العالم وامتحان “كورونا” وإنقاذ اللاجئ السوري  

العالم وامتحان “كورونا” وإنقاذ اللاجئ السوري  

د. زهير حنيضل – خاص ترك برس

تتسارع جهود العالم بأكمله لمواجهة وباء “كورونا” الذي يجتاج العالم بأسره دون تفريق بين عرق ودين وقومية، وفي ظل هذه الجهود رأينا الخطط الاقتصادية للحكومات لمواجهة الآثار والتداعيات الناجمة عن هذا الوباء.

خصصت الحكومات ميزانيات مالية ضخمة، لدعم عمليات البحث العلمي سعيًا وراء لقاحٍ ضد هذا الوباء، على التوازي مع محاولة تعويض المواطنين عن الأضرار المادية الناجمة عن حالة الركود الاقتصادي التي تجتاح العالم نتيجة حظر التجوال والحجر الصحي المنزلي الذي سارعت أغلب الدول لفرضه على مواطنيها لتجنيبهم الإصابة بالوباء وللحد من انتشار هذا الفيروس القاتل.

في ظل ما تقدم، تبرز المسألة السورية للواجهة كتحد إنساني أخلاقي صعب للغاية، هو امتحان حقيقي للعالم بأسره الذي يتغنى بالإنسانية ويصنف جهوده في مكافة فيروس “كورونا” ضمن تحقيق الأمن الإنساني والحفاظ على الإنسانية من الأوبئة.

اللاجئ السوري و الحجر الصحي

في ظل الإجراءات المتخذة من عديد الدول التي تحتضن السوريين كلاجئين، بات اللاجئ السوري أمام مصير أسود لا يقل خطورة عن كابوس “كورونا”.

بإمكان المواطنين التزام منازلهم اتباعاً لتعاليم الحجر الصحي، لكن ماذا عن اللاجئ السوري الذي يجني قوت يومه من خلال العمل!

إن التزام اللاجئين السوريين بتعاليم الحجر الصحي المنزلي يعني فقدان أولئك السوريين لأعمالهم، فقسم غير قليل منهم يعمل وفق مبدأ “اليومية” وقسم آخر ليس بالقليل أيضا يعمل دون عقود عمل نظامية تضمن له حقوقه في مكان عمله، نظراً لحاجة اللاجئ السوري للعمل مما دفعه للقبول بأجور متدنية جداً في سبيل الحصول على فرصة عمل، متغاضياً عن كل حقوقه الأخرى كونه لا يملك خياراً آخراً، فإما القبول وإما الموت جوعا!

في تركيا على سبيل المثال؛ هناك ما لا يقل عن نصف مليون سوري “يد عاملة” في المعامل والمصانع والمنشآت التركية، وهؤلاء السوريون مسؤولون عن تأمين

لقمة العيش لما لا يقل عن 2 مليون سوري من مجمل 4 مليون سوري في تركيا.

تخيلوا معي فقدان 2 مليون سوري لمصدر الرزق الوحيد! سنكون أمام مصيبة لا تقل خطراً عن “كورونا”، فالموت جوعاً لا يختلف بشيء عن الموت بسبب “كورونا”

فالموت واحد وإن تعددت الأسباب.

من للسوريين؟

في ظل غياب الفاعلية الحقيقية للمؤسسات التي تدعي تمثيل السوريين في تركيا من قبيل الائتلاف والحكومة المؤقتة، نجد أنفسنا – نحن الكتاب – نقوم بالدور الذي هو – بالأساس – من صلب مسؤوليات تلك المؤسسات، وهو مخاطبة العالم والدول وأصحاب القرار بلسان حال السوريين ونقل مطالبهم واحتياجاتهم الإنسانية لتلك الجهات سعياً وراء إيجاد الحلول.

برنامج “صوي” في تركيا حل مثالي

برنامج “صوي” هو نتيجة الاتفاقيات التركية – الأوربية، حيث يتلقى حوالي 1.800.000 سوري في تركيا مساعدات مالية من الاتحاد الأوربي بموجب هذا البرنامج، والذي يشترط أن تكون العائلة مكونة من 5 أفراد كحد أدنى وهناك شروط أخرى لسنا بمعرض التوسع بشرحها.

يقدم برنامج “صوي” 120 ليرة تركية لكل فرد من العوائل المشمولة بالمساعدات وهو ما يعادل 18.3 دولاراً أمريكياً للفرد الواحد.

وعليه نستطيع القول إن هناك ما لا يقل عن 300.000 عائلة سورية تتلقى مساعدات ضمن برنامج “صوي”، و إن كانت تلك المساعدات شحيحة ولا تكفي لما هو أكثر من تسديد فواتير “ماء، وكهرباء، وتدفئة” في أحسن الأحوال، إلا أنه وفي ظل انتشار كورونا يمكن أن يكون لبرنامج “صوي” دور مهم في إنقاذ السوريين والدول التي يقيمون فيها من الانتشار الموسع لهذا الوباء.

دفع الاتحاد الأوربي مبلغاً وقدره 3 مليارات يورو لتركيا من مجمل 6 مليارات كحزمة أولى تم الاتفاق عليها، أي أن هناك 3 مليارات يورو مستحقة في ذمة الاتحاد الأوربي لم يقم  بسدادها بعد، ولم تتحصل عليها تركيا لتقوم بإنفاقها على اللاجئين السوريين في مجالات الحياة اليومية من صحة وتعليم وباقي المجالات الحيوية.

خطابي للمعنين بالأمر، وأعني هنا الاتحاد الأوربي ومن خلفه الأمم المتحدة:

أبقوا اللاجئين السوريين في بيوتهم وأمنوا لهم دخلاً مادياً شهرياً يكفيهم وأطفالهم ريثما يختفي شبح “كورونا” وتعود المياه لمجاريها، والأمر ليس صعباً وليس مستحيلا

بل هو في المتناول.

اقتراحي الذي يحتاج المساندة ليتحول لحقيقة:

بالعودة للأرقام؛ إن تخصيص مبلغ وقدره 500 يورو شهرياً تضاف لكرت الهلال الأحمر ضمن برنامج “صوي” يعني إنقاذ حياة 2 مليون سوري – على الأقل – من العوز والفقر والمرض وكورونا سواء، والأمر لن يتطلب أكثر من 150 مليون يورو شهرياً، مع التذكير أن الاتحاد الأوربي لم يدفع بعد 3 مليارات يورو مستحقة الدفع.

600 مليون يورو تصرف على 4 أشهر بمعدل 150 مليون يورو شهرياً تكفي لتجنيب 2 مليون سوري – على الأقل – كل المخاطر السابقة التي شرحتها، كما تساهم في تعزيز الجهود الحكومية التركية الجبارة ضد هذا الوباء، مما يعود بالنفع على السوريين وتركيا سواء.

لو أضفنا إليها مبلغ 400 مليون يورو للسوريين في الشمال المحرر ممن نزحوا وهجروا نتيجة آلة الإجرام الروسية والأسدية الطائفية، أولئك الذين افترشوا العراء، حتى بات السعيد منهم هو الذي حظي بخيمة تؤويه وعائلته.

يتم توزيع المبلغ ما بين مساعدات مالية مباشرة وما بين خدمات طبية واجتماعية؛ فالمبلغ بمجمله ما بين اللاجئين السوريين في تركيا والشمال المحرر لا يتجاوز مليار يورو فقط.

ألا تساوي حياة اللاجئ السوري 300 يورو أيها العالم المتحضر!

3 مليارات يورو مستحقة الدفع، تكفي لإنقاذ حياة اللاجئين السوريين في الشمال السوري المحرر وتركيا وكل دول الجوار السوري، مما ينعكس بالفائدة على مواطني تلك الدول وحكوماتها ويسهل مهامها في مواجهة هذا الوباء الذي وضع البشرية والحكومات أمام مسؤولية أخلاقية كبيرة.

إن الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي أمام امتحان إنساني حقيقي لا يمكن التغاضي عنه، فإما أن يكونوا على قدر المسؤولية لإنقاذ حياة السوريين ومواطني الدول التي

يعيشون فيها، أو هو السقوط الأخلاقي المريع أمام واحد من أكبر التحديات الإنسانية الأخلاقية في الألفية الثالثة، ولا يمكن لهم التملص من هذه المسؤولية، فالسوريون

في دول الجوار ليسوا بغرض النقاهة والسياحة، إنما أجبروا على ترك ديارهم وبيوتهم للنجاة بأطفالهم من آلة الموت الأسدية الطائفية المقيتة.

 

 

  • Social Links:

Leave a Reply