لماذا نرفض الأحزاب الدينية والقومية؟

لماذا نرفض الأحزاب الدينية والقومية؟

زكي الدروبي
بعد اندحار التنظيمات التي رفعت راية الاسلام متاجرة بها من أجل مكاسب سلطوية، وصحوة الشعب السوري، ورفضه لها، بدأ الكثير منها يحاول أن يعود للساحة السياسية عبر استلهام تجربة الولايات المتحدة الأمريكية التي أشاعت بأن الشيوعية أيديولوجيا ملحدة، بمساعدة قوى رجعية من الوطن العربي، وجندت من خلالها آلاف الشباب لتشكل تنظيم قاعدة الجهاد، كي تحارب الاتحاد السوفيتي بهؤلاء البسطاء الذين آمنوا بأحاديث مشايخ السلطان، أو مشايخ نص كم، بضرورة الجهاد ضد الإلحاد، وبأن الأحزاب اليسارية والديمقراطية أحزاب كافرة لأنها تهاجم الإسلام، معتبرين أن انتقاد تجربتهم وفشلهم هو هجوم على الإسلام.
بداية لا بد من التأكيد على أن حزبنا يحترم كل الأديان والمعتقدات، كما يحترم جميع القوميات التي تغني وتزين وطننا السوري الجميل، وليس من اختصاصه دعم هذا الدين أو ذاك، ومساندة قومية ضد أخرى، ونرفض بشكل مطلق إهانة معتقدات الناس الدينية والاعتداء على مشاعرهم، مثلما نرفض الإساءة للقوميات، كما أننا لسنا جهة بحثية لتناقش أطروحات دينية، فنحن حزب سياسي يعمل من أجل إسقاط نظام الأسد والانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية تعددية، يتساوى فيها جميع المواطنون بالحقوق والواجبات أمام القانون.
أما رفضنا لديمقراطية الطوائف والقوميات، فمثالها في العراق جليّ وشاهد، وفي لبنان أيضاً، فهذا النوع المتخلف من أشكال الحكم، والذي يلصق زوراً وبهتاناً بالديمقراطية، ثبت فشله وتدميره للبلاد التي ارتضت هذا الشكل من أشكال الحكم فيها. ورفضنا من تشكيل أحزاب بمسميات دينية أو قومية، فينطلق من تجارب من سبقنا في “ديمقراطية الطوائف والقوميات” ، فالدين أو القومية أكبر من أن يمثلها حزب أو عدة أحزاب، فهي شيء له علاقة بتراث ثقافي، وبمعتقد ديني يربط الإنسان بخالقه، ولا دخل لأي أحد في هذه العلاقة الخاصة، ولا يمكن أن يكون هناك حزبٌ تحت اسم ديني، لأنه سيدفع بقية المتدينين من ديانات ومذاهب وطوائف أخرى لخلق أحزابهم على مقاسهم، وتكون الطامة الكبرى في تعدد الناطقين باسم الله، وهو البريء منهم كلهم، فكلٌ منهم يعتقد أنه يحتكر الحق الإلهي، وهو الذي يملك مفتاح الدخول إلى الجنة، وفي الحالة الديمقراطية الطبيعية، تختلف الأحزاب السياسية التقليدية في برامجها السياسية، وتنتهي خلافاتها في صندوق الانتخابات، أما الخلافات القومية أو الدينية، فلن تنتهي حتى لو سالت أنهاراً من الدماء.
أما نقد الأحزاب التي تستخدم اسماً دينياً أو قومياً فهو نقد سياسي وليس نقداً دينياً، فحين ننتقد الإخوان المسلمين فنحن ننتقد تجربتهم ولا ننتقد الدين، ولدينا بين صفوفه أصدقاء نناقشهم وننتقد أخطاءهم دون خجل أو مواربة، وكذلك الأمر حين ننتقد الفصائل العسكرية الإسلامية، فنحن ننتقد عملها ولا ننتقد الدين بشكل مباشر، ونفس الشيء ينسحب على انتقاد دور رجال الدين في الثورة والحياة العامة، فحين نقول أخطأ الشيخ الفلاني فهذا لا يعني بأي حال من الأحوال انتقاد الدين، إنما يعني انتقاد ممارسة الشخص، وهو إنسان وغير منزه عن الخطأ.
لقد مارست الفصائل والأحزاب التي حملت مسميات إسلامية وكذلك الفصائل التي حملت مسميات قومية “قسد” الإقصاء ونفذت على الأرض سياسات معادية لتطلعات الشعب السوري في الحرية والديمقراطية، ولا علاقة لها بأهداف ثورته، بل كانت تلك المنظمات والفصائل والأحزاب تنطلق من “الأنا” مصلحتها الشخصية ومصلحة قادتها واقتتلت على مناصب واهية وعلى مناطق صغيرة من أجل السيطرة، واصطنعت المعابر بين أجزاء الوطن السوري الواحد وفرضت الرسوم من أجل مصالحها وازدياد ثروتها، لتغدو إمارات حاكمة مارست فيها استبدادها وقهرها لكل أصوات الأحرار، وقمعت كل صوت يخالف رأيها، حتى لو كان ينتمي لنفس أيديولوجيتها، فمليشيا ” YPG ” أقصت المجلس الوطني الكردي واعتقلت نشطاءه وقادته، والفصائل الإسلامية المختلفة اقتتلت فيما بينها في الغوطة وفي كل مكان تواجدت فيه، ونفذ الجميع أجندات الدول المختلفة التي لا ترغب بمشاهدة الشعب السوري حراً ضمن دولة ديمقراطية تعددية يتساوى فيها جميع المواطنون بالحقوق والواجبات أمام القانون.
مما سبق يمكننا أن نفرق بوضوح بين التيارات السياسية والعسكرية التي حملت مسميات دينية وقومية وبين الأصل، فنحن ندعم حرية العبادة والطقوس الدينية والعبادات المختلفة وحمايتها جزء من مهامنا، ونحن نحترم رجال الدين والتيارات السياسية الدينية ممن لم يسيؤوا للثورة مثل تيار الشيخ عصام العطار وجودت سعيد والشيخ صبحي الطفيلي والشيخ وحيد البلعوس والعديد من رجال الدين الذين يحترمون حقوق الإنسان و يؤمنون بالتعددية و يفصلون الدولة عن الدين، وخلافنا مع التيارات الحالية بسبب إساءتها للثورة، وحرفها لأهدافها من ثورة تهدف للحرية من نظام مستبد قاتل إلى ثورة على قياس مصالحهم الحزبية والفصائلية وضد المحاكم الشرعية والقوانين المقيدة للحريات.

  • Social Links:

Leave a Reply