أبو مطيع سيرة عطرة وتاريخ نضالي

أبو مطيع سيرة عطرة وتاريخ نضالي

باسل الأتاسي 

كان اليوم رحيل علامة فارقة في الثورة السورية الأبية… منصور الأتاسي… الذي كان ثورات… قبل أن تقف الثورة على قدميها… الأتاسي الذي بدأ شيوعياً… وانتهى يسارياً ديمقراطياً… ولكنه في أثناء رحلته الفكرية ظل متمسكا بمبدأ واحد: حرية الرأي لكل السوريين.. بعيدا عن الطغيان والكبت…. وما فتئ يحمل شعلة الثورة بعد أن تركها الكثيرون… مؤمنا بوطن حر… بعد أن يأس منه عديدون… حتى جاءه اليوم المنون…. غفر الله له… فعزاؤنا للوطن… ولحمص… ولآل الأتاسي.

ولد السيد محمد منصور بن محمد مطيع ابن علامة حمص الأكبر السيد محمد المحمود بن محمود بن عبدالصمد ابن الشيخ يحيى أفندي ابن مفتي حمص وقاضيها علي الصغير ابن مفتي حمص حسن أفندي الأتاسي في عام 1948، في أحد أحياء حمص العريقة، حي باب هود، وبها ترعرع، ودرس حتى أنهى تعليمه الثانوي عام 1968م في مدرسة عمر بن الخطاب. بدأ نضاله السياسي في وقت مبكر عندما انضم للحزب الشيوعي السوري عام 1965م في وقت كانت سورية ما زالت تنبض بشيء من الحياة السياسية… قبل أن يجهز عليها آل الأسد تماما، والتحق بالجيش عام 1970م فخاض حرب تشرين حتى عام 1974م حين عاد للنضال السياسي ضمن صفوف الحزب الشيوعي السوري. وفي عام 1976م استدعي للاحتياط في الجيش حتى 1977م، ثم استدعي مجدداً للاحتياط في 1982-1983م. عين السيد منصور عضوا في المكتب التنفيذي لقطاع المياه في الإدارة المحلية في حمص من عام 1984م إلى عام 1996م، ثم عمل لصالح الشركة العامة للطرق “رودكو” حتى استقال سنه 2004م بسبب ضغط الأمن عليه. وفي أثناء ذلك ثابر في نضاله السياسي في سبيل حرية الرأي…. وفي 18 آذار (مارس) من عام 2006م قامت قوات من الشرطة والأمن السياسي بمحاصرة مكتب السيد منصور الأتاسي ومنعت الدخول إليه، ثم اقتحمته وفتشته ومن فيه، فأدانت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بيان لها من دمشق في اليوم التالي هذا الأمر، ثم تكرر تطويق السلطات الأمنية لمكتب الأتاسي وسدت الطرق المؤيدة إليه في تضييق عليه مرة أخرى كما نقلت بعض الجهات عن أمين سر المنظمة العربية لحقوق الإنسان محمود مرعي.

تابع الأتاسي نضاله السياسي في صفوف حزبه حتى ضاق به حال تملق الأحزاب التابعة للجبهة الوطنية التقدمية للنظام ورضوخها لكل ما يمليه عليها، ومن تهميش دور الأحزاب في القرارات المصيرية للمواطن السوري. لم تغره المناصب وكل الإغراءات المادية التي عرضت عليه لكي يتغاضى عن كلمة الحق ويوالي الحاكم، وبالرغم من الحرب الشعواء التي شنها عليه أتباع النظام والمتملقون قرر أن ينفصل عن الأحزاب الهرمة المهترئة حتى النخاع، وتابع كفاحه السياسي في ظل المضايقات والملاحقة والاعتقالات المتكررة والتهديد الدائم له ولعائلته من قبل الأجهزة الأمنية، فكان السيد منصور من المؤسسين للجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين” في 18/10/2002 وانتخب عضوا في هيئتها الرئاسية المكونة من سبعة أعضاء ، كم كان من الأعضاء المؤسسين لتجمع اليسار الماركسي وعضو مؤسس لهيئة الشيوعيين السوريين، وكان يتصدى بقلمه للقرارات الجائرة من قبل السلطة كما فعل في عام 2009م لما كتب مقالة بعنوان “إلى اليمين در!” تنتقد قانون العمل الجديد الصادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وتفنده نشرها مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية بتاريخ 23/5/2009 ، وكتب مقالا نشره كذلك مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية في 17/9/2009 بعنوان: “أهمية العودة إلى السياسية” طالب فيه السلطة بإطلاق الحريات السياسية والاعتراف بالمعارضة ومحاورتها، وتكلم عن حقوق الأكراد المشروعة ، كما انتقد في مقالاته المسار الاقتصادي للحكومة بما فيه من قمع للحريات التجارية وحرية التعبير عن الرأي مبينا كيف يمكن لهذا أن يعود بالوبال على الشعب السوري ، غير مبال بما قد تتسبب له جرأته على الحق من أذى في دولة تحكمها أعتى الأنظمة القمعية في العالم.

ولما تفجرت الثورة السورية في مارس من عام 2011م ضد النظام السوري القمعي لحزب البعث ودكتاتوري سورية الأسد أضحى الأتاسي عضوا في هيئه التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي التي أسست في أواخر حزيران (يونية) عام 2011م وضمت معارضين معروفين من الداخل السوري وأضحت من القوى البارزة على الخارطة السياسية للمعارضة، وفي 18 أيلول (سبتمبر) عام 2011 اجتمع 300 عضو من أعضاء المجلس الوطني الموسع لهيئة التنسيق وانتخبوا اللجنة المركزية من الفعاليات الثقافية والاجتماعية والسياسية، فكان الأتاسي من أعضائه مع شخصيات معارضة مشهورة من أبرزها حسن عبد العظيم، عبد العزيز الخير، رجا ناصر، ميشيل كيلو، حازم النهار، حسين العودات، محمد سيد رصاص، محمد منجونة، محمد قداح، محمود أوسي، محمود مرعي، مروى الغميان، مصطفى الشماط، منذر خدام، ونقولا غنوم، راسم السيد سليمان الأتاسي، وعارف دليلة. وأصدر المجلس الوطني للهيئة توصيات أهمها أن الهيئة تعتبر نفسها جزءً من الثورة الشعبية وفي قلبها، وهي ليست وصيّة عليها ولا تدعي قيادتها بل تعمل لتجسيد طموحاتها في مشروع سياسي، وإنّ هذه الثورة بما تحمله من مطالب مشروعة هي تعبير عن إرادة الشعب السوري بجميع أطيافه. وأكدت الهيئة أن “العامل الحاسم في حصول التغيير الوطني الديمقراطي بما يعنيه من إسقاط النظام الاستبدادي الأمني الفاسد وهو استمرار الثورة السلمية للشعب السوري، داعية جميع القوى والفعاليات المشاركة وأصدقائهم ومناصريهم إلى الاستمرار في الانخراط فيها وتقديم كل أشكال الدعم لها بما يساعد على استمرارها حتى تحقيق أهداف الشعب السوري في الحرية والكرامة والديمقراطية” .

 

وكان من الذين انخرطوا في النضال السلمي بكل طاقاتهم تنظيما وتشجيعا، فكان أحد صمامات الأمان ضد الفتنة الطائفية بحمص، تلك الفتنة التي كانت السلطة تسعى بكل قواها لإشعالها، وبالرغم من ذلك بسبب قيادة أمثاله الحكيمة استطاعت حمص -عاصمة الثورة وأكثر مدن سورية معارضة واضطرابا- أن تتجنب أزمة طائفية حادة. وفي أول شهر تشرين الأول (اكتوبر) قامت دورية تابعة للمخابرات الجوية باعتقاله من مكتبه بحي الخالدية بحمص مع ضيفيه الدكتور عبد الفتاح الزبن والأستاذ عيسى إبراهيم، واعتقلت في نفس الوقت الدكتور نايف سلوم عضو المجلس المركزي كذلك، وتم مصادرة جهاز الكومبيوتر والأوراق الخاص بالسيد الأتاسي من دون سبب، فقام المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض -الذي يتخذ بريطانيا مقرا له- بإدانة هذا العمل وقال في خبر نشرته بعض وكالات الأخبار “إن المعارض الأتاسي البالغ من العمر 63 سنة، قيادي في هيئة التنسيق لقوى التغيير الوطني الديمقراطي لا يزال مصيره مجهولا”، وطالب السلطات السورية بـ “الإفراج الفوري عن المعارض الأتاسي وعن كافة معتقلي الرأي والضمير في السجون والمعتقلات السورية” . وقام المثقفون والمعارضون السوريون بإدانة الخبر كذلك وأنشأ مؤيدوه صفحة على الفيس بوك لمؤازرته باسم “الحرية للمعارض السوري منصور الأتاسي”.

وفي آخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) أحيل الأتاسي إلى قاضي التحقيق بدمشق بتهمة التحريض على التظاهر، والسعي لتغيير دستور البلاد، والتحريض على سحب الأموال من البنوك، ولعمري هي أوسمة شرف على صدره، وتم تحويله إلى سجن درعا، ولم يفرج عنه حتى 14 كانون الأول (ديسمبر) بعد قرابة شهرين ونصف من الاعتقال. وفي أثناء انتمائه لهيئة التنسيق بدأت تهيمن عليها مجموعة ابتعدت في أفكارها عن الإجماع الوطني القاضي بإسقاط النظام وعدم الحوار معه ودعم الحراك الشعبي ومن ثم بناء وطن ديمقراطي تعددي، حاول الأتاسي وجماعته تصحيحها ومنعها من الانزلاق بعيدا عن أساسيات الثورة، فلما بدى أن الهيئة تسير في غير الاتجاه الصحيح أعلن انسحابه منها في 17 ايلول (سبتمبر) عام 2012م . وظل الأتاسي يناضل من أجل الحرية بقلمه ولسانه، بعد أن عانى التغريب عن بلاده… وظل شوكة في حلق النظام المجرم…. حتى وافته منيته في إسطنبول اليوم… وصلي عليه في مسجد الفاتح رحمه الله.

ويجدر بالذكر أن الأتاسي كان متزوجا من السيدة فادية آل صافي، وأن والدته هي السيدة نجاح من السادة السباعية.

  • Social Links:

Leave a Reply