هل يخرج رامي مخلوف من الصورة لإنهاء الأزمة؟

هل يخرج رامي مخلوف من الصورة لإنهاء الأزمة؟

   المدن

“سيناريوهات الحل تفضح أسباب الأزمة”… تحت هذا العنوان نشرت “المدن” تقريراً في 10 أيار/مايو، سلط الضوء على محاولات مقربين من عائلتي الأسد ومخلوف نزع فتيل التوتر بينهما، والتوصل إلى حل ينقذ العلاقة التي تدهورت بين قطبي الحكم الذين تقاسما إدارة سوريا سياسياً واقتصادياً بشكل كامل على مدار عقدي حكم بشار الأسد، قبل أن يتفجر صراع بين الأسرتين بدأ قبل نحو عام وتصاعد ليبلغ ذروته الثلاثاء.

فبعد ثلاثة تسجيلات مصورة ظهر فيها ابن خال رئيس النظام بشار الأسد، رجل الأعمال الأول في سوريا رامي مخلوف، وهاجم فيها الحكومة والمحيطين بالأسد، وبعد تراشق إعلامي وحرب وثائق بين الطرفين على وسائل التواصل الاجتماعي، أصدرت وزارة المالية في حكومة النظام قراراً بالحجز على أموال وممتلكات رامي مخلوف وزوجته وأبنائه، مع حرمانه من التعاقد مع الدولة لمدة خمس سنوات.

ورغم أن قرار الحجز لم يكن الأول من نوعه، إلا أن النسخة الأخيرة منه تكتسي أهمية استثنائية، إذ لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد خطوة تصعيدية أخرى من أجل ممارسة المزيد من الضغط على مخلوف، بل يتفق الجميع تقريباً على أن القرار يمثل وضع حد من قبل النظام لأي تفاوض حول هذه القضية، وتمهيداً مباشراً لفرض إرادته التي لم يعد هناك شك بأنها تهدف إلى الاستحواذ على شركة “سيريتل” بالدرجة الأولى، وربما بقية أعمال ومؤسسات رامي مخلوف في سوريا.

السيرة الكاملة

يشكل هذا “الحل” الذي اختاره النظام في النهاية انتصاراً واضحاً لأحد السيناريوهات التي كانت متداولة طيلة الأسابيع الماضية حول أسباب الخلاف بين النظام ورامي مخلوف، حيث تعددت الروايات وتباينت اتجاهاتها، لكنها ظلت كلها “احتمالات” في ظل تشابك خيوط الأزمة من جهة، وعجز حتى المقربين من كلا الطرفين عن الوصول إلى يقين.

الرواية التي انتصرت، على الأقل مبدئياً، وفي ضوء تطورات الثلاثاء، كانت تقول منذ البداية، إن جوهر الخلاف هو بين النظام وبين رامي مخلوف، وليس بين عائلتي الأسد ومخلوف، على الرغم من إصابة العلاقة الأسرية في مقتل نتيجة هذا الخلاف الذي بدأ منذ سنوات، وكان أول مؤشراته فتح النظام الأبواب التي كانت مقفلة لصالح رامي مخلوف أمام طبقة جديدة من رجال الأعمال، ومنحهم التسهيلات والامتيازات اللازمة.

مؤشر التقطه رامي مخلوف منذ اللحظة الأولى باعتباره يشكل استهدافاً له، على الرغم من أن النظام روج لهذه الخطوة على أنها سعي للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على مخلوف ورجالاته وواجهاته، بينما كان الدافع الحقيقي لانتاج طبقة جديدة من رجال الأعمال، هو التصلب الذي بات يبديه مخلوف في رده على مطالب النظام بدفع ما يتوجب أو ما يلزم من أرباح شركاته لخزينة الحكومة المفلسة، كما أكدت مصادر في دمشق ل”المدن”.

المصادر  قالت إن رامي مخلوف ومنذ بدأ الصعود التدريجي لرجال الأعمال الجدد، وعلى وجه التحديد ابتداءً من عام 2017، اتخذ خطوات عديدة كرد فعل على ما سبق، مثل محاولة عرقلة أعمال هؤلاء التجار في الدوائر الحكومية، أو الحاق الضرر بها من خلال مليشيات محسوبة عليه، الأمر الذي نبّه النظام إلى تنامي نفوذ وقوة رامي مخلوف، ما جعله يتخذ قراراً بالتعامل معه منذ تلك اللحظة كخطر لكن ليس كتهديد.

وتتابع المصادر أن حرباً خفية بدأت تتصاعد بين الطرفين منذ ذلك الوقت، كان سلاح رامي مخلوف الرئيسي فيها التعنت ورفض دفع ما يتوجب عليه من قيمة أرباح شركاته من أجل تمويل الخزينة، حيث اكتفى بداية بدفع النسب والرسوم القانونية فقط، ثم بدأ في المماطلة حتى بهذا الجانب، خاصة عام 2019، في الوقت الذي زاد فيه من قيمة المساعدات والمشاريع (الخيرية) في مناطق انتشار الطائفة العلوية، الأمر الذي كان يتابعه النظام عن كثب، ويعمل على مواجهته بهدوء، مع الإشارة إلى أن أرقام هذه المساعدات حتى بعد زيادتها أقل بكثير مما روج له مخلوف.

أحداث ومحطات

وفي تتبع لتطورات الأحداث بين الجانبين، أمكن مطابقة هذه الرواية مع محطات رئيسية مثلت أبرز التحولات في العلاقة بين مخلوف والنظام، والتي تبدأ أهمها في النصف الثاني من عام 2019.

البداية كانت في تموز/يوليو الماضي، عندما أطلق النظام حملة لدعم الليرة السورية، مستغلاً انخفاضاً كانت قد واجهته في تلك الفترة من أجل إلزام رامي مخلوف بالدفع، أو على الأقل إحراجه، وهو ما حصل بالفعل عندما بادر رجال الأعمال المنافسين له إلى دفع كل المبالغ التي فرضها النظام عليهم، بينما رفض مخلوف التبرع لهذه الحملة، متذرعاً بأنه يدفع ما يترتب عليه من ضرائب للدولة ويقوم بمساعدة الآلاف من عوائل جرحى وقتلى جيش النظام وميليشياته.

تحدٍ جديد تقول المصادر، أغضب الأسد بشكل جدي هذه المرة، فبدأ منذ تلك اللحظة بإجراءات علنية تستهدف “ابن خاله”، وكانت الخطوات التالية هي الحجز على مؤسسة “البستان الخيرية” في أيلول/سبتمبر 2019، وكإجراء معنوي لسحب ورقة المتاجرة بفقراء الطائفة العلوية، بث النظام دعاية واسعة عن تسلم أسماء الأخرس، زوجة بشار الأسد، مهمة الإشراف على أعمال المؤسسة.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2019 كانت الصفعة المؤلمة الثانية التي يوجهها الأسد لرفيق دربه رامي مخلوف، والتي كانت رغم ذلك بمثابة الانذار ما قبل الأخير، عندما صدر قرار عن مؤسسة الجمارك بتفويض وزير المالية إلقاء الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لمخلوف، وعدد من أعوانه، إلا أن قراراً بالحجز على أموال الأخير لم يصدر بالفعل، فيما بدا أنه توصلٌ إلى حل مرضٍ للطرفين.

لكن هذا الهدوء لم يدم سوى أربعة أشهر شهدت تطورات متسارعة على صعيد العلاقة بين النظام ورامي مخلوف من جهة، وبين عائلتي الأسد ومخلوف من جهة ثانية، وصلت إلى حد القطيعة النهائية، حيث رفض بشار الأسد، كما تقول مصادر “المدن”، مقابلة ابن خاله أو الرد على اتصالاته، في الوقت الذي تم فيه الايعاز للجهات الأمنية والمالية بالتضييق عليه، رداً على ما اعتبره الأسد استمرار مخلوف في تحديه للنظام.

الآثار والتبعات المحتملة

ترجح المصادر فرضية أن مخلوف يدفع ثمن تحديه للأسد على حساب كل السرديات الأخرى التي أحالت الخلاف إلى صراع أسري بين رامي مخلوف من جهة، وماهر الأسد وأسماء الأخرس من جهة أخرى، أو إلى صراع النفوذ بين روسيا وإيران. وتجزم أن مخلوف دفع ثمن اعتباره أن ما آل إليه من ثروات وما تحت يديه من شركات وما يدير من أعمال هي من أملاكه، بينما لا يقبل النظام بأي تشكيك في حقيقة أنه مجرد موظف مكلف بالإشراف عليها لصالح الأسد ونظامه، وأنه مجرد حامل للحقيبة المالية وليس مالكاً لها.

وحول تبعات ذلك على النظام، أقله من الناحية الاقتصادية، حيث شهدت الليرة تدهوراً غير مسبوق منذ تفجر الأزمة هذه، تؤكد المصادر أن تعنت رامي مخلوف وإحجامه عن امداد خزينة النظام بالأموال التي كانت تطلب منه، وخاصة من العملة الصعبة، كان أحد الأسباب الرئيسية في موجات انهيار الليرة المتتالية، وأكثر من ذلك فإن النظام يتهم مخلوف بتحويله كل الأموال والعائدات التي كان يتحصل عليها من السوق المحلية إلى الدولار، ويقوم بتحويل المبالغ إلى الخارج، ما أدى لاستنزاف الليرة السورية.

لا يعني ما سبق نفياً كاملاً للسرديات الأخرى عن طبيعة الخلاف بين الجانبين، خاصة مع تداخل السياسي والمالي مع الشخصي والأسري في بنية النظام الذي لم تعد للمؤسسات فيه، حتى تلك التي كانت مهمتها ترسيخ حكم الأسد، قدرة على القيام بأي دور جدي، متخلية عن وظائفها تحت ضغط عوامل مختلفة لصالح الحليفين الروسي والأيراني مؤخراً، أو لصالح تغول الأشخاص وتضخم حضورهم بما يفوق أكثر مؤسسات النظام قوة، كالجيش والأمن سابقاً.

لكن السؤال الذي يطرح اليوم يتعلق بالدرجة الأولى بنتائج قرارات النظام التي صدرت الثلاثاء، والتي كانت عند الكثيرين بمثابة المسمار الأخير في نعش امبراطورية رامي مخلوف الاقتصادية، حيث حمل تعليق مخلوف على قرار الحجز على أمواله الثلاثاء لهجة تهديد، بعد تهديدات سابقة أطلقها في الفيديوهات الثلاثة التي ظهر فيها حتى الآن.

مخلوف قال على صفحته في “الفايسبوك”: “لقد فعلت كل ما باستطاعتي يا ربي، فهذا فعلي وقد استنزف وانت المدد، فأرهم فعلك يا الله فقد حان موعد ظهوره ولك الأمر، فقد قلت إن لله رجالاً اذا أرادوا أراد، فبعزتك وجلالتك سيذهلون من فعلك”.

وبينما اعتبر البعض أن هذا التعليق يعتبر بمثابة تهديد مبطن قد تتم ترجمته بتحريك القوى الاجتماعية والمسلحة التي تدين بالولاء لرامي مخلوف داخل الطائفة العلوية، أكدت مصادر “المدن” أن هناك مبالغة في تقدير حجم هذا الولاء والنفوذ، وأن مخلوف كان يعني حرفياً ما يقول في منشوره هذا.

وحسب تقديرات هذه المصادر، فإن النظام الذي أمر بتعيين حارس احتياطي على شركة “سيريتل”، قد تكون أكثر خطوة متسامحة يمكن أن يتخذها ضد رامي مخلوف هو إلغاء قرار الحجز الاحتياطي على أمواله، أو الادعاء بأن مثل هذا القرار لم يصدر أصلاً، وتسليم إدارة شركاته لإبنه محمد مخلوف ولكن بشكل صوري، لرد الاعتبار معنوياً فقط، وبعد أن يكون مخلوف قد أجبر على تنفيذ كل ما هو مطلوب منه بالكامل.

  • Social Links:

Leave a Reply