كي لا نبرر مصادرة حرية الرأي

كي لا نبرر مصادرة حرية الرأي

زكي الدروبي

 

أعلت جميع القوانين والتشريعات الأرضية والسماوية من حرية الرأي، وشددت في كل الدساتير على أن حرية الرأي والتعبير مصانة، لكن في المقابل استطاعت الحكومات تقييد هذه الحرية بموجب قوانين مختلفة لدواعي مختلفة، كالإرهاب أو الأمن القومي أو  نشر أخبار كاذبة …

يكن أن نعود في حرية الرأي والتعبير إلى بدايات التاريخ، فالأنبياء والفلاسفة قدموا أفكارا مختلفة عن أفكار مجتمعهم واتبعهم البعض، لكن السلطة في ذلك الوقت لم تستطع تقبل أفكارهم المختلفة عنها فاضطهدوا، منهم من قتل ومنهم من اضطر للهجرة.

في العصر الحديث يمكن أن نلمح الوثائق القانونية التي تعبر عن حرية الرأي والتعبير  بدايات المفهوم الحديث لحرية الرأي إلى عام 1689 حيث صدر عن البرلمان البريطاني قانون “حرية الكلام في البرلمان”، وكان علينا الانتظار مئة عام أخرى كي يصدر إعلان حقوق الإنسان و المواطن في فرنسا عام 1789، والذي نص على أن حرية الرأي والتعبير جزء أساسي من حقوق المواطن.

في عام 1948 صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي نص في مادته التاسعة عشر ” لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود”، وفي المادتين 19 و20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 تم وضع فقرات تقيد إلى حد ما الإطلاق الذي اعتمده الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث وبعد أن اعتبرت في المادة 19 و20 من العهد أن لكل إنسان الحق في اعتناق آراء دون مضايقة وحرية التعبير بكافة الطرق، استتبعت بأن ممارسة الحقوق هذه تخضع لبعض القيود مثل “احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم” أو “حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة” وتم حظر “الدعاية للحروب” والدعوة “إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف”.

هذا التقييد جاء مخالفاً لأفكار الفيلسوف جون ستيوارت والذي دعا إلى حرية التعبير بغض النظر عن محتواه فقال “إذا كان كل البشر يمتلكون رأياً واحداُ وكان هناك شخص واحد فقط يملك رأيا مخالفا فان إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيـــــــام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة” لكنه استدرك بوضع حد وحيد لحرية التعبير، وهو “إلحاق الضرر” بشخص آخر.

إن هذه القيود لازالت مثار نقاش وموضوع إشكالي حتى اليوم في جميع الدول المتحضرة، بينما تعتبر حرية الرأي والتعبير في بلادنا العربية مجرد شعارات وكلمات مكتوبة في الدساتير والقوانين، لكنها غير مطبقة فعلياً على الأرض، ولازال أدنى انتقاد للحكومات والأنظمة العربية يعرض صاحبه لسيل من الاتهامات، ويتسبب له بالجلوس في السجن لمدة طويلة جداً، هذا إن تم إضفاء شكل قانوني على عملية قمع الرأي، ولم يتم اختطافه وإخفاؤه قسرياً من قبل أجهزة أمن الأنظمة، مع ادعاء هؤلاء المستبدين أمام وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية أن بلادهم واحة للديمقراطية وحرية الرأي والتعبير.

في سوريا عانينا مطولاً كما معظم البلدان الخاضعة للاستبداد من قمع ومصادرة الرأي، فمنذ انقلاب العسكر في 1963 تم مصادرة الحريات وإغلاق الصحف ومصادرة الحريات وانتهى أي وجود للعمل السياسي وحرية الرأي مع بدء الثمانينات من القرن الماضي في ظل حكم الأسد الأب، وحين انطلقت الثورة السورية بدأ الشعب السوري يتنفس الحرية التي حوربت من الجميع، من النظام ومن أوجهه المتعددة المتمثلة في جبهة النصرة وداعش وبقية الفصائل المتطرفة إسلامية كانت أو أثنية قومية، وبدأ يصدر صحفه ونشراته الخاصة المعبرة عن الآراء المتعددة كما هي سوريا دوماً، وفتحت أفواه الشعب السوري التي لم تفتح قبل الثورة إلا عند طبيب الأسنان.

هذه الحرية التي بدأ يشعر بها ويمارسها الشعب السوري، حوربت من قبل من يخاف منها، وبدأت الأجهزة المتخفية تحت غطاء ثوري بتشويه هذه الحرية، عبر بث الاتهامات وتشويه الشخصيات الوطنية وعدم احترامها، فهناك فرق كبير بين تشويه الأشخاص ومهاجمتهم واتهامهم بشكل شخصي وبين انتقاد ممارساتهم وسياساتهم.

كما تم تشكيل وسائل الإعلام الثورية الممولة من قبل الخارج والذي يتدخل فيها وبسياساتها، ونصب على قيادة بعضها أشخاص غير ثوريين أو غير مختصين، وحرص هؤلاء على توظيف كوادر ضعيفة تعمل معها كي لا تستطيع انتقاد نواقصها، ونفس الأمر ينسحب على مؤسسات المعارضة كالمجلس الوطني والائتلاف الوطني، وهدرت الأموال الطائلة ولم تنشئ وسيلة إعلام قوية للثورة قادرة على تشكيل الرأي العام وتثقيفه بما غاب عنه خلال فترات الاستبداد الطويلة التي عانى منها الشعب السوري، ولم يتم وضع الإعلاميين المتمرسين ذوي الخبرة في أماكنهم المناسبة، وبعضهم ترك مناصب مهمة لدى إعلام النظام ولديه خبرة ومعرفة تمكنه من مقارعة أكاذيب النظام وفضحه إعلامياً.

اليوم ومع الفوضى في الآراء وانتشار الآراء المتطرفة يرى الكثير ضرورة قمع هذه الآراء ومنعها من الصدور، إلا أن تجاربنا القديمة مع الاستبداد تجعلنا نتحفظ على أي قمع للرأي، فمنع الآراء من الصدور تحت مسميات مختلفة ” الفاشية، نشر الكراهية، …الخ” ستصل بنا إلى “وهن نفسية الأمة، إضعاف الشعور القومي، نقل أنباء كاذبة، التشجيع على الإرهاب .. الخ “.

يمكن لنا ملاحظة أن الدول المتقدمة بشكل عام تخاف بشكل مبالغ فيه من موضوع تقييد حرية الرأي، فنجد أن الرأي مسموح حتى لو كنا نراه رأيا عنصرياً بنظرنا، وكمثال لهذا نرى أن حكم المحكمة العليا الأمريكية في برفض قرار مجلس بلدة سكوكي وهي إحدى ضواحي ولاية شيكاغو عام 1977 بمنع مسيرة لمنظمة نازية أمريكية، كان معبراً تماماً عن هذا، فالمحكمة اصطفت إلى جانب حرية الرأي.

خصوصية البلدة البالغ تعداد سكانها 70 ألف شخص منهم 40 ألف يهودي، في أنها تضم ما يقارب من خمسة آلاف يهودي تعرضوا لاضطهاد مباشر من الحزب النازي الألماني، ومنظمين بشكل جيد، وكان “فرانك كولين“، وهو زعيم المنظمة النازية التي تدعم الحزب الاشتراكي القومي الأمريكي، ينوي تنظيم مسيرة تضم عدداً من الأفراد قد يصل عددهم إلى خمسين شخص يرتدون زياً يشبه الزي النازي أثناء حكم هتلر وعليه شارات الصليب المعقوف وسيحملون أعلام الحزب النازي الألماني.

إن الانزلاق في أتون قمع الرأي لن ينتهي، ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، وعلينا أن نعلم أن الرأي العنصري أو الفاشي سيتم عزله مع الوقت وسيسيئ لمتبنيه، إن كان هناك من يرد عليه بالحقائق والنقاش العلمي الرصين، أما الإساءة الشخصية والتحريض على العنف تجاه الآخر، فهذه مجالها المحاك السلوكية في المؤسسات الإعلامية والنقابات الصحفية المختلفة، وفي القضاء وليس عبر قمع الرأي مهما كان.

  • Social Links:

Leave a Reply