ظاهرة المستقلين

ظاهرة المستقلين

زكي الدروبي

عمل نظام الأسد طوال سنوات طويلة من حكمه، ومن سبقه من العسكر، على تفريغ المجتمع السوري من المؤسسات السياسية والمدنية (أحزاب ونقابات ومجتمع مدني) القادرة على النهوض بالدولة السورية، سواء أكان هذا التفريغ بمؤامرة وإيحاء خارجي أو رغبة بالاستفراد في الحكم دون معارضة قوية، ويمكن أيضاً أن تتلاقى المصالح بين الخارج والاستبداد، مما تسبب بظهور شكل مشوه من العلاقات الاجتماعية في سوريا أثر تأثيراً شديداً على الثورة السورية، ومنعها من تحقيق نجاحات حتى اليوم، رغم كل التضحيات التي قدمت.

بداية لابد من التذكير بأن العسكر ومنذ انقلاب 8 آذار 1963 فرض قانون الطوارئ والأحكام العرفية، ومنع العمل السياسي والصحافة الحرة ، وجاء حافظ الأسد ليكمل عمل العسكر وليضع المجتمع السوري كله في المجمدة، ويدفع لتشكيل مجتمع منقسم على أسس غير سياسية كي يسهل عليه السيطرة عليه.

قام نظام الأسد بالتخويف من السياسة، سواء بوصفها عملاً قذراً “السياسة نجاسة” “السياسة فن اللف والدوران” “السياسي كاذب محتال يسرق شعبه” … الخ، أو عبر التخويف من خلال أجهزته الأمنية، فكان يزج بالسجون أي تجمع مهما كان لا يعمل تحت وصايته الكاملة.

ثم أكمل مشواره بتقسيم المجتمع إلى طوائف ومذاهب وتخويفها من بعضها البعض، ودفعها للصراع على أسس طائفية، وكذلك فعل مع القوميات المختلفة، ومع التجمعات العشائرية المختلفة، فأقصى الشرفاء ونصب على كل جماعة مذهبية أو طائفية أو قومية أو عشائرية تابعاً له مؤتمراً بأمره، وسهل له الحصول على سلطات واسعة لتقديم خدمات لأبناء مجموعته، سواء عبر تسهيل الحصول على وظيفة في القطاع العام، أو تسهيل أمور الخدمة الإلزامية في الجيش لبعض معارفه، أو الحصول على رخص مختلفة … الخ، فأصبح التافه الوضيع سيداً في قومه عبر ما يقدمه من خدمات مدعومة من أجهزة الدولة المسخرة لخدمة النظام.

في الجانب الآخر كان هناك الدور السلبي الذي لعبته أحزاب السلطة التي تخلت عن دورها الوظيفي وباعت مبادئها والتحقت بالنظام مقابل فتات تقتات منه في إبعاد الناس عن السياسة والعمل الحزبي المنظم، حتى أن بعضها شارك في قتل الشعب السوري مثل الحزب القومي الاجتماعي.

وبسبب القمع الشديد غير الطبيعي – وصل لحد اعتقال الشخص لسنوات طويلة بسبب مجرد قراءته منشور لتجمع معارض – لم تستطع أحزاب المعارضة التواجد والعمل بشكل حقيقي حين اندلعت الثورة، فقد تربت على العمل في الظل ووراء الغرف المظلمة وعلى السرية، واعتماد الثقات بغض النظر عن كفاءتهم، ولم تنطلق للعمل السياسي الجماهيري الذي يعتمد على المؤسسات والكفاءات وليس المقربون، وبقيت أقرب للشعاراتية منها للعمل الحزبي المنظم، ورغم اندفاع الثوار وتفويضهم لهذه المعارضة – لنتذكر جميعاً كيف كان حجم تأييد المجلس الوطني في الشارع الثائر – إلا أنها لم تستطع تحقيق أهداف ومطالب الثوار، لأسباب متعددة أهمها الأنانية الحزبية والصراع على التمثيل.

كل هذا أفقد الناس ثقتها بالأحزاب ودورها وضرورتها للعمل السياسي المنظم، بالإضافة لبعض ذوي المصالح الذين يطمحون بالزعامة ويضرهم العمل المنظم المنتسب لمؤسسة، أو يرون بأنفسهم أكبر من مؤسسة أو تقتضي الحالة – بسبب الجهل وفقدان الناس الثقة بالأحزاب والعمل السياسي – أن يظهروا كمستقلين كي يبحثوا عن مصالحهم الخاصة، فأينما تحققت مصالحهم وجدوا، وفي اللحظة التي تنتهي فيها هذه المصلحة ينقلون البندقية للكتف الآخر.

للسياسة أدوات، وأدوات العمل السياسي هي الأحزاب والعمل المؤسساتي المنظم الذي يعتمد برنامج فكري سياسي اقتصادي واضح معلن، وتتطور كوادره وتكتسب المهارات التنظيمية وتصقلها الخبرة والمعرفة ليبقى الأصلح ويبتعد الضعيف، وليس المستقلين المتلونين الفاقدين للهوية، والذين استخدموا ضمن صراعات الزعامة الفارغة ولا علاقة للثورة وأهدافها ومبادئها بهؤلاء لا من قريب ولا من بعيد.

  • Social Links:

Leave a Reply