توجد دول منافسة تقدم الدعم لها لأسباب تتعلق بالمكانة والموقع الجيوسياسي من خلال سياسة الإرشاد والدعم المالي والعسكري واللوجستي. ويرى الباحث أيضاً أن مبدأ تحقيق المصير الذي يعني حق السكان الأصليين أن يقرروا شكل السلطة التي تحكمهم، يعدُّ “منفذاً” تستخدمه القوى الكبرى لتقسيم الدول وتفتيتها، في مقابل مبدأ آخر يعدُّ أكثر عقلانية بحسب وصف الباحث وهو الحكم الذاتي، وفى حصول الإقليم على صلاحيات سياسية وإدارية واسعة منها انتخاب الحاكم، وتمثيل في البرلمان يضمن حق التمثيل. وفي سبيل ذلك تلقت قوات سورية الديمقراطية أسلحة ثقيلة من الولايات المتحدة، بالإضافة لتلقيها الاستشارة من قوات أمريكية على جبهات القتال، والدعم الجوي من الطيران الأمريكي خلال المعارك ضد تنظيم الدولة، رغم معارضة تركيا الشديدة التي ترى أن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية ليس سوى الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وحزب العمال الكردستاني والتنظيمات المرتبطة به مصنف كمنظمة إرهابية لدى كل من أمريكا والاتحاد الأوربي وتركيا(10).

ثالثا: الظواهر السياسية الناجمة عن التنوع الاجتماعي

يقول مهاتير محمد: لا يمكن أن يستمر التعايش بين الأعراق المختلفة في مجتمع واحد في غياب العدالة والمساواة والتنمية، فإذا كان تغيير الاختلافات العرقية والثقافية واللغوية والدينية يعد شيئاً مستحيلاً، فمن الممكن إزالة الفوارق الاقتصادية وتحقيق العدالة والمساواة والتنمية كأسس سليمة للتعايش السلمي.(11)

وعليه فإن لم يتم الإمساك بظاهرة التنوع وتطويعها واحتوائها بما يحقق الاستقرار الداخلي ستنعكس على شكل ظواهر سياسية تتمثل في الخلافات التي تبدأ في أروقة السياسة؛ وقد تتطور إلى حروب أهلية، وصراعات قد تتخطى حدود الدولة، وما الخلافات التي يشهدها العراق بين الأطياف المختلفة من أكراد وشيعة وسنة التي عصفت باستقرار العراق، والتناحرات في لبنان بين الشيعة والسنة والمسيحيين الموارنة، وما سببته من حروب أهلية، وكذلك ما يدور في سورية منذ سنوات إلا دليل على ذلك.

ويمكن إيجاز هذه الظواهر كما يلي:

1 _ إن الانتماء للحزب الحاكم وخاصة إذا كان متبوعاً بصفة الحزب القائد) ينجم عنه إغداق المناصب والمكاسب والامتيازات المباشرة وغير المباشرة للمنتمين لهذه الأحزاب بغض النظر عن ثقافتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم وقدراتهم وإمكانياتهم وكفاءاتهم.

2 _ تعدُّ العشائرية والقبلية والقوى الاجتماعية وخاصة الاقتصادية والدينية والعرقية من ركائز النظام السياسي العربي وأسسه، ويقيم معها تحالفات ومصالح غير دائمة وغير مستقرة يتولد عنها بالضرورة أحزاب وتجمعات سياسية ترتبط بنظام الحكم لقيادته بشكل مستقل، أو بالاشتراك مع غيره في إدارة النظام والدولة. ومع وجود الاختلاف تدخل لدائرة التحالفات أحزاب وتخرج منها أخرى وقد يصل الحال إلى الاحتراب الداخلي العنيف لإقصاء طرف معين عن المشاركة في الحكم. فتصبح الدولة تدار من حزب/أحزاب مؤيدة له كحال حزب البعث في سورية والجبهة الوطنية التقدمية، وتقمع المعارضة بالقوة والعنف، وبالتالي فإن انتماء الأفراد لأحزاب المعارضة المقموعة وغير المشتركة في الحكم يتراجع كثيراً، لأن الثقافة السائدة في المجتمع العربي تقول بعدم إمكانية الانتماء للحزب/الأحزاب غير المشاركة في الحكومة وإدارة الدولة.

3 – انتقال عدوى أمراض الاستئثار بالسلطة والتمسك بها إلى الأحزاب التي يحتكر أشخاص بعينهم مواقعها القيادية الأولى لعقود عدة، وتمكّن كل من بلغ سدة القيادة من البقاء فيها سواء بالقوة أو عبر انتخابات شكلية ويبقى في الحكم حتى يتم الانقلاب عليه أو يموت، أو يحدث انشقاق ما ويشكَّل تنظيم جديد تعاد فيه نفس الممارسات والتمسك بالسلطة.

كل ما سبق يشكل حالة من الكمون النفسي لدى أفراد البلد الواحد، وينتظر لحظة ضعف يمر بها النظام السياسي القائم ليجد طريقه إلى التنفيس الانفعالي الذي يحدد من خلاله ماذا يريد؟ ولماذا؟ وهو ما ينطبق على ثورات الربيع العربي عموماً. وقد تأخذ بعض الظواهر السياسية الناجمة عن التنوع الاجتماعي طابع العنف المادي أو المعنوي وفق الآتي:

1 _ النقل الإجباري للسكان من خلال نقل جماعة عرقية كاملة من موطنها الأصلي إلى موطن آخر لتعيش فيه، ومثاله مشروع الحزام العربي الذي نفذه النظام السوري على طول الشريط الحدودي مع تركيا في محافظة الحسكة، ونقل سكان من ريفي الرقة وحلب إلى قرى بنيت في الحسكة، في آذار عام 1974م تنفيذا للقرار رقم 521 الصادر عن القيادة القطرية لحزب البعث عام 1974م، وتوزيع أكثر من 700 ألف دونم من الأراضي المصادرة على تلك العائلات بحجة غمر مياه سد الفرات لأراضيهم (12).

2 _ الإبادة الجماعية وهي سياسة قتل جماعي منظم، تقوم به حكومة معينة ضد طائفة من الشعب على أساس ديني، أو عرقي، أو قومي أو سياسي، كما يمكن تعريفها من خلال المادة الثانية من اتفاقية 1948م الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية أن تقوم به وحصر عناصرها بـ:

  • قتل أعضاء من جماعة ما.
  • أو إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء منها.
  • أو إخضاعها، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
  • فرض تدابير تستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال.
  • نقل أطفال من جماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى (13).

منها على سبيل المثال الإبادة الجماعية عام 1998م، في رواندا، وتحميل جان كمباندا الذي كان رئيس الوزراء في بداية عملية الإبادة المسؤولية عن إبادة المدنيين التوتسيين، وما قامت به إسرائيل أيضا من مجازر كمجزرة صبرا وشاتيلا هي من صميم الإبادة الجماعية.

رابعا: الاستثمار في التنوع الاجتماعي

تنظر السيسيولوجيا إلى الإنسان لا من حيث هو فرد بل من حيث هو في وضعية تفاعل، ما يجعل دراسته في إطار انتمائه إلى حركات تقودها الجماعات الاجتماعية التي ينتمي إليها، وتمتلك الوعي بمطالبها المشروعة وبطبيعة العلاقة المعقدة مع الدولة، وبهذا المعنى فإن الحركة الاحتجاجية لهذه الجماعة أو تلك تصبح بناءً اجتماعياً، وبالتالي يختلف إدراكها بين الفاعلين كل تبعاً للمعنى الذي يمنحه لها (14)؛ فمثلاً نجح النظام السوري في تطييف الثورة وربطها بأطراف متشددة سنية كالسلفية والقاعدة، وساعدت أطراف عربية وإسلامية في ذلك من خلال تبنيها على فضائيات محسوبة لها لخطاب ديني سني متشدد، بينما رأى الشعب السوري في ثورته أنها شعبية وطنية بامتياز. وبذلك يصبح التنوع الاجتماعي شاغلاً رئيساً من الشواغل الاجتماعية ويرتبط بتنامي تنوع القواعد الاجتماعية المعمول بها داخل المجتمعات توخياً للمصلحة العامة.

إن التنوع الاجتماعي سلاح ذو حدين تظهر آثاره السلبية إذا عملت السلطة الحاكمة على استثماره لقضايا سياسية داخلية أو خارجية، فقد سوّق النظام السوري كضامن لحرية الاختلاف من خلال ادعائه الحفاظ على مسألة التعايش بين المكونات المختلفة، وفي المقابل عمل من خلال تدخله “الأمني”  على تشكيل نخب من تلك المكوِّنات تتوافق مع سياساته وتحقق مصالحها، وهو ما خلق لدى البقية ضمن المكونات المستَبعَدة شعوراً عاماً بالتهميش والإقصاء(15). واستخدم وضع المكوِّن القومي الكردي كورقة ضغط في العلاقات مع تركيا للتأثير والضغط عليها.

وتظهر الآثار الإيجابية للتنوع الاجتماعي من خلال تطوير عقد اجتماعي يعترف بالتنوع الموجود والاعتراف بالاختلالات في مستويات المشاركة السياسية والدخل والتعليم بين فئات المجتمع، الأمر الذي من شأنه نزع فتائل الانفجار وتنفيذ العلاج الواقعي الذي يكون مدخلاً لشبكة أمان واستقرار اجتماعي وسياسي، يقوم على تحقيق التعايش السلمي، وحفظ حقوق الجميع، والمشاركة في المسؤولية وفي برنامج التنمية والعمل على حل الخلافات بين الأحزاب خلف الأبواب المغلقة، وكذلك التوصل إلى الصفقات السياسية، وتوزيع الحصص أو المكاسب بالطريقة نفسها، لتحقيق أقل قدر من الإثارة التي قد تنجم عن العائدية الثقافية أو الاجتماعية، وخاصة في بلد حديث العهد بمثل هذه التجربة كالدولة السورية حالياً.

تلعب القيادة السياسية في عملية الاستثمار في التنوع المجتمعي دور القوة الدافعة من خلال اعتمادها استراتيجيات واضحة في إدارة المجتمع تحقق التوازن والتعايش، وهيكلة الاقتصاد بهدف تحقيق توزيع عادل للثروة الوطنية، والحفاظ على الحقوق الثقافية والهوياتية لمكوناتها، وتحويل التنوع إلى أداة قوة للدولة بجذب الأطراف “المكونات” كافة من خلال سياسة التوازن في التعامل معها. واعتماد نظام ديمقراطي وإيلاء الإنسان من خلال تعليمه وتدريبه وخلق فرص أمامه، فعلى سبيل المثال بلغت ميزانية التعليم في ماليزيا سنة 2007م نحو 34.33 مليار رنغت -3.1 رنغت ماليزي تساوي دولاراً واحداً- أي حوالي 10.1 مليارات دولار، فيما بلغ الإنفاق على الدفاع والجيش نحو 13.36 مليار رنغت؛ أي حوالي 3.93 مليارات دولار(16).

 خامساً: التحديات الناجمة عن التنوع الاجتماعي في المجتمعات الآخذة بالتعافي من الأنظمة الدكتاتورية.

يقع على عاتق الدولة كجماعة سياسية العمل على توظيف التنوع في إنجاح مشروع الدولة الحديثة، وقد أدّى تركيز تلك الأنظمة في الشرق الأوسط بشكل عام والدول العربية بشكل خاص على أدوات الاجتذاب والوسائل القسرية إلى خلق ثقافة التبعية وإلى وضع عقبات كبيرة في وجه المحاولات الرامية إلى تنمية المؤسسات، وقاومت بعنف جميع جهود الإصلاح وحرمت تلك البلدان من الأدوات اللازمة لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية الجديدة، أدت في نهاية المطاف إلى انتفاضات شعبية على السلطات المركزية تطورت إلى صراعات محلية وإقليمية وأتاحت الفرصة للوصول إلى عقود اجتماعية أكثر مرونة وتقبلاً لمبدأ المساواة بين المواطنين، إلا أن ذلك يعترضه جملة من التحديات المركبة المتداخلة التي تحدث على امتداد المشهد الإنساني والسياسي.

يؤدي انتشار العنف والصراع إلى تحركات هائلة للسكان ونزوح أعداد ضخمة من المواطنين إلى دول أخرى أو بقاع أكثر أمناً، ما ينتج عن ذلك انخفاض حاد في جوانب التنمية البشرية، حيث تشير دراسة حديثة، على سبيل المثال، إلى أن 86% ممن هربوا من سورية إلى اليونان بين نيسان وأيلول 2015م، يحملون شهادات الدراسة الثانوية أو التعليم الجامعي، يضاف إلى ذلك أن أكثر من 2.8 مليون طفل سوري لا يرتادون المدارس، وقد يؤدي ذلك إلى نتائج سيئة على المدى الطويل (17). بالإضافة إلى تغيّرات سريعة في النسيج الاجتماعي في تلك البلدان، وما تُشكله تلك التغيرات من عراقيل تعيق الجهود التي تبذل بعد الحرب من أجل المصالحة، وعلى سبيل المثال أفرغت الموصل من أهلها المسيحيين للمرة الأولى منذ قرون.

وتولّد الحرب جملة من التأثيرات الاجتماعية السيئة عمودياً أو أفقياً، فقد أدت الحرب الدائرة في سورية إلى تباين في الآراء بين معسكرين متقابلين معارضة ونظام، ثم أكملت الحرب والنزاعات المتنوعة مسيرتها داخل كل معسكر فنتجت عنه سلسلة من المعسكرات التي تلتقي في جوانب وتتباين مواقفها في جوانب أخرى ففي جهة المعارضة كان هناك يمين ويسار ويمين اليمين ويسار اليمين والوسط.. إلخ وهكذا تكونت سلسلة من المواقف المختلفة التي لا يتوقف الفرقاء والناس عامة عن التمترس، والتخندق حسب آرائهم تجاهها في كل مناسبة، حتى بات يرخي بظلاله القاتمة على العلاقات الأسرية في بنية المجتمع السوري سواء في الداخل أم في بلدان المهجر، فقد أفضت نتائج دراسة ميدانية على عينة مؤلفة من /1200/ مواطن سوري عن حصول شقاق حاد أفضى إلى قطيعة بين “المشترك في عينة الدراسة” وبين أحد أفراد أسرته بسبب موقفه من الأحداث في سورية إلى النتائج التالية(18):

حصل بشكل واسع حصل بشكل بسيط لم يحصل لا أعرف
512 397 214 77

إضافة إلى التمييز والنفور من البيئة الاجتماعية التي ينتمي لها المواطن لعدم تبنيه الموقف السياسي لغالبية أبنائها، وكذلك من البيئات الأخرى المختلفة لأن أبناءها يعدُّون أن ذلك المواطن ينتمي لمكونه الاجتماعي ولو أظهر عكس ذلك، حيث تقول سمية ابنة مدينة حمص في سورية قطع أصدقائي العلويّون علاقتهم بي بسبب انتمائي الطائفي والمناطقي، وبات جميع زملائها في العمل رغم أنهم من نفس طائفتي (إسلام سنّة) يتعاملون معي بحذر، واتهمني بعضهم بأنّي مخبرة للأمن، لأن والدي ضابط متقاعد في الجيش السوري(19). كما يدفع الصراع في دولة ما إلى تقويض الأمن الجماعي الذي عدَّته الأمم المتحدة بأنه “أمن الكل وأن أي تهديد موجه للكل هو تهديد موجه للجزء” ويكون ذلك بدافع رغبة الدول المتدخلة في النفوذ والهيمنة، ويمكن أخذ الصراع الإقليمي والدولي على سورية نموذجاً عن تقويض الأمن الجماعي (20).

وتتباين دوافع الدول التي تُحدد سبب اتخاذها لقرارها بتدخلها في شؤون دولة أخرى، وقد يكون تدخّل دولة في شؤون دولة أخرى ناتجاً عن دوافع أمنية، أو اقتصادية، أو إنسانية، أو أيديولوجية، أو لتحقيق المكانة الدولية، أو لإحداث تغيير جزئي أو كلي في تركيبة البنية السلطوية في هذه الدولة، أو اتخاذ مواقف تتعلق بشؤونها الداخلية أو بعض رعاياها بما يخدم مصالح الدولة المتدخلة، وعن هذا نشر الشيخ رشيد رضا، مقالاً في مجلته الشهيرة “المنار” كتبه بعدما ترك دمشق هارباً إثر اندفاع الدبابات الفرنسية نحو دمشق، ويتعلق بتجربته كرئيس للمؤتمر العربي السوري قال فيه “إن المملكة السورية أسست ديمقراطية حقيقية، وبيّن كيف قوّض الانتداب الفرنسي الليبرالية الإسلامية وهيّأ لتدمير الدولة الناشئة”. فالدستور العربي السوري لعام 1920م، كان الأكثر علمانية وديمقراطية في الشرق الأوسط، وأنشأ فصلاً بين السلطات والضوابط التشريعية في السُّلطة الملكية، كما منح حصةً أكبر من السلطة لحكومات المقاطعات، وضَمن مساواة المسلمين وغير المسلمين في ظل القانون وفي حرية المعتقد. ولم يُشر الدستور إلى الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع ولا إلى الدين الإسلامي كدينٍ رسمي للمملكة(21).

سادسا: العدل السياسي كأداة في مواجهة التنوع الاجتماعي .

إنّ التركيز على بلورة هويات وطنية قوية قادرة على استيعاب جميع الولاءات والانتماءات، والنظر إلى التنوع في الدولة بوصفه مصدر قوة من خلال سعي الدولة وحرصها على تنمية الإحساس بالمواطنة الذي يُعلي من شأن التنوع عوضاً عن تشجيع أشكال ضيقة من الشعور القومي أو الطائفي أو المناطقي تؤكّد تفوّق فئات معينة على فئات أخرى، ويتم ذلك من خلال اعتماد عدد من الاستراتيجيات يُشكّل فيها “العدل السياسي” بكل ما يحمله هذا المصطلح من معنى ودلالات أرضية خصبة ومناسبة لإنجاز مقولة الشراكة السياسية والاقتصادية لكل القوى والشرائع في البناء والإدارة والتسيير. حيث ترتهن درجة التميز وحدته وعمقه الاجتماعي والسياسي وأهدافه وتطلعاته القريبة والبعيدة إلى حد بعيد بطبيعة التعامل الذي تمارسه السلطات السياسية والاجتماعية، فإذا كان التعامل جافاً وبعيداً عن مقتضيات العدالة والحرية، فإن الشعور بالتميز الذي يفضي إلى تمييز وتهميش من السلطات، سيؤدي إلى المزيد من التميّز والتشبث بالخصوصية، وسيدفع هذا الشعور العميق بالتميّز إلى تبني خيارات واتجاهات تزيد انفصاله الشعوري والعملي عن محيطه العام (22).

وبما أن الأحزاب السياسية هي مظهر من مظاهر الديمقراطية؛ ولا توجد ديمقراطية بغياب الأحزاب السياسية، فإنه يقع على عاتقها أن تمارس دور المعارضة وليس دور الحكم بعد التغيير السياسي الذي أعطى لتلك الأحزاب مساحة أكبر لاستلام السلطة، مع ضرورة أن تتبنى فكراً يقوم على الالتزام بالاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد دون الحاجة للسعي إلى التسلط أو الهيمنة من خلال تهافتها للوصول إلى السلطة.

يعد العمل على اعتماد الديمقراطية كفلسفة، وكثقافة سياسية من الثوابت الاستراتيجية؛ الذي من شأنه إنشاء النموذج الديمقراطي الناضج، الذي يتضمن القدرة على الاستمرارية والتطور وتحقيق الوحدة الوطنية عبر توافق يستوعب جميع المكوّنات لبلورة الخيارات والرهانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إذ تسمح الحريات السياسية الحقيقية لجميع القوى والتعبيرات من المشاركة النوعية في إدارة الشأن العام وتطوير الحقل السياسي والمدني الوطني، وتضمن بقاء التنوع المجتمعي كعامل إثراء لمضامين الوحدة على المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية.

خاتمة

يمكن من خلال التنوع تحويل الدولة إلى نموذج من الترابط والتناغم في التآلف والتوافق بين مكوناتها الاجتماعية يبدأ بالجمع بين الأطراف المختلفة في حوارات مبدئية للحيلولة دون اتساع رقعة الخلاف بينهم، وليس كما فعل النظام السوري الذي لم يعترف بحقوق معارضيه رغم مضي ثماني سنوات على الحرب؛ وإيجاد أرضية مشتركة بينها يمكن البناء عليها، والانطلاق من قاعدة أن الاختلافات المجتمعية هي مصدر تنوع وإثراء للتراث والثقافات، وصولاً إلى دستور توافقي ورؤى تنموية تعمل على طمأنة الجميع، وتلعب إرادة الفاعلين السياسيين، في الحكم أو المكونات المجتمعية “المعارضة”، دوراً كبيراً في الفعل السياسي التاريخي، لأنه وفقاً لهذه الإرادة تتّخذ التجارب والمحطات التاريخية الكبرى شكلها، ويتحدّد الثمن الذي تدفعه الشعوب من أجل تطور نظامها السياسي، ومنظومة حقوقها، ومستقبلها الاقتصادي

  • Social Links:

Leave a Reply