جان بيير فيليو يرصد المسار الواقعي لعدم تقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية (1/5)

 جان بيير فيليو يرصد المسار الواقعي لعدم تقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية (1/5)

الكاتب: جان بيير فيليو.

ترجمة: سامي عوني.

قراءة: أحمد العربي.

الناشر: مركز حرمون للدراسات المعاصرة

لماذا لم يتقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية؟ وما الدور الغربي في استمرار التخلف والاستبداد والدكتاتوريات في البلاد العربية، والدور المركزي للغرب في ذلك؟ وهل كان الدور الأوروبي معرقل للتحرر والتقدم والديمقراطية؟

أولا: مدخل إلى الكتاب

جان بيير فيليو: كاتب فرنسي معاصر، يعيد قراءة العلاقة بين الغرب الأوروبي والأمة العربية، والأحداث التي مرت عليها، مع تركيز على ما بعد الحملة الفرنسية على مصر ١٧٩٨م، كبداية احتكاك معاصر بين الغرب الأوروبي والعرب.

الكتاب مكثف جدا، يكاد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الأحداث التي مرت على المنطقة، من قبل أن تصبح دولا وما بعد ذلك إلى عام ٢٠١٥م.

ينطلق الكتاب من منظور أساس عند الكاتب، وهو أن أوروبا والعرب على علاقة قديمة ومستمرة وهناك كثير من الأسباب التي تجعلها مستمرة وصميمية، يرصد ما حصل بالفعل، ينتصر لضرورة أن يكون مسار العرب كمسار الغرب مسار تحرير وتقدم وديمقراطية.

يرصد المسار الواقعي لعدم تقدم العرب في أوليات التحرر والديمقراطية، يرصد الدور الغربي في استمرار التخلف والاستبداد والدكتاتوريات في بلادنا العربية، والدور المركزي للغرب في ذلك… إننا أمام دور أوروبي معرقل للتحرر والتقدم والديمقراطية.

لماذا..؟ وكيف..؟.

الكتاب يحاول الجواب على هذا التساؤل بالتفاصيل ومن الواقع العياني للدول العربية عبر أكثر من قرن ونصف من الزمان.

ثانيا: مدخل فرنسي

تحت هذا العنوان يريد الكاتب أن يقول إن العلاقة بين أوروبا والعالم العربي قديمة، وأنها مرت في مراحل إيجابية، يستند بذلك إلى رسائل ومقتنيات متواجدة في متحف اللوفر في فرنسا.

مثال ذلك رسائل بين هارون الرشيد الخليفة العباسي وشارلمان في نهاية القرن الثامن الميلادي حول القدس ودور المسلمين في حمايتها وتسهيل مجيء المسلمين والمسيحيين إلى أماكنهم الدينية المقدسة؛ الأقصى وكنيسة القيامة وبيت لحم.

كذلك نموذج الحملات الصليبية ولو أنها ترصد العلاقة بين أوروبا والعرب من جانبها السلبي، وكيف انتهى قرنين من الحملات الصليبية بعد أسر لويس التاسع عام ١٢٥٠م في الحملة التاسعة، حيث دفع الفدية ليفك أسره، وكيف عاد مجددا في حملة عاشرة، قُتل وانتهت عندها الحروب الصليبية.

والنموذج الثالث هو الاتفاق بين السلطان العثماني سليمان وفرانسوا الأول عام ١٥٣٦م على حلف تجاري متبادل.

أما النموذج الرابع فهو الحملة الفرنسية على مصر عام ١٧٩٨م بقيادة نابليون بونابرت، فشلت أيضا حيث واجهها الشعب المصري من جهة، وتوقفت على أسوار عكا وعجزت عن فتحها، عاد نابليون إلى مصر ومن ثم إلى فرنسا ليأخذ السلطة هناك، أما خليفته كليبر في مصر سيقتله سليمان الحلبي. ويُحارَب الفرنسيون من الشعب المصري والعثمانيين ويعودوا مهزومين، بعد ثلاث سنوات.

سيكون للحملة الفرنسية دور في خلق الحافز للتقدم العلمي والتقني في مصر وبلاد المسلمين. كان تأثير العلماء المرافقين لحملة نابليون وكذلك المطبعة وغيرها دور كبير في ذلك.

ثالثا: العرب والنهضة ١٨٠١ – ١٩٠٣

كان القرن التاسع عشر قرنا ممتلئا بالمتغيرات على العالم العربي، والمؤسِسة للنهضة التي ستبرز معالمها أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

حيث كان المغرب واليمن وعُمان عصيين على السيطرة العثمانية، كذلك استطاع آل سعود بالتحالف مع الدعوة الوهابية السلفية أن يسيطرا على أغلب شبه الجزيرة العربية، عام ١٨٠٥م، أصبح محمد علي باشا والي مصر العثماني كان له دور في القضاء على الدولة السعودية الأولى عام ١٨١٨م، وسرعان ما استقل محمد علي عن العثمانيين وامتد من مصر إلى الشمال الافريقي، وإلى بلاد الشام وكاد يصل إلى الأستانة ويسقط الخلافة، لكن تحالف دول أوروبا ضده أدى لضرب أسطوله وجيشه وتحجيمه وإعادته إلى حدود مصر عام ١٨٤٠م.

كان محمد علي نموذجا يأخذ بالأساليب العلمية الحديثة، بعث الطلاب لتحصيل العلم من الغرب، كان بصحبتهم الشيخ رفاعة الطهطاوي، الذي تحدث عن رحلته إلى باريس في كتاب، وبدأ محمد علي نهضة في مصر. لكن التدخل الأوروبي حجّم حكمه وضرب تجربته الواعدة. واستمرت مصر تحت الوصاية الفرنسية والإنكليزية والتي تتوجت في فتح قناة السويس ١٨٦٩م، واصلة بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، مختصرة طريق الهند عليهم.

أما الجزائر فقد كانت وجهة الفرنسيين لاحتلالها منذ أوائل القرن التاسع عشر، قاومهم الشعب الجزائري وكان على رأس المقاومة الأمير عبد القادر الجزائري الذي لم يستطع الصمود أمام التقدم العسكري للفرنسيين. استسلم لهم عام ١٨٤٧م، ونفي إلى دمشق واستقر بها، بعد محاكمة وحبس واحتمال الإعدام.

أما تونس التي كانت قد أخذت باكرا توجهات سياسية شبه ديمقراطية، وكانت جامعة الزيتونة مركز إشعاع علمي وتنويري، لكنها وقعت أيضا ضحية احتلال فرنسي عام ١٨٨١م. كما أعلنت بريطانيا احتلالها لمصر رسميا بعد ذلك بسنة واحدة عام ١٨٨٢م.

أما بلاد الشام فقد كانت مركز إشعاع تنويري نهضوي، لقد انتشرت فيها المطابع باللغة العربية، كان للتنويريين المسيحيين دور في ذلك. كما كان نهاية القرن التاسع بداية ظهور تنويريين نهضويين يتحدثون عن ضرورة مواجهة الاستبداد والتجديد الديني، نموذجهم عبد الرحمن الكواكبي الحلبي وكتابه طبائع الاستبداد، وكذلك محمد عبده المجدد الديني في مصر وبعده تلاميذه رشيد رضا ولطفي السيد.

إن موجة التنوير كانت شاملة كل بلاد العرب وحتى في مركز السلطنة حيث سينشأ جمعية تركيا الفتاة، والعربية الفتاة في بلاد الشام. وكلها تؤسس لضرورة الأخذ بالعلم والتكنلوجيا والتجديد الديني وأساليب الحكم الديمقراطي لبناء الحياة الأفضل. ونصب أعينهم النموذج الغربي الأوروبي. لكن الغرب الأوروبي كان يجهز نفسه في مطلع القرن العشرين، لاقتسام تركة الرجل المريض السلطنة العثمانية واحتلال ما تبقى من البلاد العربية.

ثالثا: سلام الحروب كلها. ١٩١٤ – ١٩٢٥م.

كانت أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين قد أوضحت الخطط والمطامع الأوروبية في التركة العثمانية في المنطقة العربية، خاصة فرنسا وبريطانيا وإلى حد ما ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال.

كانت بريطانيا قد ثبتت احتلال مصر منذ ١٨٨٢م وفرنسا احتلت منذ عقود الجزائر ومدت سيطرتها باتجاه تونس، أما أسبانيا والبرتغال فقد استحوذتا على بعض أراضي المغرب العربي، الذي بقي أغلبه في حالة استقلال تحت حكم العلويين الأشراف، وعندما حاولوا استعماره واجههم الشعب ووقفوا خلف ملكهم محمد الخامس الذي نفي وأعيد واستمر في حكم مستقل نسبيا على جزء من المغرب.

كانت الخلافة العثمانية تعيش مشاكلها، مطالبات داخلية بإصلاحات تمخضت عن دستور جديد، ومجلس برلماني، المبعوثان، وعظم دور تركيا الفتاة التي ترى بالغرب وتقدمه نموذجا لها ورفضت استمرار آلية الحكم السابق، طالبت بدستور وبرلمان وحصلت عليه.

كانت الاستهدافات الخارجية ضد الخلافة العثمانية من كل المحيطين بها، روسيا واليونان، وكذلك الفرنسيين والإنكليز الطامعين بتركتها. ألمانيا هي البلد الأوروبي الوحيد الذي كان على علاقة جيدة مع العثمانيين وتحالف مع السلطنة ضد النفوذ البريطاني الفرنسي المتعاظم.

كانت نذر الحرب العالمية الأولى تظهر والتجهيزات لها مستمرة. بادرت بريطانيا للتواصل مع الشريف حسين شريف مكة، الذي كان على صراع مع السعوديين داخل شبه الجزيرة العربية، وعده الانكليز أن يساعدوه ويساعدهم لطرد العثمانيين من بلاد العرب، ويكون ملكا على البلاد العربية، تحرك هو وأولاده لهذا الهدف، وصل ابنه فيصل إلى الشام وابنه عبد الله إلى شرق الاردن وكانت الأجواء في بلاد الشام تغلي، وكان استلم زمام الجيش التركي في بلاد الشام الضابط جمال الذي لقب السفاح، حيث نصب المشانق عام ١٩١٦م في دمشق وبيروت لرموز التنويريين العرب المعادين للسيطرة العثمانية والمنتمين لجمعية العربية الفتاة.

وكان الانكليز والفرنسيين قد اتفقوا عبر ممثليهم سايكس وبيكو على تقاسم التركة. سوريا ولبنان للفرنسيين، والعراق وفلسطين وشرق الأردن للإنكليز، حتى الأناضول كانت مشمولة بالاتفاق لكن مواجهة مصطفى كمال والقادة العسكريين معه، أنتجت الدولة التركية المعاصرة بعد معاهدة سيفر بين الأتراك وفرنسا وبريطانيا.

انهزم الألمان والعثمانيون في الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤م واستمرت لسنوات. كانت بريطانيا قد قدمت وعدها للحركة الصهيونية عبر وزير خارجيتها بلفور عام ١٩١٧م بأن يأخذوا فلسطين وطنا قوميا لهم. وهذا ما حصل بعد انتصار الحلفاء وسيطرة الفرنسيين والإنكليز على المنطقة، حيث أعطت عصبة الأمم الدولية حق الانتداب لفرنسا وبريطانيا على المنطقة. تم نقض الاتفاقات مع الشريف حسين، وتبين أنهم استخدموه في معركتهم ضد العثمانيين، وكجائزة ترضية، أعطي عبد الله ابن الشريف حسين مملكة اخترعت في شرق الأردن، بقيت تحت الوصاية الإنكليزية، ومتوافقة مع المشروع الصهيوني الذي يُنفذ على الأرض بإعلان الدولة الصهيونية بعد عقود في عام ١٩٤٨م.

أما فيصل فقد ذهب إلى دمشق وصار ملكا عليها ضمن تجربة ديمقراطية متواضعة، لكن دخول الفرنسيين بقيادة غورو مستخدما القوة العسكرية ومواجهته بجيش رمزي هزم على مدخل دمشق. طردت فرنسا فيصل إلى العراق وأعلنت الانتداب على سورية، حيث قسمتها إلى أربع دول، دولة دمشق وحلب واللاذقية للعلويين والسويداء للدروز.

لكن الشعب السوري رفض ذلك وفرض على الفرنسيين التعامل مع كيان سوري واحد. وكان الفرنسيين قد وسعوا حدود لبنان بإضافة البقاع والجنوب اللبناني له. وسموه لبنان الكبير وأعلنوه دولة، وثبتوا فيه دستورا قائما على التقسيم الطائفي: المسيحيين والسنة والشيعة والدروز عبر محاصصة للسلطة فيه.

لم تستسلم الشعوب العربية لهذا الواقع الجديد. ففي مصر قامت حركة سعد زغلول عام ١٩١٩م تطالب بجلاء المستعمر الانكليزي، وأدى ذلك إلى نفي زغلول ومحاصرة الحراك الديمقراطي تحت هيمنة الإنكليز، وكذلك شهد العراق ثورة العشرين ضد الإنكليز الذين لعبوا على وتر شق الصف العراقي بين عربي وكردي من جهة، وسني وشيعي من طرف آخر، لكن الشعب كان أوعى وتوحد في مواجهته كمستعمر.

كما حاول الإنكليز إعطاء علي بن الشريف حسين سلطة حكم الحجاز، مكة والمدينة. لكن آل سعود يسيطرون على مكة والمدينة وجدة عام ١٩٢٤م، بعد مواجهة مع الهاشميين، ويعلنون مملكة آل سعود على كامل شبه الجزيرة العربية بصمت انكليزي. وهكذا ما أن هدأت الحرب العالمية الأولى الا وأصبحت المنطقة العربية أمام متغيرات كبيرة، تتوضح معالمها بعد حين.

  • Social Links:

Leave a Reply