في رثاء الدولة الوطنية السورية

في رثاء الدولة الوطنية السورية

عبد الله حنا – المدن

 

الدولة الوطنية السورية هي إحدى ورثاء الدولة العثمانية ، وصدى لتطور الحضارة الاوروبية الحديثة ، وحصيلة لحركة النهضة العربية والنضال الوطني ضد الاستعمار .

 

قامت الدولة الحديثة في أوروبا نتيجة انتصار الرأسمالية الساحق على الإقطاعية . أما في مشرقنا العربي، وكان جزءا من الدولة العثمانية، فإن الدولة الحديثة بدأت تتكون في أحضان النظام الإقطاعي بشكله الجديد المتلائم مع بداية انتشار الرأسمالية الضعيفة والتابعة للرأسمال الأوروبي .

 

أخذت الدولة العثمانية الحديثة في التكوّن في منتصف القرن التاسع عشر مع صدور قوانين التنظيمات ذات الأبعاد البرجوازية. ولكن مفعول تلك القوانين وأصداء الحداثة بقيت محدودة الأثر في العهد العثماني لسببين: طبيعة الدولة العثمانية ذات الجذور الإقطاعية ، والمجتمع الراكن الساكن، الذي كان فقهاء السلطان  يدّعون أن القوانين الوضعية مخالفة للشريعة .

 

ومع انهيار الدولة العثمانية سنة 1918  حدثت نقلة من خط الجامعة الإسلامية ونظام الطوائف والملل إلى خط الوطنية والقومية ، حسب المفهوم البرجوازي الأوروبي للقومية المتداخل مع المفهوم الخلدوني (نسبة إلى ابن خلدون) للعصبية. وفي الوقت نفسه لم تَخْتَفِ الإيديولوجيات السابقة، وبخاصة على المستوى الثقافي الشعبي وفي الأدب الشعبي والسِيَرْ الشعبية. فقد طغت عليها الإيديولوجية الإسلاموية أو القبلية. وهذا يعني تداخل وتعايش وتصارع إيديولوجيات في مجتمع تسوده علاقات ما قبل الراسمالية .

اتسمت الدول العربية ( السورية، اللبنانية، الأردنية، العراقية والمصرية ) وريثة الدولة العثمانية بسمتين بارزتين :

 

استمرار مفاهيم الدولة السلطانية ( المملوكية والعثمانية ) في نسيج الدول العربية الحديثة وخلاياها . وهذا مما أدى إلى طبع هذه الدول بسمات الدولة السلطانية المتْرَعة بطبائع الاستبداد ، التي تحدث عنها الكواكبي .

 

تأثر قيام الدولة العربية الحديثة تأثرا واضحا بنموذج الدولة الحديثة البورجوازية الأوربية، أكثر من تأثره، في المراحل الأولى ، بالتطورات الاقتصادية الاجتماعية ( الرأسمالية ) السائرة ببطء في مجتمعاتنا العربية . وكان  لرجحان كفة العامل الخارجي على العامل الداخلي أثر واضح في تطور الدولة العربية الحديثة وتشابك القوى الاجتماعية المسيِّرة لها ، وتعثر خطاها .

كان الهدف الرئيسي للانتداب الفرنسي ( 1920 – 1943 ) – كما هو الحال للانتداب البريطاني – تشديد قبضة الرأسمالية الفرنسية ومؤسساتها على سورية ولبنان لاستثمار خيرات هذه البلاد وفق الاسلوب الامبريالي المعروف. وهنا يكمن الوجه المظلم للانتداب بصفته إحدى الوسائل الأخف وطأة للاستعمار.

ولكن كان للانتداب وجه آخر تمثل بازدياد تأثير أفكار الثورة الفرنسية وهبوب رياح الحداثة والتحديث، التي أسهمت، على الرغم من مرارة الاحتلال الاستعماري، في تحريك عملية التطور بمختلف أبعادها ودفعها إلى الأمام. وقد أتى في مقدمة عملية التطور هذه السير قدماً في بناء الدولة السورية الحديثة في أحضان الإنتداب .

مع فجر الاستقلال أخذت مواقع الدولة السورية الحديثة المستقلة تتوطد رويداً رويداً مع الاستمرار في بناء هيكلية الدولة وفق القواعد والأسس، التي خطط لها ووضعها “الفكر البرجوازي الفرنسي”. فقد وضع مثقفو الدولة السورية جملة من القوانين الحديثة المستقاة من خبرة الدولة البرجوازية في الغرب، وتحديداً فرنسا . ويلاحظ أنه لم يتم نقل القوانين نقلاً حرفياً ،كما يظن بعضهم ، بل جرت مراعاة الظروف الموضوعية المحلية وواقع المجتمع العربي الشرقي وما يحمله على منكبيه من موروث عمره مئات السنين. ومن يراجع قوانين تلك المرحلة، بعين متروية، يلاحظ أن واضعي معظم تلك القوانين جمعوا المجد من طرفيه: أولاً الأخذ من الفكر البرجوازي ما هو ضروري للتقدم والتطور، وثانياً الاعتماد على الموروث التاريخي من منطلق فهم الظروف، التي أنتجت ذلك الموروث وإعادة انتاج هذا الموروث بما يناسب العصر وبناء الدولة الحديثة.

 

أهم انجازات الدولة السورية الحديثة : وضع القانون المدني عام 1949 ذي الصبغة العلمانية ( الذي لا يزال ساري المفعول إلى الآن مع تعديلات كثيرة على مواده ) .. إلغاء الأوقاف الذرية .. إصدار قانون العمل الذي اعطى الحرية في تأليف النقابات والدفاع عن حقوق العمال .. جملة من القوانين الزراعية المتناقضة في صالح الفلاحين أو الإقطاعيين .. عدد من القوانين في صالح التصنيع مثل تأميم مشاريع الكهرباء والماء والخطوط الحديدية المملوكة من الرأسمال الأجنبي .. وتحرير النقد السوري من السيطرة الأجنبية وافتتاح البنك المركزي.

الجمعية التأسيسية المنتخبة في تشرين الثاني 1949 شرعت في وضع دستور أثار مناقشات حامية، لم تكن الجماهير الشعبية بعيدة عنها، تصارعت فيها الآراء والاتجاهات الليبرالية والسلفية، وتواجهت مصالح طبقات الشعب المتناقضة وبخاصة قضية الموقف من الملكية الإقطاعية.

 

كما دارت في البرلمان وعلى صفحات الجرائد نقاشات حادة حول طبيعة الدولة : دولة علمانية أم دينية، وأخيرا تمّ التوصل إلى حل وسط عبّرت عنه المادتان الأولى والثالثة من الدستور.

 

نصّت المادة الأولى على أن : ” سورية جمهورية عربية ديموقراطية نيابية ذات سيادة. وهي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها. والشعب السوري جزء من الأمة العربية ” .

 

المادة الثالثة نصت على أن : ” دين رئيس الجمهورية الإسلام. الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع. حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية، وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على أن لا يخِلّ ذلك بالنظام العام. الأحوال الشخصية للطوائف الدينية مصونة ومرعية ” .

بعد الانقلابات العسكرية الثلاثة (1949 – 1951) جاءت مرحلة المجلس النيابي السوري (1954 – 1958) ، وهي العهد الزاهر للديموقراطية والحرية وظهور معالم المجتمع المدني وحرية الأحزاب والنقابات والجمعيات والأفراد في العمل المنتج . وفي هذه المرحلة اختفت الولاءات العشائرية والطائفية إلى حد بعيد ، وحلّت محلها الولاءات الوطنية والقومية. ويمكن القول أن النهضة العربية بلغت في أواخر خمسينيات القرن العشرين أوج مرحلتها الثالثة باتساع دائرة الولاءات الوطنية والقومية، ورجحان كفة العقلانية، وتقلّص دائرة المحرمات.

 

ومن مميزات تلك الفترة:

 

تبلور معالم البورجوازية الصناعية ذات الاتجاه الوطني الراغب في تحرر البلاد الاقتصادي من سيطرة السوق الرأسمالية العالمية.

 

صعود الفئات الوسطى (البرجوازية الصغيرة) في الريف والمدينة، وهي تموج بالمشاعر الوطنية والقومية طامحة في إزاحة (الطبقات الأعلى منها) والحلول محلها.

 

تكوّن طبقة عاملة كانت ملامحها العامة واضحة المعالم في أواخر خمسينيات القرن العشرين .

 

اتساع عملية انحلال العلاقات الإقطاعية، وعجز بقايا النظام الإقطاعي عن حماية نفسه، مع احتلال الحركة الفلاحية مواقع هامة في مسار التطور العام.

 

5 – انتصار مبدأ ” المواطنة ” والمساواة أمام القانون بين سائر فئات الشعب على اختلاف انتماءاتها المتنوعة .

 

6 – نَعِمَت البلاد بقسط وافر من الحريات الديموقراطية، وأصبحت سورية في أواخر خمسينيات القرن العشرين المثال المحتذى في العالم العربي في النهوض والتقدم والديموقراطية .

والسؤال المطروح اليوم : كيف تمكنت الولاءات العشائرية والطائفية والعساكر السلطانية من إضعاف المجتمع المدني وتحجيم العلمانية وتهميش الديموقراطية ؟

 

ويليه السؤال الأخطر : من الذي اسهم في اضعاف الدولة الوطنية المدنية الديموقراطية ذات الملامح العلمانية ، ووضْعِ البلاد على كف عفريت الانقسامات الطائفية والمذهبية ، وبالتالي دفع البلاد الى حافة الهاوية ؟

 

وهنا يُطرح سؤال آخر : ما دور العسكرتاريا ” ودولتها الأمنية ” في الوصول إلى الحالة الخطيرة اليوم ، التي تهدد وجود الدولة الوطنية السورية  ؟

لا حاجة إلى القول إن الحديث عن دور العساكر في حكم البلاد والعباد بحاجة إلى كتاب خاص لايتسع المقام له هنا . فتراث الحكم العسكري في مشرقنا العربي  تعود جذوره إلى عهد المماليك ومن ثمّ ورثتهم الإنكشارية العثمانية، التي انتهى عزّها مع حركة الإصلاحات في الدولة العثمانية وقيام الدولة الحديثة ( العثمانية ) في منتصف القرن التاسع عشر .

 

وجاء الحكم الاستعماري بعساكره لقمع الحركات المناهضة للاستعمار ، ولكنه بالمقابل اسهم في ترسيخ دعائم الدولة الحديثة . وورثت سورية من الانتداب الفرنسي قيام دولة مدنية يغلب عليها الطابع الليبرالي بصِيَغِه المتخلفة ، ويُسيّرها تحالف كبار الملاك الإقطاعيين مع البورجوازية الوطنية الناشئة ، مع حضور قوي لليسار البعثي والشيوعي . وعندما احتدمت التناقضات داخل المجتمع بدأ بعض الضباط يتطلعون بأبصارهم للقفز إلى السلطة . وساعدهم على تحقيق طموحاتهم ضعف الطبقات الاجتماعية وتحديدا البورجوازية الوطنية الحاضنة للتطور والتنمية من جهة . وجاءت هزيمة الجيوش العربية أمام الزحف الصهيوني لاحتلال فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل وسيلة استخدمها العساكر كفزّاعة  للسيطرة والاستئثار بالحكم وحجب الديموقراطية بحجة تحشيد القوى ل ” تحرير فلسطين ” .

 

سلطة العساكر هذه المختَزِنة في شرايينها كثيرا من سمات الدولة السلطانية ( المملوكية العثملية ) ، لا تختلف عن غيرها من دول العالم قديمه وحديثه من حيث طابعها الاجتماعي – الطبقي المسخّر لهذه الفئة الاجتماعية أو تلك .ولا بد من القول  ان طابع ” الدولة المزرعة ” للعسكرتاريا ومن يسير في ركابها ، عرّقل عملية قيام دولة حديثة عصرية بأدواتها وفكرها . كما أفرغت سلطة العسكرتاريا و” دولتها الإمنية ” كثيرا من أسس الحرية ، التي قامت عليها الدولة الوطنية السورية . وهذا ما يدفع للتساؤل : أليست ” الدولة الأمنية ” مسؤولة ، دون ان تدري ، في كثير من الوجوه في تمهيد الطريق للاسلام السياسي المتطرف ، للإعلان بإقامة دولة الخلافة الإسلامية ومحو الدولة الوطنية .

 

ومعروف أن فشل العسكر في التحرير أدى إلى حلول الاسلام السياسي محلّ العسكر ، وهو ينادي: الإسلام هو الحل لجميع المشكلات وفي مقدمتها تحرير فلسطين . وكأن قدر العالم العربي الانتقال من استبداد العساكر إلى استبداد الأصوليات الدينية ، وتذهب هباء منثورا جهود دعاة النهضة العربية والتنوير الإسلامي .

 

وهكذا وقعت الدولة الوطنية السورية بين ناري : إستبداد العسكرتاريا وما تمثله من جشع الفئات البيروقراطية المتحالفة مع البورجوازيات الطفيلة ، وإستبداد الاسلام السياسي المتزمت والمتطرف ، وما يسعى اليه من الرجوع إلى خلافة السلطان عبد الحميد.

 

ونشير هنا إلى أن الاسلام السياسي المعتدل لم يكن ضد بناء الدولة الوطنية السورية ، بدليل التوافق الذي جرى بين الاسلام السياسي المعتدل ممثلا بمصطفى السباعي ومحمد مبارك والقوى الوطنية ( اشتراكية وليبرالية ) في صياغة دستور 1950 ، الذي كان تجسيدا لهيكلة الدولة الوطنية السورية ، وهي تتلقى ضربات العسكرتاريا المتتالية من جهة ، وتخنقها من جهة أخرى العواصف الهوجاء للاسلام السياسي المتطرف والمتحجر .

لم تكن التحركات الشعبية المنطلقة من درعا في ربيع 2011 بنت يومها ، بل هي حصيلة جملة عوامل داخلية وصدى للتحركات ضد انظمة الطغيان في عدد من الأقطار العربية . ما نريد التأكيد عليه هنا هو ان التحركات الشعبية السورية المنادية بالحرية والكرامة كانت لها خلفيات اقتصاية اجتماعية موجّهة ضد ممارسات البورجوازية البيروقراطية ودولتها الأمنية . وعلى الرغم من أنّ هذه الخلفيات كانت حديث الناس ، إلا انها غُيّبت بعد اندلاع التحركات لأسباب لا مجال لذكرها هنا .

 

ومع إمعان النظام السوري في قمع المظاهرات السلمية بالرصاص الحي ، خفتت أصوات المطالبين بالحرية والكرامة ، وتقلصت أعداد المنادين بأن الشعب السوري واحد ، وأخذت تجتاح البلاد عاصفتان صحراويتان :

 

عاصفة الإسلام السياسي المتزمت والمتحجر والمتأثر بفتاوى إبن تيمية وكتابات سيد قطب والداعية إلى الجهاد ضد ” الكفار ” ، وهي تسعّر الأحقاد ضاربة عرض الحائط بالتراث العربي الإسلامي المجيد في أيام عزه ، والذي ضمّ بين جناحيه سائر مكوّنات المجتمعات العربية الإسلامية وأنتج حضارة إسلامية مزدهرة ومنفتحة على العالم بين القرنين الثامن والثالث عشر الميلاديين .

 

عاصفة الحشد الطائفي ( العلوي ) الذي سعّرته بعض قوى السلطة لحماية ثرواتها وما سرقته من أموال الشعب . وهذه القوى الرأسمالية البيروقراطية والطفيلية تُخِيف الطائفة العلوية زاعمة أن ” وجودها ” مهدد بالخطر إذا لم تمتشق السلاح وتسير وراء الحكام . كما تعزف قوى الحكم على أوتار إخافة الأقليات الدينية والمذهبية ( مسيحيون ودروز واسماعيليون ) ودفعها  لمساندة النظام خوفا من قدوم ” عثمانية ” جديدة تعيدها إلى عهد السلطان المستبد عبد الحميد وأجداده . مع التأكيد أن العلويين لم يسعوا لإقامة دولة لهم ، كما يعتقد أو يشيع بعضهم ، بل كانوا مرتبطين بالدولة الوطنية السورية وخرجت من صفوفهم أعلام نهضوية كان لها باع طويل في بناء الدولة السورية الحديثة .

 

هاتان العاصفتان الصحراويتان المشبعتان برمال النفط ( الخليجي والإيراني ) حوّلتا سورية قاعا صفصفا ، وهزّتا المجتمع هزّا  عنيفا يهدد بتصدعه وانهياره . وزاد الأوضاع الداخلية المضطربة  استعارا ، ضخّ البترودولار ( الخليجي والإيراني ) ، والسياسات الإقليمية والدولية ، ووضع الدولة الوطنية السورية في مهب الرياح .

 

وبعد ان انزلقت التحركات الشعبية نحو العسكرة واختلط حابلها ” الدولاري ” بنابلها ” التراثي السلطاني ” ، يأتي مسلحو الاسلام السياسي المتزمت والمتطرف ، وكثير منهم  اشتات جاءت من خارج سورية ، يعتدون على علم الاستقلال وهدفهم محو تاريخ سورية الوطني منذ قيام الدولة الوطنية العربية السورية ، التي اعلن المؤتمر السوري في الثامن من آذار عام 1920 استقلالها .

 

هذه السلفية المهتمة باللحى وحفّ الشوارب تتجاهل ، أو بالأصح لا تعرف ، أن ثمة سلفية أخرى قامت في عهد النهضة العربية ورعاها الإمام محمد عبده . كما تجهل سلفية الذقون هذه تاريخ السلفية النهضوية ، التي كان من اعلامها الشيخ محمد رشيد  رضا صاحب “المنار” السلفية الصادرة في القاهرة عام 1898 .  ولم يكن مصادفة أن الشيخ رشيد ترأس المؤتمر السوري ، الذي اعلن استقلال سورية في 8 آذار 1920  .

 

وضع المؤتمر السوري برئاسة السلفي النهضوي الشيخ محمد رشيد رضا دستور 1920، باسم “القانون الأساسي للمملكة السورية العربية ، الذي نصّت مادته الأولى : ” إن حكومة المملكة السورية العربية حكومة ملكية مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين ملكها الإسلام ” . ولكن هذا الدستور لم يرَ النور بسبب اجتياح قوات الاستعمار الفرنسي لدمشق في تموز 1920. الروح العلمانية واضحة المعالم في هذا الدستور. كما أن التأكيد على الدولة المدنية والحريات الديموقراطية تحتل مركزاً مرموقاً فيه.

 

الثورة السورية الكبرى (1925-1927)، التي لم تنتصر عسكريا، ولكنها حققت نصراً للحركة الوطنية في ميادين شتى ومنها المساومة والمصالحة، التي جرت بين سلطات الانتداب الفرنسي والبورجوازية السورية ممثلة في الكتلة الوطنية ، تمّت على أثرها انتخابات جمعية تأسيسية وضعت دستور 1928 ، وهو القلب النابض للجمهورية الوطنية السورية . وهذه الجمعية ابدعت العلم السوري ذي الألوان الثلاثة والنجوم الحمراء الثلاثة ، الذي رفعه ” ثوار ” التحركات الشعبية في وجه علم النظام ذي النجمتين .

 

واليوم تدوس المنظمات المسلحة لسلفية الحقبة البترودولارية بالأقدام علم الاستقلال ، الذي أقره دستور 1928 ، وتعلن ” الجهاد ” للخلاص من روح الجمهورية الوطنية السورية ممثلة بدستور 1950 ، ولنقرأ  بعض مواده :

 

م3- سورية جمهورية نيابية دين رئيسها الإسلام وعاصمتها دمشق.

 

م6- السوريون لدى القانون سواء. وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفي ما عليهم من الواجبات والتكاليف. ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللغة.

 

م15- حرية الاعتقاد مطلقة. وتحترم الدولة جميع المذاهب والأديان الموجودة في البلاد وتكفل حرية القيام بجميع شعائر الأديان والعقائد على أن لا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب.

 

م16- حرية الفكر مكفولة، فلكل شخص حق الإعراب عن فكره بالقول والكتابة والخطابة والتصوير ضمن حدود القانون.

 

م25- حرية إنشاء الجمعيات وعقد الاجتماعات مكفولة ضمن الشروط المنصوص عليها في القانون.

 

م27- يحق للسوريين مجتمعين أو منفردين أن يقدموا للسلطات والمجلس النيابي العرائض والاستدعاءات في الأمور المتعلقة بأشخاصهم أو بالشؤون العامة وفاقاً للقانون.

 

م29- الأمة مصدر كل سلطة.

 

وفي هذه السنوات الحزينة يجاهد دعاة الاستبداد السلطاني العثماني لدفن الدولة الوطنية السورية ، التي حملت بين جنباتها معالم العصرنة والحداثة والطموح إلى مستقبل عربي مشرق . هذه الدولة ، التي تبنّت الجوانب المشرقة النيّرة والعقلانية من تراثنا العربي الإسلامي تسعى قوى ” التسلط ” و”الرجعة ” إلى دفنها في الرمال .

 

هذه الدولة الوطنية المدنية الديموقراطي السورية تعرضت وتتعرض لنيران استبدادي القوتين المتصارعتين : المباحث السلطانية والسلفية الجهادية .

 

فهل ستصمد الدولة الوطنية السورية أمام الرياح العاتية ؟ ..

  • Social Links:

Leave a Reply