فوكوياما يعيد النظر في أفكاره 3/3

فوكوياما يعيد النظر في أفكاره 3/3

الحوار المتمدن – آلان وودز
نتابع في الرافد نشر الجزء الثالث من مقال آلان وودز السياسي الماركسي ورئيس تحرير النشرة الماركسية “نداء اشتراكي” الصادرة بلندن، الذي حمل عنوان “فوكوياما يعيد النظر في أفكاره: الاشتراكية يجب أن تعود” نقلا عن موقع الحوار المتمدن.

الرأسمالية تعني الحرب
لم يسبق للعالم أبدا أن عرف مثل هذه الأوضاع المضطربة التي يعرفها اليوم. في الواقع عندما كان الاتحاد السوفياتي موجودا، كان هناك استقرار نسبي يعكس التوازن النسبي للقوة بين روسيا والولايات المتحدة. لكن النظام العالمي القديم قد انهار، وليس هناك ما يأخذ مكانه.
لقد قطعنا بالتأكيد شوطا طويلا منذ صدور تلك التنبؤات الوردية بعالم من السلام والازدهار بعد سقوط جدار برلين. ليس للعالم الحقيقي اليوم أي علاقة على الإطلاق بذلك المنظور، بل على العكس من ذلك ما نشهده هو حروب تلو حروب. وبصرف النظر عن الصراعات المروعة التي تمزق بعض البلدان مثل العراق وسوريا واليمن، فقد كانت هناك أيضا سلسلة من الحروب الوحشية في أفريقيا.
تسببت الحرب الأهلية الرهيبة التي شهدتها الكونغو في ذبح ما لا يقل عن 5 ملايين من الرجال والنساء والأطفال. لم تتكبد الصحف الكبرى عناء نشر خبر تلك المجازر على صفحاتها الأولى. كما أن الرئيس ترامب مزق الصفقة مع إيران التي كانت تمنع ذلك البلد من امتلاك أسلحة نووية، وها هو الآن يعلن قراره بتمزيق الصفقة التي كان ريغان وغورباتشوف قد وقعاها للحد من البرامج النووية للولايات المتحدة وروسيا.
ويشعر فوكوياما بالقلق من احتمال اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والصين، حيث قال:
«أعتقد أنه سيكون في منتهى الحماقة استبعاد ذلك الاحتمال، يمكنني التفكير في الكثير من السيناريوهات التي يمكن أن تبدأ بها مثل تلك الحرب. لا أعتقد أنها ستكون هجوما متعمدا من قبل دولة على أخرى -مثل غزو ألمانيا لبولندا في عام 1939- بل من المرجح أكثر أن تندلع على خلفية صراع محلي حول تايوان أو حول كوريا الشمالية، وربما نتيجة للتوتر المتزايد في بحر الصين الجنوبي».
من المؤكد أن التناقضات بين أمريكا والصين خطيرة للغاية. وتجد تعبيرها في الحرب التجارية التي أعلن عنها دونالد ترامب من طرف واحد، والتي يمكن أن تتصاعد بسهولة إلى شيء أكثر خطورة يمكن أن يهدد بإسقاط الاقتصاد العالمي كله. وفي المقابل فإن تصاعد النفوذ الصيني في آسيا، وعلى وجه الخصوص محاولتها السيطرة على البحار في تلك المنطقة، تعتبره الولايات المتحدة تهديدا لمصالحها.
هذا لا يعني أن الحرب العالمية الثالثة قد باتت وشيكة، كما يعتقد البعض. ففي ظل الظروف المعاصرة سيكون للحرب العالمية تأثير مدمر على جميع الأطراف. والرأسماليون لا يشنون الحروب من أجل المتعة، بل لغزو الأسواق والحصول على الأرباح ومجالات النفوذ. ولذلك فإنه على الرغم من أن السيد ترامب لا يتوقف عن نفث النيران في كل خطبه، فإن المواجهة الشاملة مستبعدة.
ومع ذلك فإننا سنشهد حروبا صغيرة طوال الوقت، حروبا “صغيرة” مثل تلك الحروب التي نراها في العراق وسوريا، والتي هي احتمال مروع بما فيه الكفاية في العالم المعاصر. لكن الحروب هي مجرد انعكاس للتناقضات المستعصية بين البلدان التي يجب عليها في ظل الرأسمالية أن تقاتل بعضها بعضا من أجل الأسواق مثلما تتقاتل كلاب جائعة على قطعة من اللحم. إن الرأسمالية تعني الحروب، ومن أجل تجنب الحروب من الضروري إزالة جذورها.
عجلة التاريخ
عندما دخلت جيوش هتلر المنتصرة باريس في عام 1940، جرت محادثة مثيرة بين ضابط في الجيش الألماني وضابط في الجيش الفرنسي. تفاخر الألماني بغطرسة الغازي المنتصر بأن أمته قد تمكنت أخيرا من الانتقام لهزيمتها المهينة في الحرب العالمية الأولى. التفت إليه الضابط الفرنسي وقال: “نعم، لقد دارت عجلة التاريخ، وسوف تدور مرة أخرى”.
بعد سنوات قليلة، تبين أن توقعه صحيح.
منذ سقوط الاتحاد السوفياتي دارت عجلة التاريخ مرة أخرى دورة كاملة. وعلى الرغم من تنبؤات منظري الرأسمالية، فقد عاد التاريخ للانتقام. فجأة صار يبدو أن العالم يعاني من ظواهر غريبة وغير مسبوقة تتحدى كل محاولات الخبراء السياسيين لتفسيرها.
لقد صوت الشعب البريطاني في استفتاء لمغادرة الاتحاد الأوروبي – وهي نتيجة لم يتوقعها أحد، والتي تسببت في موجات زلزالية على نطاق عالمي. لكن ذلك كان لا شيء مقارنة مع موجة تسونامي التي أثارتها نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي كانت نتيجة أخرى لم يتوقعها أحد، بمن في ذلك الرجل الذي فاز.
لقد كان انتخاب دونالد ترامب زلزالا آخر. إن هذه الأحداث تأكيد دراماتيكي للاضطراب الذي أصاب العالم بأسره. فبين عشية وضحاها اختفت اليقينيات القديمة. هناك سخط عام في المجتمع وشعور واسع النطاق بعدم اليقين والذي يغمر الطبقة الحاكمة ومنظريها بقلق شديد.
يتحدث المعلقون السياسيون برعب عن صعود شيء يسمونه “الشعبوية”، وهي كلمة مرنة بقدر ما هي بلا معنى. إن استخدام مثل هذه المصطلحات الغامضة يدل فقط على أن أولئك الذين يستخدمونها هم أناس ليست لديهم أدنى فكرة عما يتحدثون عنه.
ليست كلمة “الشعبوية” (Populism) من ناحية الاشتقاقية سوى ترجمة لاتينية للكلمة اليونانية “ديماغوجية” (Demagogy). ويتم استعمال المصطلح بنفس الحماس الذي يقوم به رسام فاشل بطلاء الجدار بطبقة سميكة لتغطية أخطائه. يستخدم لوصف أنواع متعددة من الظواهر السياسية حتى صار بدون أي محتوى حقيقي.
إن الغليان السياسي والاجتماعي الذي يهز العالم بأسره من أساسه ليس سوى أحد أعراض أزمة أعمق بكثير: ليست أزمة النيوليبرالية، التي هي فقط شكل خاص من أشكال الرأسمالية، بل الأزمة النهائية للنظام الرأسمالي نفسه.
من المتوقع أن تستمر هذه الأزمة لوقت طويل. وليس هناك من حل لها على أساس الرأسمالية. سوف تصعد الحكومات وتسقط، وسوف يتحول البندول من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار، مما يعكس بحثا حثيثا من طرف الجماهير لإيجاد مخرج من الأزمة.
وليست الظاهرة التي تسمى بـ “الشعبوية” سوى انعكاس لهذه الحقيقة. إن الجماهير تتعلم من تجربتها، وليست لديها طريقة أخرى للتعلم. ستكون التجربة مدرسة صعبة للغاية، وسيتم تعلم الدروس بمرارة. لكن سيتم تعلمها في النهاية.
هناك شيء واحد واضح جدا، وهو أن البرجوازية ليست لديها أية فكرة عن كيفية الخروج من هذه الأزمة. يظهر ممثلوها السياسيون والاقتصاديون جميع ملامح الارتباك والضياع التي تميز طبقة استنفذت صلاحيتها التاريخية، طبقة لا مستقبل لها، وهي تدرك تماما هذه الحقيقة.
يشتكي المدافعون عن الليبرالية الرأسمالية بمرارة من صعود سياسيين مثل دونالد ترامب، الذي يمثل نقيض ما يعرف بـ “القيم الليبرالية”. يبدو هذا بالنسبة لمثل هؤلاء الناس بمثابة كابوس. إنهم يأملون أن يستيقظوا ويجدوا أنه كان مجرد حلم، وأنهم في الغد سيشهدون يوما أفضل. لكن بالنسبة لليبرالية البرجوازية لن يكون هناك أي استيقاظ أو غد.
التصريحات التي أدلى بها فرانسيس فوكوياما، من وجهة النظر هذه، لها دلالة في منتهى الأهمية. لقد فقد هذا الليبرالي السابق كل ثقة في مستقبل الرأسمالية، لكنه لا يستطيع أن يرى أي بديل ممكن لها. وهو مثله مثل جميع منظري الرأسمالية، ينظر إلى المستقبل بتشاؤم كبير. وليس يأسه النظري سوى تعبير عن يأس النظام الرأسمالي نفسه.
إن المستقبل لا ينتمي إلى البرجوازية العاجزة والمفلسة، التي لا يمكنها أن ترى أبعد من أنفها، بل للقوة التقدمية الوحيدة في المجتمع، تلك القوة التي وحدها من ينتج كل ثروة المجتمع، أي: الطبقة العاملة. ومن خلال تجربتها الخاصة ستفهم هذه الطبقة أن السبيل الوحيد للتقدم هو السير في طريق الاشتراكية الحقيقية وسلطة العمال.

  • Social Links:

Leave a Reply