كلمة حزب اليسار الديمقراطي السوري في تأبين الرفيق منصور الأتاسي

كلمة حزب اليسار الديمقراطي السوري في تأبين الرفيق منصور الأتاسي

أحيت عائلة ورفاق وأصدقاء الرفيق منصور الأتاسي الأمين العام للحزب، والمنسق العام للقاء القوى الوطنية الديمقراطية، ذكرى مرور أربعين يوماً على وفاته بأمسية تأبينية في مقر مؤسسة “الدار” في إسطنبول حضرها عدد من أصدقاء ورفاق الفقيد الكبير.

فيما يلي كلمة الحزب في تأبين فقيدنا الكبير 

في الوفاء لأبو مطيع

 

نجتمع اليوم في ذكرى تأبين مناضل كبير، له مآثر كبرى وأعمال كبيرة شهد له فيها خصومه قبل محبيه، فمنصور الأتاسي لم يكن شخصاً عاديا في حياة رفاقه وأصدقاءه، بل كان أخاً وأباً وصديقاً للجميع وسعت حنيته ومحبته كل شيء، يشعر بهم ويتألم لأحزانهم ويفرح لأفراحهم، وكان مؤمناً بقدرات رفاقه ويسعى دوماً لدفعهم إلى الواجهة لكي يكتسبوا الخبرة ولكي تتكون الكوادرالتي تحتاجها سوريا في ظل التعقيم الذي قام به نظام الاستبداد الأسدي وقبله العسكري ضد السياسة والفكر وترسيخ البنى المتخلفة في المجتمع والتي اعتمدها طيلة سنوات حكمه لتدعيم استبداده والاستناد عليها في حال تعرض حكه للخطر.

في 2004 طالب منصور الأتاسي ضمن بيان انتخابي علني ضمن حملته الانتخابية بإلغاء قانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية وما نتج عنها من أحكام وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وحل مشاكل المفقودين والمبعدين والممنوعين من الدخول والمغادرة وتلبية مطالب السجناء السياسيين المطلق سراحهم (بإعادة حقوقهم المدنية كاملة ) وتأمين عمل شريف لهم وتعويضهم عن فترة اعتقالهم، إضافة للسماح بحرية العمل السياسي معتبراً أن هذه الطلبات ضمانة لسورية ومستقبلها، وكان أن انفجر الشعب من استمرار الاحتقان الناجم عن سياسة النظام وعن تكميم الأفواه والفساد و… وشاركنا كحزب وعلى رأسنا أبو مطيع في كل الأنشطة الثورية وكان رفاقنا في الصفوف الأولى، وقاد أبو مطيع معارضة علنية من مكتبه في حمص، حيث صدرت البيانات السياسية المؤيدة للثورة المنتقدة لممارسات النظام باسم هيئة الشيوعيين السوريين والتنسيقيات الثورية ووزعت بشكل علني، ودفع ثمنها لاحقاً من حريته، وحرية رفاقنا في الحزب والذين استشهد بعضهم تحت التعذيب.

لقد كانت أول حملة أمنية منظمة على حزب معارض بعد انطلاقة الثورة السورية حيث شملت العشرات من قيادة الهيئة وكوادرها على امتداد سوريا، وتعرض للتعذيب لكنه صمد وحمى بقية الرفاق في الحزب من الاعتقال.

لقد آمن الرفيق منصور الأتاسي بالماركسية واعتبرها نسقاً فكرياً مفتوحاً وليس مغلقا أو نظرية النبلاء بل هي أطروحة يقوم الواقع بإعادة صياغتها. وتبنى الاشتراكية التي ترفض العدمية والجمود وتعمل على استيعاب كل ما هو جديد وتمثل الفكر التقدمي الإنساني وتنظر دائماً إلى ما أنجز برؤية انتقادية فالمقدس عنده هو الإنسان و تطوره ورأى أن المطلوب من النظرية مواكبة تطور العلوم المختلفة وإلا تحولت إلى نظرية سلفية رجعية معيقة للتطور، وحارب التأليه والتقديس، رافضاً التبعية والاستزلام وكل أشكال الانتهازية الفكرية والسياسية والتنظيمية، مثلما رفض التكسب على حساب الحزب.

تسبب هذا الموقف في تعرضه للمضايقات والضغوط من أحزابه الشيوعية التي انتقل بين فصائلها باحثاً عن تطبيق المنهج الذي آمن به على أرض الواقع بما يحقق مصالح الطبقة الاجتماعية التي يمثلها، مبتعدا عن الانتهازية والانتهازيين، وحدث أن التقى أبو مطيع رحمه الله مع أمثاله من الوطنيين الذين رفضوا أحزابهم الانتهازية ورفضوا الاستزلام والتبعية لنظام الأسد، فجمعهم لتشكيل هيئة الشيوعيين السوريين وكانت البذرة التي نبتت وتحولت إلى حزب اليسار الديمقراطي السوري لاحقاً.

كانت الأخلاق معيار ثاني من معايير العمل لديه، فقد رفض الكذب والغش والتدليس كما رفض التطرف ودعم الوسطية والواقعية والشفافية، وكان أحد همومه هو إعادة السياسة للمجتمع السوري، السياسة التي تم تشويهها ووصفها بأنها فن الكذب والخداع من أجل ترسيخ القوى ما قبل سياسية في المجتمع السوري، القوى الداعمة للاستبداد والتخلف، والمانعة لتقدم شعبنا وتطور بلدنا.

لهذا فقد كان النقد الدائم لسير العمل وكانت المراجعات المستمرة نهج أساسي من عمل الحزب، فقد رفض الاستبداد وانتقد ديكتاتورية البروليتاريا، ورفض الانتهازية وحاربها، ودعم الديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية، وشجع عليها.

وقف رحمه الله بشدة ضد انقسامات المعارضة السياسية السورية، وضد الانتهازية والمال السياسي، ورفض الانضمام لأي من تشكيلاتها بعد أن ترك هيئة التنسيق، وحافظ على مسافة واحدة منها جميعاً، وسعى جهده لتوحيدها، ولم ييأس من الحوار معهم، بل كان دائم الصلة معهم، مشدداً أن اختلاف الرؤى مع أيا من تشكيلات المعارضة السياسية أمر طبيعي لا يجب أن يصل إلى خلاف، ودفع باتجاه تركيز البوصلة على عدونا الأساسي، فالتناقض الجذري هو مع الاستبداد والقمع، ومع قوى الاحتلال.

اعتبر منصور الأتاسي أن إعادة الحياة السياسية للمجتمع ضرورة كبرى للوطن بعد أن تأكد الجميع أن إقصاء النشاط السياسي عن المجتمع لا ينتج سوى الكوارث، مؤكداً أن عودة الحياة السياسية تتطلب الاعتراف بالتعددية, وإلغاء احتكار السلطة من قبل الفرقة الناجية، وبهذا كانت مطالباته الكثيرة لتوحيد المعارضة ورفض تسلط فئة منها على الثورة ضمن أهم أطروحاته.

رفض هيمنة عقلية الإقطاع السياسي على قادة الأحزاب، والتي أدت إلى شلل هذه القيادات وسيادة دور الأفراد أو القادة الأساسيين، وعمل كل جهده من أجل تطوير المؤسسة الحزبية وزيادة دورها و فعاليتها واعتمادها القائد الفعلي للأحزاب، وهذا ما كان عبر نظام داخلي اعتمد اللجنة المركزية كقائد فعلي للحزب، وإيجاد المكاتب المختلفة التي تلتقي في مكتب الأمانة من أجل متابعة المهام اليومية المختلفة، ولتعرض تقارير عملها أمام اللجنة المركزية في اجتماعاتها الدورية، فتقرها وتضع ملاحظاتها عليها من أجل تطوير العمل ودفعه للأمام، كما أنه وأثناء التحضير للمؤتمر الثاني، طلب إدراج فقرة تحدد مدة الأمين العام بدورتين وبأثر رجعي، لتنطبق عليه وتكون الدورة الثانية آخر دورة له، بعد أن نسينا وضعها في الدورة الأولى، معتبراً أنها التعبير الحقيقي عن النظرية وتطبيقها، فنحن نطالب بالديمقراطية، ويجب أن نطبقها فعلا.

انتقد فقيدنا الكبير عقلية الاستزلام لدى من تصدر المشهد السياسي، ورفض الاستقواء بالخارج أو التنازل أمامه والتبعية له، وطالب بعلاقات ندية متوازنة مع الدول التي تعتبر نفسها صديقة للشعب السوري وثورته.

لقد أوصانا الرفيق أبو مطيع بسوريا وثورتها وبالحزب، ونحن على عهده ووعدنا لشعبنا بأن نتمسك بثوابت ثورتنا وبالقيم التي علمنا إياها الراحل الكبير، والذي نفتقد وجوده كثيراً.

الرحمة والخلود لروح رفيقنا الغالي

وعزاؤنا لعائلته ورفاقه وأصدقائه

  • Social Links:

Leave a Reply