افتراضات أمين سر مجلس الشعب السوري

افتراضات أمين سر مجلس الشعب السوري

محمود الوهب تلفزيون سوريا

يذكِّر حديث “خالد العبود” (العضو المزمن في مجلس الشعب، وأمين سره) حول غضب “السيد الرئيس” بشار الأسد على “بوتين”، بحديث “السيدة بثينة شعبان” عن قوة الاقتصاد السوري، وأنه أفضل مما كان عليه قبل العام 2011 ومناشدتها المشاهدين أن يصدقوا زعمها.. فقد استخدم العبود فعل الأمر ذاته “صدقوني” معيداً إلى الأذهان أيضاً ما قاله زميل له قبل سنوات: “إن سوريا صغيرة على بشار الأسد، وحقه أن يحكم العالم..!” ويذكر أيضاً، بقنبلة وزير المالية التي فجرها قبل أيام إذ قال: “إن راتب الموظف يكفيه إن عرف كيف يتدبر أمره..!”

ولكن للحقيقة أقول إن خالد العبود قد فاق هؤلاء جميعاً إذ أتى بافتراضات هي أشبه بتهيؤات، أو ما يسمى في الأدب بـ “الفانتازيا” وقد نشرها على الفيس بوك بنحو 1600 كلمة وبناها على فرضية رئيسة جعلها عنواناً: “ماذا لو غضب الأسد من بوتين” وهو يعلم أن رئيسه بشار الأسد لا يغضب.. ولو كان لديه خصلة الغضب لظهرت عندما أذلَّه الضابط الروسي مبعداً إياه عن ضيفه بوتين.. أو عندما “نزل عليه وزير الدفاع الروسي كالقضاء المستعجل” مخترقاً كل الأعراف الدبلوماسية، أو عندما استدعته إيران على عجل.. إلخ!

صاغ “العبود” فرضياته على شكل أسئلة مستخدماً اسم الاستفهام “ماذا” مصحوباً بـ “لو” حرف الشرط غير الجازم في أحد معانيه وهو “التمني”، تسع عشرة مرة، وثلاث مرات عناوين رئيسة.. وانطوت تلك الافتراضات على تناقضات لا تأتلف مع أبسط قواعد المنطق، ثمَّ إن “لو” في الحديث النبوي “تفتح عمل الشيطان”.

يبدأ العبود بإشارة ضمنية إلى أن رئيسه لاعب على مستوى بوتين وترامب فيقول:

“إن استعانة الأسد ببوتين ما كانت إلا لمنع دخول الولايات المتحدة، فإن هزم بشار الإرهاب سوف يفسح في المجال لدخول الولايات المتحدة الأميركية، دعماً للإرهابيين، وهي خصم لروسيا..” هكذا بكل بساطة يتصور العبود أن العالم لازال يعيش الحرب الباردة بين العملاقين و(سيِّده محركهما، وكأن روسيا لم تأخذ تفويضاً من أميركا، ومن إسرائيل أيضاً. (أفصح عن ذلك لقاء نتنياهو ببوتين ساعة تدخله في سوريا للاطمئنان، واتفاقهما على تقاسم سماء سوريا! ومعروف اتفاق الروس والأميركان والإسرائيليين على تسليم الأسلحة الكيماوية السورية مقابل إلغاء تهديدات “أوباما”) ويتجاهل العبود وجود أميركا على ثلث مساحة سوريا، شأنها بذلك شأن الروس والإيرانيين وغيرهما، وتحت تصرفها الثروات السورية الرئيسة، ولديها رأي في مسألة إعادة الإعمار، والحل النهائي في سوريا.. يقول العبود:

“إن دخول الروسي كائن في ذهن الرئيس منذ البداية، ولم يأت إلا بعد أن هيأ له “السيد الرئيس” الجغرافيا باستخدام إيران وحزب الله..” ما يعني أن الأسد لم يكن على عتبة السقوط، لا في العام 2012 لدى استعانته بالإيرانيين، ولا في العام 2015 عندما دخل بوتين في 30 أيلول 2015.. ويكشف العبود عن ذكاء رئيسه الذي قيّد الوجود الروسي في سوريا، بفضل معادلة سياسيّة (طالما أكَّدها العبود لقرائه)، وهي: “امنع عن عدوك ما يريد.. وامنح حليفك ما تريد”. وعلى ذلك “منح الأسدُ بوتينَ ما شاء من الاستثمارات، ولوازم وجوده العسكري، كي يكون له ما يدافع عنه”. فالمسألة ليست بحسب العبود مقايضة على السيادة السورية وعلى استقلالها وثرواتها لقاء بقاء الأسد على كرسيه..! بل هي مجرد جزرة لبوتين “الغبي”.. ويتابع العبود تهويماته حول ما سيفعله الأسد ببوتين لا على الأرض السورية فقط، بل سيهزمه في عقر داره.. وسوف “يسحب البساط من تحت قدميه، حتى في أروقة “الكرملين”؟! وأن “يجرجره سياسياً في داخل روسيا” وقد لا يكتفي بذلك بل لعله يشطب: “مجده وإنجازاته” طبعاً ذلك مشروط بـ: “إذا ما أراد الأسد” أما إذا غضب (والغضب غير الإرادة) فسوف يدفع به “إلى أتون حريق في حوران سهلاً وجبلاً..” وسوف “تجيّش استخباراته آلاف الناقمين على “روسيا”، وعلى تدخّلها وإملاءاتها على السوريين؟!” (لا يحدد العبود أي سوريين سوف يغضبون لغضب سيده، أهم الذين تعاون الأسد وبوتين على قتل أبنائهم وهدم بيوتهم، وتشريدهم في بقاع الدنيا، أم الذين ناصروا الروس وأيدوا وجودهم؟! ويجري العبود خلف أخيلته فيرى بوتين غارقاً في “تيه البادية السوريّة في حرّها ورملها” بعد أن يكون “أسده” قد “فخّخ له ما فوق الأرض وما تحتها..”

والمثير للريبة هو دلالة كلمتي المخابرات والتفخيخ؟! أيعني أن الأسد ومخابراته ماهرون في مثل هذه الجرائم؟! وهم الذين اعتادوا على ممارسة ذلك في لبنان وسوريا وسواهما..! ويتابع العبود فيرى بشار وقد أرسل بوتين “إلى ضفاف الفرات” ليواجه “غضب الأرض والسماء”، حيث الـ “عشائر تراه غازياً ومحتلاً؟!” أو يقوده إلى جبال اللاذقية بعد تفخيخها طبعاً ليواجَه “بعشرات آلاف المقاتلين الذين رفعوا شعار المقاومة للاحتلال “الروسيّ”، أو بدؤوا بعمليات انتقامية من القوات الروسيّة، نتيجة تدخّل روسيا في الشؤون الداخلية لسوريّة؟! ولا ينسى العبود تذكير الروس بهزيمتهم بأفغانستان! (أهو العقل الباطن الذي يصور له أن الروس محتلين أم إنهم غدوا كذلك بعد اختلافهم مع الأسد!) ولكن الأهم في خيال “العبود” هو وقوف “بشار الجعفري” في مجلس الأمن ليقول: “إنّنا نعتبر الوجود الروسيّ في سوريا احتلالاً، وسوف نواجهه بكلّ السبل التي منحتنا إياها القوانين الدوليّة؟!”

نعم سوف تحصل هذه الوقفة، ولكن لا الجعفري ولا أمثاله من يفعلونها مطلقاً، بل قد يوكِّل الشعب السوري بهذه الرسالة رجلاً من أبنائه البررة الذين لم تتلوث أيديهم بدم السوريين، ولا بإيذائهم!

لا يكتفي العبود بذلك بل يذهب بفرضياته والأصح تسميتها (هلوسات) إلى “لو” التي تفتح عمل الشيطان فيقول: “صدّقوني.. لو أنّ شيئاً من هذه الفرضيات قد حصل واقعاً، لتغيّر وجه العالم، ولو أنّ شيئاً من هذه الفرضيات نفّذه “الرئيس الأسد” لأعاد ترتيب الكون كاملاً، سياسياً واقتصادياً وعسكريّاً، ولكانت الولايات المتحدة أوّل الذين يقفون في وجه “بوتين” في سوريّا، وهي التي سوف تبادر فوراً كي تعتبر الوجود “الروسيّ” احتلالاً موصوفاً، ويجب اقتلاعه..”

(دعونا من إعادة ترتيب الكون، وتغيير وجه العالم، ولنمعن إلى عبارة “لكانت الولايات المتحدة أوّل الذين يقفون في وجه “بوتين” في سوريّة” فما الذي يريده العبود غير توجيه رسالة إلى أميركا والاستعانة بها وتهديد الروس الذين جلبهم للوقوف بوجهها، كما بدأ العبود مقالته؟!) وهنا لا بد أن تدور الأسئلة في ذهن القارئ.. ما الذي يميز أميركا عن إسرائيل بحسب ما يردده النظام عن التحالف “الصهيو/أميركي” وكيف سيجمع خالد العبود الشيطان الأكبر بإيران وحزب الله اللذين مهدوا الأرض السورية للروس..؟!

وما يختم به خالد العبود يفوق التصور:

فـ “لو أنّ الرئيس الأسد أراد أن يقف في وجه “بوتين”، سرّاً أو علانيةً في سوريّة، ولو أنّ استخباراته أدت دورها لجهة ترحيل “بوتين” من سوريا، ودفعها إياه إلى معركة لا تُبقي ولا تذر من “إنجازه”، و”إنجاز روسيا”، على ضفاف المتوسط، لما انتهى “بوتين” في سوريا فقط، وإنّما لتمّ انحسار المدّ “الروسيّ” خلال العقد الأخير من عمر العالم والمنطقة، ولتمّ شطب اسم “بوتين” من التاريخ “الروسيّ” إلى أبد الآبدين..!”

خلاصة القول: إنَّ بعض افتراضات خالد العبود يمكن أخذها على محمل الجد أو مقاربة الحقيقة، فيما إذا كان الشعب السوري حراً، وبيده قراره المستقل المعبر عن سيادته الفعلية.. ويحكمه رجال انبثقوا عنه، وباختياره، وفي حال كانت له دولة يحكمها دستور وقوانين، وسلطة قضائية مستقلة. أمَّا في حالة دولة “المافيات” فيبقى حديث أمين سر مجلس الشعب مجرد هلوسات، وهراء في هراء..!

  • Social Links:

Leave a Reply