عارف دليلة في “أيام الثورة السورية” 1/2

عارف دليلة في “أيام الثورة السورية” 1/2

الرافد – جيهان الخلف:

أقام لقاء القوى الديمقراطية بالتعاون مع حزب اليسار الديمقراطي السوري مساء الاثنين الماضي ندوة بعنوان “الثورة السورية المخارج السياسية والاقتصادية” ضمن فعاليات الأيام الثقافية التي يحيي فيها اللقاء ذكرى انطلاقة الثورة السورية من خلال مجموعة ندوات على السكايب، تحدث فيها الدكتور عارف دليلة عميد كلية الاقتصاد الأسبق والمناضل السياسي المعروف في مراجعات سياسية وفكرية واقتصادية لتسع سنوات من الثورة السورية وآفاق الحل.

تنشر الرافد فيما يلي القسم الأول من الحوار الذي دار بالندوة ونتابع غداً نشر القسم الثاني منه

نبذة عن حياة المحاضر الدكتور عارف دليلة:

ولد في اللاذقية عام 1942، مفكر اقتصادي وسياسي عربي، تخرج عام 1967 من كلية التجارة – جامعة دمشق ثم حصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة موسكو (لومانوسوف) عام 1972. عمل دليلة مدرساً في جامعة حلب ثم عميداً لكلية الاقتصاد في جامعة حلب من عام 1972 حتى 1981 حين عزل لأنه كان على رأس المطالبين بالحريات والإصلاح عام 1980-1981، وحاضر في جامعات عربية وعمل مستشارا اقتصاديا في الكويت بين 1981-1986 (المهعد العربي للتخطيط ثم وزارة الصناعة والنفط الكويتية)، ثم عاد ليعمل أستاذا للاقتصاد في جامعة دمشق من عام 1986 وحتى صرفه من الخدمة عام 1998 بعد محاضرة ألقاها في مقر اتحاد الكتاب العرب بدمشق بناء على دعوة رسمية من الاتحاد وكان عنوانها “التنمية وحقوق المواطن الاقتصادية”، طالب فيها دليلة بتفعيل حقوق المواطن المنصوص عليها في الدستور المعتمد رسميًا منذ عام 1973 كتب في الاقتصاد والسياسة، وقد ركزت أعماله عموماً وعلى مدى ثلاثين عامًا في موضوعات الاقتصاد الدولي والعربي مع التركيز على مشكلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سورية وبالأخص على الإدارة الاقتصادية الوطنية والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد والكشف عن الفساد ومكافحته، اعتقل مجدداً في 9/9/2001 بعد أسبوع على إلقائه محاضرة في منتدى الأتاسي بدمشق تحت عنوان “الاقتصاد السوري: مشكلات وحلول”، وخرج من السجن بعد حملة شنتها 26 منظمة حقوقية سورية وعربية ودولية في تموز (يوليو ) 2008 طالبت فيها الحكومة بالإفراج عن دليلة بسبب تردي وضعه الصحي. وقد علق دليلة عقب الإفراج عنه بأن مواقفه ورؤاه لم تتغير وبأنه سيستمر في التعبير عنها. وأضاف بأن إطلاق سراحه لم يكن مشروطاً بسكوته، ويعمل “دليلة” حالياً كبير الباحثين الاقتصاديين في “مركز الشرق للأبحاث” في الإمارات.

أربع ساعات من الحوار :

الندوة التي استمرت لأكثر من أربع ساعات ابتدأها الدكتور دليلة بأننا نعيش اليوم في لحظة تاريخية استثنائية، ليس في سوريا، إنما على مستوى العالم، وسيقال ما بعد كورونا، وما قبل كورونا.

مضيفاً “هذه اللحظة الاستثنائية التي تطلبت العقل والتخطيط السليم لمواجهتها، افتقدناه نحن في ثورتنا، فمنذ 2011 تم إعدام العقل والعلم والمنطق وكل شيء يفترض أن يكون ميزة للإنسان عن بقية الكائنات واذ هو أسوء الكائنات على الاطلاق”.

وأوضح إلى أنه خلال السنوات العشر الماضية حصلت على الساحة السورية بين السوريين عشرات اللقاءات والمؤتمرات، غالبيتها العظمى لم تحمل السمة السورية، أي تمثل سوريا كدولة وشعب بل كان معظمها يجري وينعقد وينظم بدعوة من أطراف متفرقة هدفها الوصول إلى معلومات وتصوير نفوس السوريين من أجل استخدامه من قبل أجهزة الدول في غرض معاد لسوريا كدولة وشعب. الأن نستطيع أن نقول بثقة بأن جميع الأطراف المحتلة في سوريا بغض النظر عن ادعاءاتها تشترك وتلتقي في نقطة واحدة، أن يكون لها نصيب ومساهمة في تدمير سوريا سلطة وشعب وبالأخص منذ 2011 كدولة كما تتصورها، كما هي سمة الدولة أنها التاريخ والمصلحة المشتركة والمستقبل وكشعب مختلف بمكوناته وعناصره ما يربطه وما يوحده الاقوى هو الأقوى بين جميع مكوناته.

مشيراً إلى أننا فقدنا كليا هذين المصطلحين أي الدولة والشعب، ويجب أن نبحث عن الدولة، أن نرفع شعارها ورايتها في كل مكان، لأنه وحده الذي يوحد بيننا كشعب، وبعض الأطراف تجد هذين المصطلحين “الدولة السورية والشعب السوري” عائقا أمام مصالحها، بغض النظر عن حديثه الذي تصرح به، وبالتالي تصبح عائق في وجه قيام هذين المصطلحين، وبرأي أن المهمة الأساسية اليوم هي الدفاع عن ما هو موجود لأن ما هو موجود يتكسر ويتهشم، فهل نستطيع الدفاع وحماية الوحدة واللحمة؟

وقال “دليلة” منذ 2012 ولقاء القاهرة الأول الأكبر بين قوى المعارضة والثورة السورية وهي المناسبة الوحيدة التي اجتمع فيها كل السوريين، لكن للأسف لم يستطع هذا المؤتمر خلق وحدة بين أطياف المعارضة، ولم يستطع الحفاظ عليها بطريقة صحيحة وشكل سياسي، وتبين أن كل مجموعة من السوريين تؤجر نفسها لجهة معينة أو طرف. كان من الممكن لهذا المؤتمر أن يكون قاعدة لبناء حقيقي تبنى عليه التشكيلات اللاحقة، لكن للأسف طغت الأنانية والحسابات غير الوطنية فتم إفشاله، حتى أن أحد قادة مجموعة رئيسية في المعارضة قال إن أحسن أنجاز للمؤتمر هو عدم الاتفاق على شيء وأنه لم يصدر عنه أي قرار ولم يتفقوا على شيء.

مضيفاً حضرت الكثير من المؤتمرات، وكانت كل جهة أمنية ودولة يدعوا مجموعة من السوريين لمؤتمر ما، كنت اتسأل من الجلسة الاولى” لماذا؟ ” “من الذي دعانا ؟ ” “من أجل ماذا؟ ” ” ما هي النتيجة التي ستخرج؟  ” ” من الذي سيستخدم ؟ “… الخ.

وأوضح أن المؤتمرات كانت تستهدف زلزلة أذهان السوريين وليس استخدامهم فقط، يحتاج السوريين لطريقة معاكسة تماماً, كان الأساس من اللحظة الأولى سوريا يجب أن تتطور تطور طبيعي وتنتقل من نظام يعج بالفساد والدكتاتورية إلى دولة حضارية متطورة وتتطور خطوة خطوة.

مسؤولية النظام:

في عام 2001 تم اعتقال بعض رموز ربيع دمشق واستمرار القمع لعشر سنوات أخرى مما أدى إلى انفجار 2011 وأنا أكثر من يؤيد وجود مؤامرة،  من هو المتآمر الأكبر الذي يمهد الطريق للمؤامرة؟ وكيف دخلت هذه المؤامرة وفعلت فعلها إن لم يكن هناك أرض وتربة جاهزة للاحتضان  والتعامل معها؟

برأي يقول “دليلة” إن المتآمر الأكبر هو النظام ومن ثم تأتي مسؤولية بقية الأطراف التي شاركته اللعبة بنفس أخلاقه، بل وبأسواء منه، وجميع الأطراف كانت مدارة من الخارج، وكل من يجلس لهذا المؤتمر أو ذاك فهو يدار من الخارج، كل سوري بغض النظر عن موقفه يغطي نفسه بالحجج والتبريرات الذي يستخدمها الجميع.

يعمم ” دليلة” مسؤولية الواقع الحالي على جميع الأطراف المتحاربة، ولا يقتنع بالتبرير قائلاً النظام فتح الأبواب للتدخل الخارجي، وأعداء النظام من القوى المسلحة – التي لا أستطيع تمييز أيا منها عن الآخر – فتحت الباب أيضاً، فشكلت باسم الدين جبهة النصرة وداعش وجاءت الدول التي تدخلت لصالح النظام والأخرى التي تدخلت ضده، كلاً منها يبرر تدخله لتحقيق مصالحه الخاصة، حتى أن رئيس وزراء إحدى الدول العربية اعتبر أنهم اختلفوا جميعاً حول “الصيدة”، لكنها “الصيدة” هربت من الجميع، هذا هو واقع سوريا حالياً.

يشير “دليلة” إلى أن الاقتصاد السوري اليوم موزع بين الأيادي الناهبة والمفترسة من جميع الأطراف، وتحولت إلى بندقية للإيجار، تعمل تحت أغطية مختلفة، والمؤسسات السورية والثروات السورية وزعت بين الدول. قوى الأمر الواقع والتي سيطرت على الجزيرة أصبحت تبيع النفط السوري والأخرى المسطرة على أجزاء أخرى فككت مؤسسات الدولة وتقوم ببيعها، النظام يقوم ببيع سوريا قطعاً هنا وهناك لهذه الدولة وتلك، وبهذا أصبحت تلك القوى المختلفة تبيع ملكية الشعب السوري التي لا تملكها.

يضيف “دليلة” : “قام النظام بشفط وحشي للنفط السوري، لم يكن يستثمر النفط ولا يقوم بدراسة جديدة، وإنما فقط يشفط النفط، ويشفط عوائده”، ومعلوم أن “لشفط النفط دراسة علمية، لكن النظام لم يتقيد فيها، كان تفكيره هو سرقة كل ما يمكن والاستيلاء عليه بأسرع وقت ممكن”، موضحاً أن استخراج النفط بهذه الطريقة سيفقدنا المخزون الاحتياطي خلال فترة قصيرة جدا، مشيراً إلى أن  أحد أقاربه كان يعمل في حقول النفط بدير الزور، وفي زيارة له لي، قال: “والله لو كانت فرنسا بعدها مستعمرتنا ما تشفط النفط بالطريقة اللي عم يشفط فيها النظام النفط شو ممكن يصير اذا فقد الهدروليك الضغط بدوا مئات السنين لاسترجاعه لأنو قسم كبير من النفط رح يضيع بين شقوق الارض”.

يضيف دليلة: جميع الذين أخرجوا من بيوتهم إلى العراء والذين أخرجوا إلى دول الجوار يعانون من المجاعة والفقر، فلو افترضنا أن فيروس كورونا انتشر كما ينتشر في فرنسا وغيرها فإن سوريا أضعف دولة على مواجهته كونها مدمرة تماماً من كل الإمكانيات المادية والطبية والكوادر البشرية وكل البنى الصحية دمرت كبناء وحجر وككوادر، لم يعد هناك أطباء ولا كادر التمريضي، الكل هاجر وهي بالأساس تعاني من نقص هائل وكان يخصص للقطاع الصحي من ميزانية الدولة 5% إلى 6% رغم أنها يجب أن تكون 30% نحن في هذا الوضع اليوم، وكلكم يعلم أكثر مني، هل يمكن أن نجد مخرجاً؟ لابد من نهاية للكارثة والأزمة.

يرى “دليلة” أن علينا العودة إلى البناء من جديد، الدرجة الأولى للسلم تفترض أن ينشأ لدى الجميع اعتراف وتقدير للواقع، ولا يجب أن نركن للعقوبات فقط، مضيفاً إلى أنه جرت محاولات عديدة لتقريب وجهات النظر وجمع المعارضة السورية لكنها فشلت، فبرهان غليون وبعد مفاوضات لأكثر من شهر في القاهرة بين المجلس الوطني وهيئة التنسيق وقع على ورقة مبادئ أولية من أجل الوحدة، لكنه قام بسحب توقيعه تحت الضغط، ويقول أن الورقة التي تم الاتفاق عليها هي مسودة.

وفي رد على سؤال عن سبب تغير الموقف الروسي بعد أن كانت التصريحات الروسية تتحدث عن ضرورة تقديم النظام لتنازلات مؤلمة قال “دليلة”

منذ البداية لم أكن أثق بالسلطة الروسية، لكن كان من الممكن تطوير منطقها وايجابيتها، عندما اجتمعنا بهم كانوا يقولون لسنا مصرين على النظام، نحن مع قرارات الشعب وهذا ما عبر عنه بيان جنيف، كان الروس يقولون ولا يفعلون، فمثلاً قالوا أننا ننفذ العقود القديمة وحين تنتهي سنوقف توريد الأسلحة للنظام ولن نجددها، فلوا أن السوريين مثلوا الوطنية السورية لسهل عليهم الكشف عن وجههم الحقيقي والانقلاب والمسؤولية الأولى والأخيرة تقع على المعارضة، فقد أعطت صورة بشعة جداً عن السوريين في الخارج، ولم يعطوا أي ثقة للآخرين، لم يستطيعوا تجاوز خلافاتهم، حين كانت امريكا وروسيا متفقين، بعد جنيف بدأت تظهر جوانب الخلاف والصراع واضحة أكثر.

موضحاً أن هناك مسائل أساسية لا يمكن الاختلاف عليها مثل سوريا دولة واحدة موحدة، وشعار الدين لله والوطن للجميع كان شعار سوريا في الاستقلال، لكن السوريين اختلفوا على أمور تافهة وباعوا أنفسهم لكل جهة وقبضوا الأثمان، وبهذا انتقل الروسي من القول وعدم الفعل إلى القول والفعل.

وأشار “دليلة” إلى أننا أخطأنا بحمل السلاح، وكان كل عاقل يعرف من المنتصر إذا تحول الموضوع للسلاح، اليوم يمكن أن نرى ذلك بالمقارنة مع الشعب السوداني الذي تصرف بطريقة عقلانية وطنية سياسية عالية جداً، رغم ارتكاب مجازر بحق ضد المدنيين، والنظام في سوريا كان مستعداً لارتكاب المجازر، لكنه لن يستمر إلى ما لا نهاية إذا كانت المطالب سلمية، فلا النظام ولا غيره يستطيع أن يطلق الرصاص على السلمية في الشوارع بدون توقف واستمرار للنهاية، ويوضح “دليلة” أن كلفة السلاح كانت 137 مليار دولار، مضيفاً ” علينا التفريق بين حمل السلاح للدفاع عن النفس وهذا أمر مشروع، وبين حمل السلاح لإسقاط النظام من خلاله”.

وأوضح “دليلة” أنه طلب في اجتماع بينهم “دليلة والأستاذ حسن عبد العظيم والدكتور عبد العزيز الخير المخطوف من قبل النظام” وبين 20 سفيراً من سفراء الدول الأوروبية  في 2011 وطالبناهم بعدم مغادرة دمشق، وأن لا يتركوا الشعب السوري أعزلاً بمفرده بمواجهة آلة  الاستبداد، لكنهم اعتقدوا أن الخروج من سوريا عقوبة للنظام وسيؤثر عليه، وهذا غير صحيح.

 

موسكو 2 :

في عام 2015 وقبل وصول السفير الروسي من دمشق للمشاركة مؤتمر موسكو 2 التقيت مع لافروف وتناقشنا لمدة ثلاث ساعات حول الدور الروسي، وقلت له رأي الذي تحدثت به أكثر من مرة “النظام لم يعد قادراً على إدارة سوريا، لابد من التغير الوطني”، ولأول مرة يصدر آنذاك تصريح روسي بأنه مطلوب من النظام اصلاح سياسي تدريجي، لقد قلت أنا صرفت وسرحت من الجامعة لأني طالبت بهذا الكلام ومكافحة الفساد واليوم يصدر عن أكثر من صديق للنظام وقلت له تفضلوا وطبقوا، روسيا تلعب الدور السلبي دوماً، ألم يحن الوقت لإيقاف ما يجري منذ عام 2012؟.

في يومها يقول “دليلة” التقى معارضون للنظام من الداخل والخارج بالإضافة لأشخاص يمثلون الأحزاب المشكلة في سوريا حديثاً جاؤوا من طرف النظام، وتكمنا بعد يومين من النقاش للوصول إلى ورقة إجراءات إنسانية، تتضمن إلغاء الحصار وإطلاق سراح المعتقلين وفتح ممرات إنسانية لدخول الدواء والغذاء للمناطق المحاصرة، وهي إجراءات انسانية لا تسيء لأحد ولا تسبب بأي خسارة ولكنها تكسبه بياض الوجه ومن طبيعة بعض الاشخاص الجينية إنهم لا يتحملون ورقة بياض الوجه، وقلنا لنطبق الإجراءات الإنسانية، ثم ننتقل لنقاش الورقة السياسية، فجاء الجواب نحن غير جاهزين لأي مناقشة أي ورقة بالجانب الانساني حتى تقوم الجهة الأخرى بوضع كامل السلاح تحت التصرف واستعدادها للمحاسبة وتصفية الارهاب بسوريا بعدها نبدأ بتطبيق الاجراءات الإنسانية.

  • Social Links:

Leave a Reply