الإسلامُ_السوريُّ !

الإسلامُ_السوريُّ !

أسد_القصار

وانا أتصفح ألبوم الصور القديمة وجدت صورة جميلة عمرها  ثلاثُ سنوات تجمع  ابني عبد الكريم وصديقه مايكل .

،،،مايكل طفل نيجيري هرب بصحبة أمه باولا من نيجيريا الى ألمانيا لاجئا ، جمعته صداقة قوية مع ولدي بحكم ذهابهما معا الى نفس روضة الأطفال ، ناهيكم عن تواجد مايكل  في منزلنا بعد انتهاء دوام الروضة وبشكل شبه يومي .

الغريب بأن ولدي كان ينادي مايكل ويعرف عنه امام الآخرين ب : Mein Bruder ( أخي) دونا عن كل أصدقائه !

ومايكل يناديه ويُعَّرِّفُ عنه بالمثل … مما أثار تعجب الطلاب والمعلمات والجيران في بداية الأمر .. واعجاب الجميع فيما بعد ، اذ استطاع الطفلان تجاوز كل الفوارق التي بينهما وان يقدما أنفسهما للناس كإخوة … كم كان ذلك نبيلا وجميلا وفطرياً ونقياً .

،، ذات مرة دعتنا باولا  ( والدة مايكل ) الى حضور حفل عيد ميلاد مايكل في الكنيسة الوطنية النيجيرية في مدينة فرايبورغ

وبعد عناء الاستدلال على عنوان الكنيسة التي تكمن في شقة متواضعة في أحد الأحياء الشعبية المتطرفة عن المدينة .. وصلنا

دخلنا الى الكنيسة … وهمت بها حباً منذ اللحظة الأولى … لقد سلبت لبي وأخذتني أخذاً !

لم تكن كنيسةً تقليدية يشوبها الهدوء والرتابة  صلبان وصور وتماثيل وقسيس وجوقةٌ يرددون الترانيم الروحانية  … أبداً

لقد أحسست لوهلةٍ أني في دغلٍ أفريقي تحيط به حشائش السفانا ، موسيقى صاخبة ، غناء صاخب بلحن أفركاني حماسي حربي الوقع ، طبول عالية الصوت ، والجميع …رجال نساء كهول اطفال يرقصون ويقفزون عالياً … على الجدران أقنعةٌ خشبية ملونة كان يرتديها المحاربون القبليون في نيجيريا ، وصورة تشبه لوحة العشاء الأخير الذي تظهر المسيح  متوسطاً اصحابه وامامهم مائدة طعام … الا أن المسيح وكل الموجودون في الصورة كانوا سوداً نعم سود !

قام القسيس الذي كان يرتدي بدلة برتقالية اللون لالقاء عظة بمناسبة عيد ميلاد مايكل … نصف العظة كانت نكاتاً وطرف والنصف الآخر مداعبة وملاطفة لمايكل وختمها بامنياته بأن يبارك الرب كل من أتى الى قداس عيد ميلاد مايكل .

وطوال كل ذلك لم تفارقني الدهشة والمحبة بما أرى وأسمع ثانيةً واحدة … قبل ذهابي قدمتني باولا الى القس .. فعانقني على الفور وعبر عن سعادته بقدومي الى القداس .. وبعد حديث ودي قصير سألته  . . .    لقد رأيت كنيستكم لا كالكنائس التي اعرفها وسمعت عظةً لا كالعظات  ومسيحية لا كالمسيحية التلقيدية  .. كيف تكوَّن

كل ذلك لديكم ؟

تبسَّم وقال . . . بالطبع كل شيئ مختلف … نحن افارقة ونيجريون قبل كل شيئ … والمسيحية التقليدية التي أتى بها لنا المبشرون المحميون من دول استعمرتنا عقودا طويلة  ديانة شرقية الأصل أوربية السمات لم ولن ننتمي لها يوما ولن ننتمي لنا

لذا أبدعنا مسيحية نيجرية أفريقية الهوية .

أعجبني ما قاله القس عن فكرة ( المسيحية النيجرية )

،،وحينما قرأت أكثر عن الموضوع وجدت أن كنائس السود الأفركانية بدأت بالانتشار والانفصال عن  الكنيسة الكاثلوكية والبروستانتية الرسمية كردة فعل على العنصرية الموجهة ضد العبيد في أمريكا مما دفعهم الى بناء مجتمعات دينية مسيحية مستقلة ذات صبغة قومية أفركانية ، فيما بعد وجد المسيحيون في أفريقيا  الأم ضالتهم في هيكلية المسيحية السوداء التي بدعها السود في أمريكا … فانفصلوا بدورهم عن الكرسي الباباوي في روما وقاموا باستنساخ التجربة في بلدناهم .

وانا أستعرض هذه الذكريات … وفي فمي سيجارةٌ أنفثُ مع دخانها الأفكار والخواطر ، سألت نفسي سؤالا معقدا :

… لم لا يكون للسورين.. ذاك الشعب المكون من مزيج سلالي عرقي ثقافي متجانس … متميز في طبيعته وفهمه وتعاطيه والظروف التاريخية والسياسية وحتى المناخية  عما حوله من الشعوب … إسلاما سورياً على نسق المسيحية النيجرية السوداء ؟

الإسلام … هو المكون الأهم والحامل الأكبر للهوية الوطنية والثقافية السورية ، كما يدين به الغالبية العظمى من السوريين . و بالتالي فالبحث في ايجاد  صيغة مثالية وقالب حضاري وحداثي للإسلام في سوريا لهو أمرٌ يجب أن يكون على رأس سلم الأوليات لدينا كأصحاب مشروع ثورة ينبغي أن تكون فكرية وعلمية قبل أن تكون ضد نظام أو حكومة .

إذا ما تأملنا قليلا في إسلام السوريين كمنظومة وأدبيات .. سنجد أنه إسلامٌ غريب لا ينتمي الى السوريين ولا ينتمون له .

فكون الغالبية من المسلمين السوريين يدرجون انفسهم تحت مظلة اهل السنة والجماعة … لهو أمر جبري جاء في سياق نزاع السلطة الاموية في دمشق مع الهاشمين على السلطة … نزاعٌ انتهى منذ قرون وسلطة بادت … وبقي لنا ذاك الانتماء الى احد طرفي النزاع نبراسا ثابتا .

فيما بعد رسخ العباسيون تأصيل هذا الانتماء على يد الشافعي بادع علم الفقه … في مواجهة المعتزلة والخوارج وباقي المذاهب التي دثرت لصالح مدرسة فقهية ترى الحاكم ظل الله على الأرض … مات الشافعي وذهبت دولة بني العباس وبقي هذا الارث ديناً

تتابعت الدول والممالك وصولا الى العثمانيين الذي شجعوا حشد الناس إلى الماتردية والأشعرية خصوصا والتصوف والدروشة عموما في رسالة مضمونها الزهد في الدنيا والانصراف الى العبادة وحقيقتها الهاء الناس عن سلطة قمعية عنصرية تمتص دمائهم وخيرات بلادهم لصالح السلطنة في اسطنبول … سقطت خلافة بني عثمان وبقي التصوف والدروشة سمة بارزة الإسلام في سوريا

عزز هذا التوجه الصوفي المتدروش الزاهد في أمور الدنيا النافر من السياسة ، دعم الحكومات السورية المتعاقبة وخصوصا حكومة حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار الأسد … فأصبحت المؤسسة الدينية الاسلامية الرسمية أقرب الى كونها فرعا للمخابرات يتلقى الاوامر والتعليمات من القيادة اكثر من كونها مؤسسة روحية دينية

في خضم الثورة السورية …ومع صدمة السوريين وقرفهم من انحياز المؤسسة الدينية في سوريا إلى جانب السلطة التي تقتلهم وجدت السلفية الوهابية الصحراوية  السعودية النسخة  الصلفة الجافة موطأ قدم لدى الحاضنة الشعبية من المسلمين المنخرطين في الثورة … فيما يشبه الردة عن كل ما هو صوفي .

#والمحصلة ،،،

أننا أمام منظومة دينية هجينة غريبة عن السوريين … لم نخترها في يوم من الأيام ،بل لطالما فرضت علينا فرضا … اما بحكم القوة من قبل سلطة ما ، وانا كردة فعل اتجاه سلطة ما .

اندلاع ثورة آذار في عام 2011 وكل الاستحقاقات التاريخية التي وضعتنا مجريات الاحداث امامها تحتم علينا أن نعيد النظر في منظومة الإسلام الذي ندين به وان نلغيها تماما ونبدع نسخة ننتمي لها وتنتمي لنا دون جبرية او ظرفية أو ردة فعل اتجاه فعل ما  وان نقتدي بزنوج أمريكا حين بدعوا كنائسهم الخاصة متحررين من كل ارث ديني فرضه عليهم الرجل الأبيض بالقوة

والا … فستبقى هويتنا مسخة مشوهة وسنبقى معلقين في خاتم ابي موسى الذي خلعه من اصبعه وثبته عمرو بن العاص في يده وسنبقى فيما بين رأس الحسين وسوط يزيد وقضيب الأمين ،سنبقى عالقين في حضرات وتلبسات شيوخ المحشي ، أو صلافة القادمين من الصحراء القاحلة .

وليكن إسلاما سورياً متناغما مع شعب سوريا ومكوناتها وظروفها السياسية  وثقافتها وتطلعهم جميعا  الى الحرية والكرامة والديموقراطية والرخاء و والامن و السلام  … إسلاما سورياً بكل ما تعنيه الكلمة … سوريا فقط .

 

أسد القصار

1/6/2020

ألمانيا – زاكسن

  • Social Links:

Leave a Reply