الشباب المصري وغياب السياسة .. المشاركة بعد “30 يونيو”

الشباب المصري وغياب السياسة .. المشاركة بعد “30 يونيو”

عصام شعبان- العربي الجديد

تتناول المطالعة، بالتحليل، المشاركة الشبابية للشباب المصري، خلال خمس سنوات (2014 – 2019)، وتتجلى أهمية هذا الموضوع نظرا لتراجع المشاركة السياسية عموما، ومن الشباب خصوصا، بعد موجة واسعة من الحراك السياسي قبل ثورة يناير 2011 التي لعب فيها الشباب دورا مؤثرا وفاعلا، سواء داخل أطر الحركة السياسية، بما تشمله من أنشطة داخل البناء السياسي التقليدي، والذي يشمل أنشطة الأجنحة والاتحادات الشبابية للأحزاب الرسمية، أو أنشطةً شبابيةً لأحزابٍ حجبت عن الشرعية، وكذلك أنشطة الحركات الشبابية ضمن أطر الحركات الاجتماعية وخارج أطر الأحزاب، والبنية السياسية التقليدية، والتي بدأت بعد 2005 ضمن حراكٍ هدف إلى الضغط على النظام، من أجل تغييره أو إصلاحه، واستطاعت تلك الحركات دفع الحراك الاحتجاجي، وصولا إلى ثورة يناير 2011.

شهدت السنوات الخمس تضييقا على أطر المشاركة السياسية وأشكالها، وتراجعا للقوى السياسية والحركات الشبابية، وأحكاما للسيطرة على المجال العام، بهدف استدامة مجموعة الحكم التي أفرزها نظام “30 يونيو”، وشملت آليات السيطرة حصار الأحزاب والقوى السياسية والشبابية، وتعرّض كثيرون من قياداتها للاعتقال والاحتجاز، وضغوط أخرى متنوعة، بينما تمت السيطرة على وسائل الإعلام بشكل شبه كامل، عبر الاستحواذ والتضيق والحجب، بالإضافة إلى توظيف التشريع لخدمة السلطوية، ما قلص نسب المشاركة السياسية، حتى وسائل الإعلام الافتراضية لم تسلم من التضييق، بوصفها أداة للتعبير ودمقرطة المشاركة والتعبير عن الآراء والمواقف والاتجاهات. كانت محصلة ذلك تراجع عملية المشاركة السياسية بكل صورها. ويمكن التدليل على ذلك من خلال مؤشرات رسمية ومشاهدات ميدانية، ووقائع عديدة دالة، شكلت معوقات للمشاركة السياسية للشباب.

انتخابات بلا متنافسين وانسحاب شبابي

كانت المشاركة السياسية التقليدية للشباب المصري قبل ثورة يناير محدودة، نظرا إلى عدم إيمان الشباب بجدوى الانتخابات وجدّيتها، يشير مسح النشء والشباب لعام 2009، والصادر عن مجلس السكان العالمي، بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن 16% من الشباب الذين لهم حق التصويت كانوا يشاركون بالتصويت، بينما يشير تقرير عام 2014 إلى ارتفاع النسبة إلى ما بين 52% إلى 65% خلال عامي 2011 و2012، وهو ما تظهره مشاهدات ميدانية، شملت هذه الفترة الاستفتاء على التعديل الدستوري (مارس/ آذار 2011)، تحت حكم المجلس العسكري، وقد شهد انقساما وتنافسا ما بين القوى المدنية والإخوان المسلمين، المتحالفين وقتها مع المجلس العسكري، تلت ذلك الانتخابات البرلمانية، ثم انتخابات الرئاسة التي فاز فيها الرئيس محمد مرسي على الفريق أحمد شفيق بفارق محدود، وشهدت تنافسا كبيرا، زاد من نسبة المشاركة، على الرغم من دعوات كتل شبابية إلى مقاطعة الانتخابات.

كما يلحظ أيضا زيادة نسب المشاركة في الانتخابات البرلمانية (2011 – 2012) وكذلك الاستفتاء على الدستور في 2012. وتعتبر الاستحقاقات الثلاثة الرئاسية والبرلمانية والاستفتاء على الدستور، الأكثر مشاركةً في تاريخ مصر، وهي الوحيدة التي لم تقارب فيها النتائج النسب المعهودة عربيا، والتي تتجاوز في نتائجها 90 بالمائة لصالح كتلة بعينها، يرجع ذلك إلى طبيعة العملية الانتخابية في هذه الفترة، ووجود كتل سياسية نشطة بعد الثورة، وتوفر الرغبة في الانخراط في العمل السياسي طريقا إلى التغيير، مع توفر بيئة تنافسية إلى حد كبير، سمحت لشرائح قوى الثورة والثورة المضادّة أن تعبر عن نفسها بوضوح. استطاعت كتلة حمدين صباحي الحصول على ثلث أصوات المصريين في الجولة التصويتية الأولى في انتخابات الرئاسة 2012، والتي قاد فيها الشباب معركة انتخابية لافتة، لمساندة حمدين صباحي، بينما انقسمت تلك الكتلة ما بين تأييد مرسي أو الدعوة إلى المقاطعة في الجولة الثانية.

عاد العزوف الشبابي في الاستحقاقات الانتخابية في الفترة من 2014 – 2019، لعدة أسباب، منها الإحباطات الناتجة عن عدم تحقق أهداف الثورة، وشعور بعض الكتل الشبابية بعدم جدوى المشاركة من الأساس، بالإضافة إلى انقسام كتل شبابية كجزء من ارتباك مجتمعي أمام حراك “30 يونيو”، في العام 2013، أو ما تبعه من سياساتٍ وسعت كتلة المنسحبين من العمل السياسي، بشكل إرادي أو قسري، فقد كان الاستفتاء على دستور 2014 أولى الخطوات لقياس المشاركة السياسية في شكلها التقليدي بعد “30 يونيو”، أعلنت اللجنة العليا للانتخابات يوم 18 يناير/ كانون الثاني 2014 أن نسبة المشاركة بلغت 38.6%، بينما وافق على مشروع الدستور 98.1%.

وحسب ورقة سياسات أعدها الباحثان، حنان جرس وماجد عثمان مدير مركز بصيرة ومركز المعلومات سابقا، فإن استطلاعات الرأي ما بعد التصويت تفيد بأن نسبة الشباب من 18 إلى 30 عاما الذين صوّتوا في الانتخابات الرئاسية 2014 لم تتعد نسبتهم 27%، ولم تتجاوز 20% في انتخابات البرلمان 2015، والتي شهدت عدّة تحالفات انتخابية انتهت، بعد إصرار السلطة، بتقليص فرص المشاركة والمنافسة، أجريت الانتخابات بقانونٍ مهد الطريق إلى سيطرة تحالفٍ تم تكوينه بمعرفة أجهزة أمنية. ثم بعد ذلك انتخابات رئاسية 2018 تم استبعاد كل منافسي عبد الفتاح السيسي، والضغط عليهم بطرق مختلفة. سُجن الفريق سامى عنان، فور الإعلان عن نيته الترشح، وشخصان من الفريق المعاون له، الأكاديمي حازم حسني والمستشار هشام جنينة، بينما ظل الفريق أحمد شفيق تحت الإقامة الجبرية في منزله بعد عودته من الإمارات وإعلان نيته الترشح. كان السيسي مرشحا وحيدا لولا دفعه المهندس موسى مصطفى موسى للترشّح في اللحظات الأخيرة عبر جمع استمارات تأييد ترشح من البرلمان.

كانت نتائج الانتخابات فوز السيسي بما يقارب 98%، وهي قريبة من نتائج انتخابات الرئاسة في 2014، والتي فاز فيها السيسي بنسبة 96,9%، وشارك فيها 47,7% من إجمالي من لهم حق التصويت، بينما اعتبر حمدين صباحي منافس السيسي أن الأرقام المعلنة إهانة لذكاء المصريين. وكانت هناك رغبة من السلطة لإثبات رضى الشارع على المسار السياسي بعد “30 يونيو”، فحشدت بأقصى قدر ممكن للمشاركة في التصويت بانتخابات الرئاسة، مدّدت أيامه ليوم ثالث في سابقة غريبة من نوعها، فضلا عن حملات الحشد الميداني والتخويف والتعبئة الإعلامية ضد العازفين عن المشاركة، وأغلبهم من قطاعات شبابية. حسب البيانات الرسمية كانت الأصوات الباطلة مليونا وأربعين ألفا من إجمالي 25 مليونا ونصف مصوّت، ما يشير إلى نسبةٍ غير قليلة، أبطلت صوتها بقصد، بينما دعت حركات شبابية وقوى سياسية إلى المقاطعة، ما أثر على مشاركة الشباب، شهد العام 2014 تطبيقا لقانون التظاهر بشكل واسع، سجن واحتجز بموجبه الآلاف، وامتدت بعدها حملات القبض التي لم تقتصر على المنتمين للتيار الإسلامي وأنصاره الذين اعتبروا “30 يونيو” انقلابا عسكريا، بل امتد إلى المتحفظين على سياسات السلطة بعد ذلك مما ينتمون لمّا يسمّى التيار المدني، وهذا أدى إلى عزوف الشباب عن المشاركة السياسية.

حين تكون هناك قوى سياسية واجتماعية فاعله، تنشط في المجال العام، تتوسع مساحات الصراع، وتتحسّن شروط التفاوض بين السلطة والمعارضة، يصبح المجال العام تشاركيا، وتصبح للشباب فرصة للحراك والتمثيل، ولعب دور فاعل في التغيير السياسي، بينما يكون الشباب أول ضحايا السلطوية وأحد أبرز مستهدفاتها بجانب الحركة النقابية والعمالية، بوصف الفئتين لديهما قدرة على التأثير، فضلا عن الوزن الديمغرافي للشباب، وعلاقه خصائصهم بالمشاركة والتأثير، وكونهم حاملا للتغيير، إذ تم تعبئتهم وتنظيمهم في أطر وتكتلات، لذا ترى السلطوية في وجودهم المنظم أو توفر فرص التعبير عن أفكارهم تحدّيا لها.

استهدفت السلطة الأحزاب السياسية، عبر استراتيجية متنوعة الاتجاهات، فمنها محاولات الاستمالة لبعضها، خصوصا الأحزاب التقليدية، كالوفد والتجمع والحزب الناصري، والوجود الشبابي في هذه الأحزاب محدود، وخسرت ما تبقى منه خلال السنوات الخمس الماضية، بسبب مواقفها التى تتناقض حتى مع مقولاتها التاريخية الأساسية، سواء فيما تعلق بقيم العدالة أو الحريات، بينما واجهت أحزاب الكتلة المدنية حملاتٍ متكرّرة ضد كوادرها الشبابية، طاولت أحزاب الدستور والكرامة والاجتماعي الديمقراطي والعيش والحرية، وهذا جعل مشاركة الشباب حزبيا مقيّدة وتكلفتها عالية. تفتتت بعض الكتل الشبابية الحزبية والمجموعات الشبابية غير الحزبية عن طريق اتباع سياسة الاحتجاز والتضييق الأمني، أو لضعف بنى تلك الكتل، وأحبطت بعض كوادرها وبعدت عن السياسة، فكانت النتيجة انحصار وجودها واختفاء معظمها، وهذا شكل خصما من مشاركة الشباب سياسيا.

مشاركة محكومة القواعد والنتائج

وعلى جانب آخر، وأمام عزوف كتل شبابية عن المشاركة السياسية، وحساسية السلطة إزاء ذلك، حاولت أجهزة الإعلام والدولة إشاعة صورة لمشاركة سياسية محدودة، محكومة بأطر، وتتم تحت قواعد تحدّدها، مثل مؤتمرات الشباب، والتي سمح في بعضها بمشاركة شباب بعض الأحزاب، وهي عودة لأساليب دولة يوليو (1952) تاريخيا في تعبئة الشباب لصالحها، ومشاركة كتل منهم تحت مظلتها، وفي أطر تستحدثها، تابعة لها بشكل مباشر أو قريبة، الفرق أن هذه التجربة ممسوخة، وليس لها رؤية وتعتمد على الاحتواء، وتزيل المشاركين فيها للسلطة.

تحاول السلطوية عبر “شبابها”، المشاركين في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، ومؤتمرات الشباب المصري، وشباب أفريقيا وشباب العالم، رسم صورة الشباب المسيّس “الوطني” تعويض غياب كتل شبابية، انسحبت من المشاركة في الانتخابات التي تنظمها وتتحكّم في مساراتها بطرقٍ غير مباشرة، لا تسمح السلطوية في أن يكون للقوى الشبابية مساحة في التعبير والحركة إلا في أضيق الحدود، السياسة كجزء من المجال العام، مساحة خاصة بالسلطة وبمؤيديها. وفضلا عن غلق المجال السياسي، فإنها تضيق مساحات الفعل في المجال العام عموما، حرصا على عدم تخلق أي حراكٍ يوجهها، خصوصا لو كان خارج الإطار السياسي التقليدي.

خارج بنية الأحزاب

ومن هنا يمكن تفسير عملية إحكام السيطرة على المجموعات النشطة في مجالات الفنون والثقافة المختلفة، وكذلك أنشطة المجموعات الرياضية التي قد تكون مساحة للتعبير أو التكتل، تكون تلك المجموعات مستهدفةً كما الفاعلين في المجال السياسي. وهنا يمكن فهم الحصار الذي شهدته المجموعات الرياضية، كأولتراس النادي الأهلي والزمالك، تعرض بعض أعضائهما للاحتجاز والمساءلة والتشويه، نظرا لما أظهروه من مشاركة في الثورة عبر مراحلها المختلفة، أو تفاعلها مع الأحداث العامة محليا وعربيا. شهدت الأعوام الخمسة الأخيرة حوادث متعدّدة، جديدها القبض على عدد من الشباب خلال مباريات بطولة كأس الشباب، بسبب رفع علم فلسطين، كما شهدت الساحة الثقافية حوادث عديدة من التضييق ورقابة أنشطتها ومنع بعضها، فضلا عن التعرّض لكتاب وشعراء وناشرين، منهم صاحب دار تنمية، خالد لطفي، والذي يقضي عقوبة السجن خمسة أعوام بسب توزيعه كتابا مترجما.

تستمد السلطوية بياناتها حول تهميش الديمقراطية والتقليل من أهمية الحقوق السياسية ضمن منظومة حقوق الإنسان، من ثقافةٍ سلطويةٍ متوارثةٍ، نتاج عهود من سلطوية قديمة وديمقراطية شكلية، أحزاب بلا فاعلية، وأخرى مهمشة ومحاصرة، ومجال ثقافي هشّ يغلب عليه التطويع، مع إحكام السيطرة على وسائل الإعلام والتعبير. وبهذا يتم استبعاد كتل شبابية من مختلف أطر المشاركة، وتستكمل السلطوية قواعد ترسيخ بقائها على هيمنتها المطلقة على مواقع الحكم واتخاذ القرار وتسيير أجهزة الدولة بعدد محدود من الموثوق فيهم، تقديس السلطة هنا، والإعلاء من شأنها يهمّش الآخرين، ويقلل فرص مشاركتهم.

لم يعد الشباب المصري مشاركا سياسيا في الأطر الرسمية الأحزاب والانتخابات العامة، بل منصرفا عن أغلب الأنشطة المجتمعية. وقل الحضور الشبابي في فاعليات المجتمع المدني والتظاهرات الثقافية، اختفت الحركات الشبابية ما بين مطاردة أعضائها وتفككها داخليا وهجرة بعض كوادرها خارج مصر، أصبح الشباب بلا أطر، انسحابات متعدّدة الأسباب منها بنية الأحزاب والحركات الشبابية، وما جرى لكثيرين من قادتها، سواء من انحرافات واحتواء من السلطة أو حصارا وقمعا مكثفا، ما ضاعف تكلفة المشاركة، وانسحب بعضهم خوفا من سياج القمع والتخويف والتشكيك والاغتيالات المعنوية.

ساد إحساس بعدم الثقة في مخرجات منظومة الانتخابات، والتي وإن لم يصب بعضها التزوير، فقد تم الإعداد لها لتحقق نتائج بعينها، فكانت تنافسا بدون متنافسين، وسباقا بلا أسس للتنافس، غير أن هناك قناعة لدى قطاعات شبابية بأن القوى الصلبة تفرض مواقفها بالقوة، وتحت اعتبارات أمنية تعصف بالحرّيات مقابل حفظ الأمن، وضبط المجتمع، وتحقيق مصالحها، عدم الثقة في المسار السياسي ونتائجه/ والانصراف إلى الهم الذاتي والشخصي، والابتعاد عن العمل العام الذي أصبح مصدرا للمتاعب، أو سببا في مخاطر على الأمن الشخصي، أو المستقبل المهني، كلها عوامل تحدّ من مشاركة الشباب سياسيا.

تأثير البنية التشريعية

سنّت مؤسسات التشريع، منذ 2014، عددا ضخما من القوانين وتعديلاتها، هدف جزء منه إلى تقنين حصار حرية الرأي والتعبير والتظاهر، وكل أشكال الاحتجاج، وتضيق الحق في التنظيم، إثر ذلك على المشاركة السياسية غير التقليدية، كما أثر على المشاركة التقليدية، فلا معنى ولا جدوى للمشاركة بدون حرية الحركة والتنظيم والتجمع، بما فيها تنظيم المؤتمرات والندوات واللقاءات الجماهيرية التي يمكن أن تنخرط فيها كتل للتعبير عن مواقفها نوعا من المشاركة. وفي هذا السياق، يمكن ذكر قانون التظاهر وتعديلاته، والقوانين الحاكمة لحرية التعبير، بما فيها قانون تنظيم عمل الصحافة والإعلام، والذي تضمن تنظيم عمل المواقع الإلكترونية والمدونات والحسابات الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي، بغرض ضبطها، والحد من تأثيرها، خصوصا مع توسّع المستخدمين لخدمات الإنترنت، ومعظمهم من الشباب الذين يستخدمون الإنترنت مجالا للتعبير عن مواقفهم تجاه قضايا المجتمع. وحسب مسح النشء والشباب لعام 2014، زادت نسبة استخدام الشباب المصري الإنترنت من 10% عام 2009 إلى 25 % عام 2011، كما تفيد مسوح وأبحاث عديدة بأن مواقع الإنترنت والشبكات الاجتماعية أصبحت المصدر الرئيسي لأكثر من 90% للشباب، فيما يتعلق بمعرفة الأخبار السياسية وقضايا المجتمع، وزاد مستخدمو الإنترنت بنسبة 12% خلال عامي 2017 – 2018، بينما وصل عدد المستخدمين إلى 37,9 مليونا، ما يقارب 62% منهم شباب، بينما كان عدد مستخدمي الإنترنت عام 2008 نحو 13,5 مليونا. جعلت هذه الزيادة المشاركة سياسيا أحد أبرز أطرها ساحات المجال الافتراضي، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى حجب ما يزيد عن 500 موقع، إضافة إلى توقيف شباب عديدين، بعد حراك سبتمبر لتفتيش هواتفهم، غير قضايا أخرى كانت التهم فيها إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر الأكاذيب.

إجمالا، يمكن القول إن المشاركة السياسية للشباب المصري في حالة تراجع، خصوصا فيما يتعلق بالعملية السياسية التقليدية، وإن ذلك يرجع، بشكل أساسي، إلى التغيير الذى أحدثته السلطة، سواء على مستوى التشريعات أو السياسات القمعية، وحملات التشوية للعمل السياسي والحزبي، وحملات الاحتجاز والقبض المتكرّرة، ولا يستثنى من أسباب تراجع المشاركة أوضاع الأحزاب والكتل السياسية من حيث ضعفها، وعدم تماسك بنيانها، ما جعلها عرضةً للتفتت والضعف، فضلا عن انتهازية كثيرين من قيادتها، بالإضافة إلى الإحساس العام بالإحباط وعدم جدوى المشاركة في هذا الجو المربك والخطر، وإن حجم التكلفة لا يتناسب مع احتمالات إحداث تغييرٍ حقيقي. وإذ كانت الفترة التالية على الثورة شهدت نشاطا سياسيا كبيرا نسبيا، إلا أنه ارتبط بحالةٍ من الأمل في التغيير، وهذه الحالة أصبحت أضعف، وهي نتاج إخفاقات متعدّدة شاهدها الشباب منذ اندلاع ثورة يناير التي راهنوا عليها في تغيير أوضاعهم وأوضاع المجتمع ككل، إحباط من مسار الثورة بداية من حكومة الإخوان المسلمين وتوافقاتهم مع الجيش من 2011 وحتى منتصف 2013، وصولا إلى مرحلة 30 يونيو، والتي أكملت وصول الشباب إلى مرحلةٍ من العزلة والصمت، أو الاختيارات بين بدائل مفروضة قسرا، تسمّى استحقاقات انتخابية واستفتاءات عامة. وكما تبدّدت آمال بعضهم بعد انتخابات الرئاسة 2012 وما تلاها من تخبط وصراعات، تبدّدت آمال آخرين بشكل أكبر بعد انتخابات الرئاسة في 2014، وزادت الإحباطات في المجتمع على بؤس مآلات الثورة، خصوصا الذين راهنوا على “30 يونيو” بوصفها امتدادا لثورة يناير فكانت انقلابا عليها. تلت ذلك محطات أخرى منها تمديد بقاء عبد الفتاح السيسي في السلطة، بعد تعديل الدستور في 2019، ما أعطى إحساسا عاما بأنه لا حاجة للمشاركة أصلا، وتأييد المسار المثبت بالقوة، وراهنيه اللحظة وتوازن القوى. تبدّد حماس الشباب، ومشاركتهم خففت، وإحباطاتهم زادت، وانسحابهم من المجال العام بات حقيقةً مرّة تحتاج إلى جهد حقيقي، لكي يعود الشباب إلى ساحات السياسة.

  • Social Links:

Leave a Reply