لا شيء يحدث في إدلب

لا شيء يحدث في إدلب

المدن – عمر قدور

فقط حسن الظن أو السذاجة، أو كلاهما، ما يجعل البعض منا يظن أن شيئاً ما يحدث في إدلب. يرتكب الطيران الروسي وقوات الأسد المجزرة تلو الأخرى؛ هذا لا يرقى إلى مصاف الحدث، هو مجرد خبر صغير قد لا يجد له مكاناً ولو متأخراً في قائمة الأخبار الدولية. وهو، بمفهوم الخبر، يفتقر إلى الإثارة. إنه مجرد تفصيل صغير ضمن حدث صار بدوره قديماً ومملاً، والأهم من ذلك أنه تحت الضبط الخارجي ولن ينفلت على مفاجآت جديدة.

لا يوجد في مستجدات الهجوم على إدلب ما يستقطب اهتمام أية حكومة غربية، ولا ما يستقطب اهتمام قوى معارضة في الغرب. الغرب أصلاً غير متواجد في إدلب على نحو تواجده السابق في مناطق الحرب على داعش، وهناك أعادت واشنطن انتشارها مقدِّمة لأنقرة ولموسكو مساحات شاسعة رغم اعتراضات بعض القوى الغربية، ورغم اعتراض الديموقراطيين في الكونغرس الذين وجدوا في الأمر فرصة أخرى ليس إلا للنيل من إدارة ترامب.

تبرز المخاوف الأوروبية، وترتفع معها الأصوات، عندما يكون هناك تهديد جدي بموجات لاجئين. لم يرفع بعدُ مسؤولون أتراك، لمناسبة الهجوم على إدلب، أصواتهم مهددين أوروبا باللاجئين، وقد لا يستقيم مثل هذا التهديد مع تصريحات تركية رسمية تشير إلى عودة عدد كبير منهم إلى الأراضي التي سيطرت عليه أنقرة في عملية “نبع السلام”. في كل الأحوال، صدور التصريحات متصل بعمليات التفاوض حول ترسيم النفوذ بين أنقرة وموسكو، ولا علاقة له بالاعتبارات الإنسانية لدى أي طرف منهما ولا لدى الأوروبيين.

ثمة أخبار عن معارك عنيفة أحياناً، أو عن مقاومة شرسة يبديها المدافعون. ترجمة ذلك أن المدافعين قد حصلوا على إمدادات جيدة، وربما على معلومات استخباراتية، تتيح لهم إيقاع خسائر أعلى بقوات الأسد. المستوى الأهم في موضوع الإمدادات توجيه رسالة خفيفة لموسكو، ربما رسالة عتب لأن الأخيرة تتجاوز التفاهمات، أو رسالة تذكير كي لا تتجاوزها.

نحن لا نعلم أيضاً حدود التفاهمات الروسية-التركية المؤقتة، وما إذا كانت المعركة الحالية تهدف فقط إلى السيطرة على الطريق الدولي الواصل بين دمشق وحلب ومحيطه. لا ندري أيضاً ما إذا كانت الفصائل الخاضعة للنفوذ التركي في إدلب على دراية بالتفاهمات وبأفق المعركة، وإذا كانت التفاهمات مبرمة لماذا لا تُنفّذ بأقل الخسائر؟ لماذا على الأقل لا يُرحَّل المدنيون خارج ساحات المعركة؟ ما هو مؤكد أن الطيران الروسي وقوات الأسد يريدان المنطقة المستهدفة مدمَّرة وخالية من السكان، وما هو مؤكد على نفس الدرجة أن نتيجة المعركة يحددها التفوق العسكري، ولن يحظى المدافعون بأسلحة نوعية تُحدث فرقاً وتمنح حماية لم يحظَ بها من قبل أي فصيل يقاتل الأسد، فكيف عندما يكون الحديث عن منطقة تهيمن عليها جبهة النصرة “هيئة تحرير الشام” الموضوعة على قائمة الإرهاب الدولية؟

في معركة لا تثير جدلاً دولياً، ولو على سبيل الاستعراض الإعلامي، لا تحتاج موسكو إلى التركيز على هيمنة النصرة على المنطقة، لكنها ورقة جاهزة للاستخدام. ومما يثير الاستغراب، أو لا يثيره ضمن عالم الصفقات، أن النصرة كرّست هيمنتها وأقصت فصائل أخرى، وقد فعلت ذلك تحت النفوذ التركي، وبخلاف تفاهمات أستانة التي نصّ بعضها على تحجيمها. رأينا في باقي مناطق النفوذ التركي كيف تتدخل أنقرة في كافة الشؤون، بما فيها الشؤون الإدارية المدنية، بينما لم تُبذل جهود مماثلة في إدلب، وكأنه إقرار مسبق بأن المناطق الأخرى تُعدّ لوجود أكثر استدامة من الوجود فيها.

الأرضية ممهدة لمعركة إدلب، وستبقى هكذا طالما بقيت المعركة مستمرة أو تخللها تأجيل لسبب ما. الإشارة إلى ضحايا مجازرها الحالية لن تستثير جهة قادرة على التدخل، لأن كافة الصفقات على الأرض السورية مرّت فوق المجازر. فيما يبدو أنه أقل من خبر، لا اعتبار لأولئك الضحايا أكثر من كونهم أعداداً تُضاف إلى المقتلة السورية الكبرى، وتدخل في أرشيف منظمات دولية يمكن الرجوع إليه لاحقاً على سبيل التأريخ. أُتخم العالم بقصص اللاجئين السوريين، واللاجئون الآن من تحت القصف في ظروف مناخية شديدة القسوة لن يجدوا أمامهم سوى العراء بالمعنيين المباشر والإنساني.

قد يُنقل الناجون إلى مناطق سبق لتركيا احتلالها، مثل عفرين أو المنطقة الواقعة بين رأس العين وتل أبيض، وكأنهم متاع يسهل رميه هنا أو هناك. وربما لا يرى المعنيون بإيجاد حل لهم غضاضة في أن تقتل قوات الأسد المزيد مما يتيسر لها، فهذا يخفف العبء عليهم. لاحقاً، لا يُستبعد أن يُتاجَر بهم في مزاد المتاجرة بقضية اللاجئين عموماً، ويصبح تقديم أية إغاثة دون الحد الأدنى لهم مدعاة للتفاخر بإنسانية أصحابها.

يُستحسن ألا نأتي على ذكر المعارضة، لا بسبب عجزها وقلة حيلتها، إنما لأنها شريك في تزيين السياسات الإقليمية والدولية التي أوصلت الحال إلى هنا، على الأقل من قبيل الترويج لها كأفضل الخيارات لحماية المدنيين. وقد فعل خيراً رئيس “الحكومة المؤقتة” التابعة للائتلاف بذهابه ليرأس اجتماعاً في عفرين، وليظهر إلى جانبه العلم التركي مع لوحة قيل أنها شجرة السلاطين العثمانيين، فظهوره بهذه الطريقة وبهذا التوقيت أصدق خاتمة.

حتى حسابات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي تكاد تقول لنا أن لا شيء يحدث في إدلب، لا صرخات استغاثة “كما كان يحدث سابقاً” تطلب من المجهول تقديم النجدة، ولا انتظار لمعجزة لن تحدث. صمت السوريين هذا مفهوم كدلالة على اليأس والعجز معاً، وهو يخلو مثلاً من مطالبات كانت ترتفع سابقاً من نوع التظاهر في عواصم الغرب لإيصال صورة المجزرة، فالكل يعلم أن العالم لا يحتاج من يوصل إليه صورة ما يحدث، والفكرة القديمة عن إيصال الحدث إلى الرأي العام الغربي كي يضغط على حكوماته تبدو ساذجة جداً اليوم. أيضاً الفكرة الطازجة قبل حين عن أهمية وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها تثبت عجزها عن التأثير الواقعي، أقلّه للذين لا يملكون غيرها.

لا شيء يحدث في إدلب، هذا ما يقوله منطق القوة والأقوياء، ولا أحد من السوريين في وسعه معاندة هذا المنطق سوى من يستطيع النجاة بنفسه أو بأسرته من المحرقة هناك.

  • Social Links:

Leave a Reply