دور المرأة في ثورات الربيع العربي

دور المرأة في ثورات الربيع العربي

الكاتبة جهان الخلف

عززت  مشاركة النساء في الحركات الوطنية من وضع المرأة، وأضفت شرعية على مطالبها في نظر المجتمع، وعلى الرغم من ذلك الإقرار ببعض المكاسب التي تحقَّقت للمرأة فإنَّ موافقة المرأة على تأجيل البتِّ في مطالبهنِّ السياسيَّة والاجتماعية بعد الحصول على الاستقلال قد خلّف آثارًا مؤسفة.وما إن انطلقت ثورات الربيع العربي حتى رأينا النساء يتصدرنَ مشاهدَ الاحتجاجات الشعبيَّة السلميَّة في المظاهرات والاعتصامات في الميادين، وقد لفت وجود المرأة  نظرَ كثيرٍ من متابعين الشأن الدولي؛ وفي ذلك تقول:” روز ماري ويفيس” النَّاطقة باسم الحكومة البريطانية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “كم أذهلني هذا الربيع العربي وكم أذهلنني نساء الربيع العربي..”فكما الربيع تزينه الأزهار كانت المرأة العربية تزين المظاهرات في الساحات والميادين  فنزول المرأة الى الشارع بحد ذاته تحديا للسيطرة الذكورية

في تونس لعبت المرأة دورا مهما في انجاح الثورة وأسقاط النظام فأسماء حمدي شابة في منتصف العشرينات لم تغب يوما واحد عن الخروج في المظاهرات فهي ترا الثورة من منظورها الخاص و ترأى ان لا فرق بين الرجل والمرأة فقد كنا في الميادين جنب الى جنب مع الرجال نهتف من أجل الحرية ويجمعنا هدف واحد هو اسقاط النظام

المرأة في مصر لم تكن أقل شجاعة من المرأة في تونس فقد لازمت ميدان التحرير وهتفت باعلى صوتها مطالبة باسقاط النظام الدكتاتوري ولا يزال صوت نوارة نجم يتردد صداه باكية من الفرحة يوم رحيل مبارك “ما فيش ظلم تاني ما فيش خوف تاني ” أمَّا في ليبيا فإنَّ المرأة التي عانت من القمع والتَّنكيل والتَهميش في ظلِّ نظامٍ قمعيٍ أستبدادي ها هي اليوم تخرج من سرداب سنوات التغييب والحرمان إلى الشارع مُنَادِيَةً بحُرِّيتها وكرامتها ومطالبة بإسقاط النظام

” كنداكة “أو “أيقونة” الثورة السودانية، كما أطلق عليها المتظاهرون و أعتبروا  الثوب الأبيض رمزا للاحتجاجات السودانية لأنه يجمع بين الفولكلور السوداني التقليدي واللون الأبيض – وهو لون السلام والحرية.في النهاية ،بالمقابل أعرب مغردون من دول غربية عن تقديرهم للدور التي تلعبه نساء السودان في الحراك، واصفين المرأة بأنها “أبرز رمز” للمظاهرات في السودان فقال عنها المحتجون أن”الثورة السودانية أنثى”. المصور عبدالعزيز حمزة وصف كنداكة بانها”تمثال الحرية الجديد” في السودان,

لم تكن المرأة العراقية غائبة عن المشهد في الأحداث الكبيرة التي وقعت، ومنها تظاهرات تشرين الأول / أكتوبر 2019. نزلت إلى الشوارع والساحات ومن الشعارات اللافتة التي رفعتها النساء في التظاهرات الأخيرة هي: “اليوم الكذلة تسولف… خَلَّي عكالك للدكّات” وهذا شعار رداً على قمع السلطة والمجتمع والقبيلة، ويعني أنَّ الكلمة اليوم هي للنساء“فاجأتني أعداد المشاركات في التظاهرات، الفتيات هناك يقدمن الطعام والإسعافات الأولية وكل شيء يمكن تقديمه لدعم المتظاهرين، رأيت فتيات عاديات يقفن على الأرصفة ويحملن الإسعافات الأولية لتقديمها للمصابين بقنابل الغاز مسيل الدموع، إنهن حاضرات بشكل دائم في ساحة التحرير، نزلت المرأة العراقية إلى الشوارع طبيبةً ومسعفةً وشاعرةً ومؤازرةً للرجال حتى تحقيق المطالب., الشاعرة والمترجمة “مريم العطار”، التي نزلت متظاهرةً في محافظة ميسان بجنوب العراق، وعلى الرغم من خطورة الوضع هناك، إلا أنَّها لا تزال تتظاهر وتدعو النساء والرجال على حد سواء. في الأسبوع الأول من التظاهرات ،دينا امرأة عراقية تبيع المناديل في شوارع بغداد، تعرض المتظاهرين للقمع بقنابل الغاز المسيل للدموع وكانت تلك المرأة تركض نحو المصابين وتوزع عليهم المناديل مجاناً.تسأل المصور: هل العراقيون راضين عني؟ فأكد لها أن العراقيين راضون عنك؛ لكن فاته أن يسألها: هل أنت راضية عن العراق؟

,في سوريا لمع نجم طل الملوحي التي كان اعتقالها احد اهم الأسباب الرئيسية التي اطلقت ثورة الياسمين ولا ننسى مشاركة سهير الأتاسي في مظاهرة سوق الحميدية في 15|3|2011|وهاهي منتهى الأطرش حفيدة سلطان باشا الأطرش تشارك لأن مشاركتها تعني رمزية للثورة ولا ننسى ديو الثورة الرائع فدوى سليمان وعبد الباسط الساروت حين كانا يغنيان للثورة في ميادين حمص برز دور المرأة المساند للرجل وكان دورًا رائدًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى فشاركت بالمظاهرات وكتابة اللافتات والاعتصامات  والاحتجاجات والتنسيقيات ومساعدة الجرحى الذين يتعرضون للإصابة بالمظاهرات وإيواء المتظاهرين وقد تعرضت حياة الكثيرات  للخطر. فضلًا عن دور المرأة في الإعلام  فقد عملت أكثر من فتاة سورية مراسلة للقنوات الفضائية لنقل الواقع السوري ولا ننسى المظاهرات الخاصة بالنساء كمظاهرة قرية البيضا وبانياس واعتصامات وزارة الداخلية كما كان لطالبات الجامعات(جامعة حلب) دورًا كبيرًا بالمظاهرات السلمية في أوج التضييق الأمني وفي مرحلة حرجة من عمر الثورة ،

توكل التي قادت الاحتجاجات في اليمن لتقوم السلطات باعتقالها في يناير 2011 بتهمة قيادة التجمعات والمسيرات غير المرخصة وتغدو توكل كرمان الناشطة والصحفية والكاتبة أهم رموز الثورة اليمنية وقد وضعت مجلة التايم الأمريكية صورتها على الغلاف واصفةً إيَّاها بـ ” أكثر نساء التاريخ ثورية” كما اختيرت كإحدى سبع نساء أحدثن تغيًّرًا في العالم من قبل منظمة “مراسلون بلا حدود”. وهي أوَّل امرأةٍ عربيَّةٍ تفوزُ بجائزة نوبل للسلام عام 2011م,

“لن تكبر ابنتي في لبنان الذي كبرت فيها أنا. فقد تربّينا على الخوف. وقد اختفى اليوم. إذا واجهتنا مشكلة سنرفع صوتنا عالياً ونتكلم عنها. فقد أصبح لنا صوتٌ الآن”. تقول مستشارة العلاقات الإعلامية، ماريانا وهبي التي تشارك يومياً في التظاهرات “شكّلت النساء جزءاً جوهرياً من هذه الثورة. فنحن في الصفوف الأمامية ونمدّ بعضنا بالدعم والقوة ونحفظ السلام”. ونظّمت وهبي مسيرة نسائية لإضاءة الشموع في ساحة المدينة الرئيسية. كانت لحظة بارزة لكن دور النساء في هذه الثورة لم يقتصر على الرمزية بل شكّل نقطة تحول جذرية لشخصياتهن وتوجّهاتهن. التقطت إحدى الصور الراسخة والمعبّرة عن التظاهرات في ليلتها الأولى أثناء مشاجرة بين حرّاس أحد الوزراء والمتظاهرين. وبعد أن شهر أحد الحراس سلاحه، ركلته امرأة اسمها ملك علويّة أسفل بطنه. وأصبحت صورة المرأة التي تهاجم هذا الممثل عن الطبقة السياسية الفاسدة والذكورية في البلاد فوراً أيقونة الثورة البنانية إذ إندلعت خلال اليومين الأولين من التظاهرات مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة استمرّت حتى وقت متأخر من الليل. فقررت مجموعة من النساء في اليوم الثالث أن تشكل درعاً بشرياً يفصل بين الطرفين.وتقول داينا آش، وهي إحدى الناشطات اللواتي وقفن في هذا الحاجز البشري “كان الهدف أن تتحكم النساء بمسار التظاهرات”.وتضيف “أردنَ تظاهرات سلميّة لذلك وقفن في الصفوف الأمامية بهدف وضع حدٍ للعنف”.

تبقى أجمل زهرات الربيع العربي واكثرها عطرا هؤلاء النسوة اللواتي لم يعرف الإعلام أسمائهنَّ ولم يتصدَّرنَ المشهد الثوري لكن ما كان للثورات أن تقوم ولا أن تنصر ولا أن تثمر إلا بإصرار عيونهنَّ وهُنَّ يدفعن بالأبناء والإخوة إلى ميادين الحرية  ثم ينزوين إلى الدمع والدعوات. أن المرأة العربية لم تتصدَّر المشهد الثوري فقط بل صنعته وسابقت الرَّجل فيه وسبقته في مواقف،وشكلت المرأة أصعب المعادلات في أختبار الحرية والديمقراطية خلال ثورا ت الربيع العربي .

العدل يقتضي أن تكون المرأة شريكًا في المكاسب ما دامت شريكًا في البذل والتضحية، إلا أنَّ الذكورية التي اتَّسمت بها تصرُّفات الأنظمة الحاكمة لم تختلف كثيرًا عن حقيقة الذكورية  التي تعامل بها سياسيُّو الربيع العربي مع اختلاف المظهر العام وأدوات الخطاب. السفيرة الدكتورة هيفاء أبو غزالة الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون الإعلام، ومحررة تقرير المرأة العربية والديموقراطية الصادر عن منظمة المرأة العربية عام 2013، وهو من أهم التقارير التي ترصد حالة المرأة ومشاركتها السياسية في بلدان الربيع العربي،

تقول ؛أن الحرية وتمكين المرأة ونقص المعرفة،:” نواقض أساسية تواجه جميع الدول العربية ولأن الربيع العربي لم يكن انتفاضة من أجل حقوق النساء؛ فقد كان ولا يزال من أجل الدفاع عن حقوق الجميع.. من أجل الحرية والديموقراطية والكرامة الإنسانية وتضيف أبو غزالة: “إن نسبة مشاركة المرأة في المجالس التشريعية في العالم العربي أقل النسب مقابل دول العالم الأخرى، ومن الممكن أن يكون هذا هو المناسب لتقويم وضع المرأة في ظل نشوء الديموقراطيات الحديثة، وتأثيرها على مسيرة المرأة العربية، مشيرة أنه لم يكن تحقيق أهداف التنمية والمساواة والسلام دون مشاركة فعالة للمرأة في جميع المستويات”ولا يمكن أن نغفل عن الدور الكبير الذي لعبته المرأة من خلال المشاركة الميدانية خلال ثورات الربيع العربي إلا أنَّ إحباطًا يسري في أوساط النساء في مرحلة ما بعد الثورة فيما يخص الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ستقتطفها من الثورة.

أكَّد تقرير “المرأة العربية والديموقراطية” أنَّ المرأة ما زالت بعيدةً عن النساء في العالم الغربي رغم التَّقدم الذي أحرزته في عددٍ من الملفات، وأنَّ مشاركة المرأة في الحركات السياسية والاجتماعية الهادفة إلى تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ليست جديدةً رغم أنَّ مشاركتها في ثورات الربيع العربي في كلٍّ من مصر وتونس وليبيا واليمن كانت مركزية ومحورية. وسابقًا كانت الأنظمة الاستبدادية قد عملت على إظهار أنَّها لا تُقصي المرأة فمنحتها مناصب ظاهرة لكسب الموقف الغربي، ولعلَّ الأمر لم يختلف كثيرًا إبَّان ثورات الربيع العربي سعت مؤسَّسات الثورة.، في تونس إلى تمكين المرأة من خلال تعيين السيدة|الونيسي |البالغة من العمر 29 وزيرةٍ عامًا في حكومة يوسف الشاهد عن حركة النهضة.كما أنشأت  الحكومة لجنةً من أجل زيادة مشاركة النساء في واقع العمل السياسي.إلَّا أنَّ واقع مشاركة المرأة في العمل السياسي بعد الثورة في تونس غير مرض؛ إذ شكلت نسبة النساء الناخبات المسجلات إراديا 46%، أمَّا المرشَّحات على القوائم فقد بلغت 48 %، ومع ذلك فهي لم تصل إلى حدود النسب التي كانت بمجلس نواب ابن علي قبل الثورة والتي بلغت 28%. ومن المفارقات أنَّ حزب النهضة الإسلامي قد أعلن فوز 40 من مرشحاته بمقاعد نيابية. رغم هذه المؤشرات فقد استطاعت بعضُ السِّيَاسياتِ التُّونسيَّات إِثبات وجودهنّ وفعالية دورهنّ| كسهام بن سدرين |التي ترأَّست هيئة الحقيقة والكرامة وأثارت جلساتها النقاشَ في تونس عن الظُّلم الذي وقعَ على عددٍ من التُّونِسيِّينَ في عهد ابن علي.،

في ليبيا تم تهميش المرأة في أول مسودة لقانون الانتخابات حيث أصدرت الجنة التابعة للمجلس الوطني الانتقالي الليبي في جانفي2012 مسودة قانون الانتخابات، وحددت نسبه الكوتا للمرأة بـ10 % فقط في مؤتمر عدد اعضائه 200 عضوا، وهذا امر مجحف وغير مناسب على الاطلاق، خاصة في بلد تصل نسبة عدد الاناث فيه إلى 50% على الاقل ولم يُجد في تغيير هذا القرار معارضة منظمات حقوق المرأة، وهنا شعرت المرأة الليبية بالخسارة؛ إذ بدل زيادة حصص المرأة في العمل السياسي تم إلغاؤها تمامًا في بيئة لم يُشع فيها ثقافة الديمقراطية ولا تزال الذكورية تسيطر على التفكيرالمجتمعي

أما في اليمن فقد غابت المرأة عن العمل الثوري والمشهدَ السياسيَّ رغم مشاركة اليمنيات في جلسات الحوار السياسي الذي انطلق عقب تنحّي صالح لصياغة المشروع السياسي الجديد في اليمن برعاية الأمم المتحدة إلّا أنَّ الواقع على الأرض بخلاف ذلك في الحقيقة؛ إذ ما تزال المرأة متأخرة عن  ركب السِّياسة فلاهي نالت حقوق ولا بحرية سياسية نعمت، ولم يختلف وضعًا كثيرًا عمَّا كانت عليه قبل الثورة ،

في سورية تم تشكيل المجلس الوطني السوري حيث صوتت الهيئة العامة لانتخابات الأمانة العامة للمجلس وعقب تصويت 400 من أعضاء الهيئة العامة انتُخب 41 عضوا لا امرأة بينهم مما رعا إلى احتجاج النساء الحاضرات وأدى ضغطهن إلى إضافة 4 نساء بقرار صادر عن رئيس المجلس، وبعد ذلك قام المجلس الوطني في محاولة منه لتحسين صورته أمام العالم بمنح المرأة 15 % من إجمالي أعضاء الهيئة العامة الجديدة الموسعة للمجلس البالغة 420 عضوا،

وقال جورج صبرا معلقا على هذا القرار: “لو لم يتخذا هذا القرار لكان الرجال سيقومون بكل شيء بأنفسهم إلى الأبد”.وانتظر المجلس الوطني السوري حتى عام 2013 ليستحدث ضمن مكتبه مكتبًا للمرأة في مشهد يعكس مدى الحضور الهامشي للمرأة بحيث لم تكن تنعم حتى بوجود مكتب لها في الفترة السابقة. أما الائتلاف الوطني لقوى الثورة لسورية فقد حدد كوتا نسائية وقد شهدت هذه الحصة زيادة حتى وصلت إلى 15 % من أعضاء الهيئة السياسية وقد كانت قبلًا 5%، إن حال المرأة في المجتمع السياسي عقب الربيع العربي في البلدان التي ثارت على الأنظمة الاستبدادية وكسرت الأصنام السياسية يعكس حاجتنا الحقيقية إلى ثورات على العقلية الاجتماعية المستبدة وصنم الذكورية.

  • Social Links:

Leave a Reply