مواقف لن تنسى … بين زيارة هتلر لباريس وزيارة بوتين لدمشق

مواقف لن تنسى … بين زيارة هتلر لباريس وزيارة بوتين لدمشق

 

المهندس سامر كعكرلي

مرة أخرى أجد نفسي مضطراً لأن أقارن بين شخصين، كان لهما تأثيراً سلبياً كبيراً على العالم الذي نعيشه، وهما أدولف هتلر الزعيم النازي، وفلاديمير بوتين الزعيم الروسي، حيث أن المقارنة الأولى كانت عندما سمحت الدول الكبرى في زمنين مختلفين لهذين الرجلين بمحاولة تحسين صورتهما عندما منحت الأول شرف إقامة بطولة الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936 وللثاني شرف إقامة بطولة كأس العالم لكرة القدم في عام 2018.

والمقارنة اليوم بين الرجلين على خلفية زيارة بوتين لدمشق بتاريخ 07/01/2020 حيث أعادتني تلك الزيارة لزيارة قام بها هتلر لباريس تاريخ 23/06/1940، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية، حيث كانت فرنسا من دول الحلفاء ضد دول المحور وقد اجتاحت جيوش هتلر فرنسا خلال ستة أسابيع لتصل جيوشه إلى باريس بعد أن أعلن فيليب بيتان استسلام فرنسا للقوات الألمانية وذلك في 17/06/1940.

ولعرض أي مقارنة لا بد للتطرق لأوجه التشابه وأوجه الاختلاف بين الشيئين المقارن بينهما ولنبدأ بأوجه التشابه:

الزيارتين كانتا مفاجئتين ولن ترافقهما أي مراسيم استقبال رسمي يفرضه البروتوكول المتعارف عليه عندما يزور رئيس دولة لدولة أخرى، حيث وصل هتلر إلى باريس في نهاية الليل ومع بزوغ الفجر وكان باستقباله عدداً من ضباطه الذين شاركوا في احتلال باريس, وكذلك بوتين عندما نزل من طائرته بمطار دمشق كان الوقت ليلاً وكان في استقباله ضباطه الذين يعتبرهم الكثير من السوريين قوة احتلال. وكأول تشابه يمكن عرضه في تلك اللحظة هو خلو المشهد سواء عند هتلر أم عند بوتين  من أي أعلام للدولة صاحبة الأرض  وذلك بهدف تكريس أن الزائران يزوران مدينتين أصبحتا تابعتين لهم عملياً.

أيضاً من أوجه التشابه بين الزيارتين هو إصرار كل من بوتين وهتلر على زيارة الأماكن التي لها بعد عاطفي وتاريخي عند الشعبين الدمشقي والباريسي، فالرئيس الروسي بوتين وبعد اجتماعه مع ضباطه العسكريين آثر أن يتجول في شوارع دمشق القديمة وزيارة الجامع الأموي الذي يعتبر جوهرة معمارية أموية عند السوريين عامة والدمشقيين خاصة، إضافة للمكانة الدينية الكبيرة لديهم، وكذلك زيارة الكنيسة المريمية بدمشق والتي تعتبر من أقدم كنائس العالم حيث تعود للفترة البيزنطية، كما أنها مركز الكنيسة الأرثوذكسية في العالم أجمع، ومن المعلوم أن روسيا تتبع الكنسية الأرثوذكسية  أيضاً. وكذلك هتلر في عام 1940 فقد أصر على الأماكن التاريخية التي تزخر بها مدينة باريس ومنها  “أوبرا غارنييه” التي يعتبرها الباريسيين  جوهرة معمارية من القرن التاسع عشر وكنيسة مادلين وقوس النصر وبرج إيفل.

وجاءت زيارة فلاديمير بوتين لقبر القائد صلاح الدين الأيوبي محاكية تماماً لزيارة هتلر لقبر نابليون بونابرت، ولكن هنا يكمن فرق جوهري حيث سجل المؤرخين بأن هتلر قد وقف باحترام شديد أما قبر نابليون وأحنى رأسه أمام القبر لمدة طويلة، بينما بوتين – وكما علق السوريين أنفسهم على تلك الزيارة – بأن بوتين في زيارته لقبر صلاح الدين الأيوبي وكأنما يعيد مشهد زيارة الجنرال المحتل غورو عام 1920 الذي كان مزهواً  بعلامات النصر ليقول لصاحب القبر كلمته المشهورة: (( ها قد عدنا يا صلاح الدين)).

وكأخر أوجه المقارنة بين الزيارتين من ناحية الشكل فقد أكد المؤرخين بأن زيارة هتلر قد أتت بعد أن نزح ثلثا سكان باريس من مدينتهم وكذلك زيارة بوتين الذي زار دمشق بعد أن هاجر ونزح نصف السوريين ومنهم الدمشقيين من مدنهم وبلداتهم خوفاً على حياتهم من بطش آلة القتل الروسية التي تقصفهم بكل همجية.

هذا من الناحية الوصفية للزيارتين، أما من ناحية التحليل السياسي لتلك الزيارتين، وبسبب اتخاذ الزيارتين شكلا سياحياً نوعاً ما، فإن ذلك يؤكد بأن كلاً الرجلين أرادا إرسال رسائل للعالم، حيث يجمع المؤرخين بأن هتلر أراد من زيارته إيصال رسالة للعالم عامة وللأوربيين خاصة بأنه قد أصبح سيد باريس وفرنسا المطلق، وبدأ بذلك تنفيذ حلمه القاضي بإقامة إمبراطورية جرمانية  تفرض سلطتها على كافة أرجاء أوربا، أيضاً بالنسبة لبوتين فإنه – وكما يرى المحللين السياسيين – بأنه أراد من تلك الزيارة إبلاغ للعالم عامةً وتركيا وإيران خاصةً، بأنه أصبح السيد المطلق لسورية وأنه بدأ بالفعل وانطلاقا من سورية بالتحديد، بتنفيذ حلمٌ لطالما راود روسيا القيصرية وهو أقامة إمبراطورية تصل لشواطئ البحر المتوسط، والتي كانت روسيا القيصرية تسميها المياه الدافئة.

أما بالنسبة لأوجه الاختلاف بين الزيارتين فلم أجد سوى نقطتي خلاف بينهما وهما، الأولى أن هتلر أحتاج ستة أسابيع فقط ليتمكن من زيارة باريس منتصراًـ بينما فلاديمير بوتين احتاج لحوالي خمس سنوات ليقوم بزيارة ((النصر)) وذلك بفضل صمود أسطوري من قبل الشعب السوري الثائر. أما نقطة الخلاف الثانية وهي أنه لم يجرأ أحد من القادة الفرنسيين – بما فيهم الجنرال فيليب بيتان الذي أعلن استسلام فرنسا والذي يعتبر حسب وجهة نظر الفرنسيين خائناً- أن يرافق هتلر بزيارته أو أن يعقد معه لقاءات سياسية، ويلتقط مع الصور التذكارية، بل آثر جميع سياسي فرنسا وعسكرها التخفي في هذا اليوم المشؤوم من تاريخ فرنسا لشعورهم بالذل المهانة من زيارة هتلر منتصراً لبلادهم ولا يمكن تفسير ذلك سوى كون هؤلاء الساسة والقادة الفرنسيين الذين يحملون في نفوسهم على الرغم من خسارتهم العسكرية الكثير من العزة والشرف والأنفة، على عكس بشار الأسد الذي يعتبر نفسه رئيساً شرعياً لسورية والذي هرول لمكان إقامة بوتين في مقر قيادة قواته العسكرية ليستقبله بوتين، ويلتقط معه الصور التذكارية، وأن يقبل بشار الأسد بمرافقة بوتين في جولته السياحية، مكتفياً بدور المرشد السياحي الأجير في منظرٍ لن ينساه العالم كله، وبالأخص السوريين ، منظراً يلخص مدى الهوان والذل الذي وصل إليه مقام الرئاسة السورية في عهد هذا الشخص المعتوه الذي باع سورية للغزاة فقط مقابل  بقائه على كرسي الرئاسة، هذا الكرسي الذي تناوب عليه في غابر الزمن رجالات سورية الوطنيين العظام من أمثال محمد علي العابد وهاشم الأتاسي وشكري القوتلي .

  • Social Links:

Leave a Reply