معضلة هدن إدلب

معضلة هدن إدلب

عبسي سميسم – العربي الجديد

بدأ اليوم الأحد، نظرياً، تطبيق هدنة جديدة في شمال غربي سورية، بين قوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة السورية، اتفق عليها الجانبان الروسي والتركي بعد جولة محادثات بين الجانبين. ولا تختلف هدنة اليوم عن الهدن السابقة لناحية تثبيت مناطق سيطر عليها النظام خلال الفترة السابقة للهدنة، ومنحه فرصة لالتقاط أنفاسه استعداداً لقضم مناطق أخرى، الأمر الذي يرجّح خرق هذه الهدنة من قبل روسيا والنظام في أي وقت ترى فيه روسيا أن الوقت مناسب لشنّ هجوم وقضم مناطق أخرى. الحجّة جاهزة، هي وجود “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) المصنّفة فصيلاً إرهابياً، الذي يقع على عاتق الجانب التركي موضوع حله في كل اتفاقاته مع الجانب الروسي. وضع لم تتمكن تركيا حتى الآن من إنهائه، بل على العكس من ذلك، تمكنت “الهيئة” من إحكام قبضتها على محافظة إدلب أكثر من السابق، ليُطرَح الكثير من علامات الاستفهام حول قدرة تركيا على سحب هذه الذريعة من الجانب الروسي.

وكان أمام الأتراك خيار من اثنين، للتخلّص من “هيئة تحرير الشام”: الأول، وهو إقناعها بحلّ نفسها ودمج مكوناتها ضمن “الجيش الوطني”، بعد إبعاد العناصر الأجانب الذين يشكّلون نسبة قليلة في هيكلية الهيئة، فيما الخيار الثاني، وهو الأصعب، محاولة تصفية قيادات “الهيئة” وخلخلة بنيتها، ومن ثم تصفيتها من خلال عمل عسكري. وهو خيار تملك تركيا القدرة على تنفيذه، بعد نجاحها في التعامل مع تنظيم “داعش” ومليشيا “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) مثبّتة قدرتها على الحسم العسكري. غير أنه في موضوع “هيئة تحرير الشام” يبدو أن تركيا كانت تخشى من أن يسبب اصطدامها مع “الهيئة” فقدان شعبيتها في شمال غربي سورية، لاعتقادها أن “الهيئة” تتمتع بشعبية كبيرة هناك. وهو بطبيعة الحال تقدير خاطئ، لأن المواطنين الخاضعين لنفوذ “هيئة تحرير الشام” يجدون فيها سلطة استبداد وابتزاز، مهمتها قمعهم وجني الضرائب منهم. أما السبب الآخر والأهم، الذي قد يكون منع تركيا من حسم موضوع “الهيئة” عسكرياً، فهو اعتبار أنقرة أن “الهيئة” أكبر عسكرياً من كل قوى المعارضة الأخرى التي تحارب النظام، وبالتالي إن محاربتها ستضع فصائل “الجيش الوطني” في حالة استنزاف من جهة، وستخسر جبهات القتال مع النظام وزناً عسكرياً كبيراً كان يستنزف النظام من جهة أخرى.

لكن مهما كانت مبررات إبقاء “هيئة تحرير الشام”، وعدم تقديم حل منطقي لوجودها، فإن من شأن بقائها ذريعةً لأي هجوم مستقبلي على إدلب، وخرق أي هدنة يُتَّفَق عليها، أن يسبب استمرار الكارثة في المنطقة، وتهديد مصير ثلاثة ملايين إنسان يعيشون في محافظة إدلب في أقسى الظروف الانسانية، ويأملون أن تكون الهدنة الأخيرة بداية لتخفيف معاناتهم.

  • Social Links:

Leave a Reply