جدلية الريف والمدينة سياسيا

جدلية الريف والمدينة سياسيا

 

علاء الدين حسو_الحوار المتمدن

إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من الذهب، حكمة هامة تجنب من يتقيد بها الكثير من المطبات، ولا يعني أنها صالحة لكل شرط وظرف، فالصمت ضد الطغاة والمستبدين مشاركة صامتة . و الكلام المعبر عن الأفكار كنثر البذور – ولعل هذا سبب اشتاق الثقافة من الزراعة في اللاتينية – في مكان غير مناسب وغير ملائم مما يسبب لصاحبه مشاكل يكون هو المسؤول اﻷول عما يحصل لفكره.

لقد انشغل الناشطون والمهتمون السوريون خلال الأيام الماضية بتغريدات للسيد سمير نشار المعارض السوري المعروف التي يصر فيها على رأيه حول جدلية الريف والمدينة، وللأسف طرحها في مكان عام وغير أكاديمي أو موضوعي سبب له ولنا وللجميع شوشرة تجاوزت المساحة المفترض أن تكون فيها وقد خرجت عن الإطار النقدي، طالت شخصه وأسرته وهذا مرفوض قطعًا، ولكن كما يشير غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير بأن الجماهير عنيفة لا ترحم.

سنحاول في هذه المقالة تناول تغريداته الأربع الأخيرة، علها تحفز المتمكن أكثر من تناولها بطريقة أكاديمية لأنها أوسع من أن تكون جماهيرية، وأرق من أن تصمد أمام الجماهير الغاضبة المتألمة المجروحة. وسنبدأ بالتغريدة الأخيرة التي غردها في الساعة السادسة من صباح التاسع من تموز .

التغريدة الأولى :

في الساعة السادسة من صباح التاسع من تموز غرد السيد سمير نشار على حسابه الشخصي في التوتير

” محزن ومؤسف أن أقول أنني خلال ثلاثة أيام تلقيت حجم من البذاءة لم أتوقعه التي لم تتناولني فقط وإنما عائلتي . أود أن أوضح :

عندما أشعر أني أخطأت مع طفل لدي استعداد للاعتذار منه علنًا أمام الجميع. أما إذا كان الأمر مع قضية رأي، فأني على استعداد أن أدفع حياتي ثمنًا للدفاع عن رأي ”

تضمنت هذه التغريدة شقين : الأول حول تناول شخصه وعائلته و هذا مرفوض و نحن معه، نشجب ونرفض ونستنكر كل من تناول عائلة السيد سمير وحتى شخصه بطريقة سوقية. والشق الثاني إصراره على رأيه ، وأنه ليس من باب العناد وإنما مسألة مبدأ . ونوافقه على ذلك ونتفق معه.

ردنا على تغريدته هذه ستجليها ردودنا على تغريداته اللاحقة، فهي توضح لنا بأن ما حدث له هو بسببه لأنه طرح قضية أكبر من يتسع لها تغريدة لا تتجاوز الأسطر، وفي مكان ليس أكاديمي يخضع للبحث والمناقشة، وإنما طرح رأيه أمام العامة المقهورة التي فقدت مالها وأبنائها وتتوق لليوم الذي تعود إليه إلى وطنها وهو مفلتر من الطغاة الصغار والكبار.

التغريدة الثانية :

غرد السيد سمير نشار في السابع من تموز 2020 تغريدة كتب فيها” كل الانقلابات العسكرية (ثورات) بدءا من انقلاب مصر عام 1952 و انقلاب 14 تموز بالعراق وانقلاب 8 آذار 1963 بسورية وانقلاب ليبيا والسودان لاحقًا هي بمضمونها الاجتماعي انقلاب الريف ضد المدن وكلها أسست لحكم الاستبداد المديد وحكمت بذهنية ريفية أقصت النخب المدينية عن المجتمع والدولة”

هذه التغريدة هي أساس الخلاف مع السيد سمير نشار وتحوي مطبات كبيرة، و طريقة طرحها لم يكن موفقًا وكافيًا.

في البدء، قد يكون هذا الرأي مقتنع هو به، ولكنه ليس له، وإنما هو اختصار شديد لرأي المؤرخ الأمريكي فلسطيني الأصل حنا بطاطو قدمها في محاضرة افتراضية له في جامعة أمريكية وصدرت في عام 1984 تحت عنوان ” الثورات العربية المصرية والسورية والعراقية : بعض الملاحظات حول أسبابها الكامنة وطبعها الاجتماعي” وهي من 16 صفحة حاول المؤرخ حنا بطاطو أن يجيب على عدة اسئلة بأن هل هذه الثورات التي قام بها ضباط من أصل ريفي حققت تقدمًا أو تراجعًا في البلاد وخاصة في مجالي الزراعة والصناعة، وربما هذه المحاضرة هي التي مكنته من الحصول على منحة من الجامعة الأمريكية لكتابة كتابين ضخمين عن الفلاحين في سوريا والعراق في حوالي 900 صفحة. وهنا الخطأ الفاحش الذي قام به الاستاذ سمير أن يقدم بعدة أسطر ما قدمه باحث متخصص في ألف صفحة مع الشواهد التي تدل على رأيه.

أما المطب الثاني في التغريدة هو ربط الريفي بالانقلاب، وكأن الضباط الذين قاموا بالانقلابات أميون حاصروا الإذاعات والمؤسسات الحكومية والعسكرية بالجرارات و انتصروا على الحكومات وقتها بالمنجل و لا يعرفون سوى الحصاد والدرس وليسوا متخرجون من المدارس وليسوا مطلعون ومتعمقون، و متجاهلا دور القوى الدولية والإقليمية في دعم هذه الثورات.

إن كنا نثمن جهد المؤرخ حنا بطاطو ومنهجه في التحليل و لكن لا يعني ذلك موافقته في كل شيء. ولا بد من الإشارة بأن حنا بطاطو أكاديمي وخلفه جامعة أمريكية، وطرح أفكاره في بيئة مهتمة بالتفكير والتحليل، بينما الأستاذ سمير نشار اختار أن ينثر فكره في بيئة جماهيرية لا تقبل هذه الأفكار بسهولة كما قلنا.

التغريدة الثالثة

غرد السيد سمير نشار أيضا ذات اليوم أي السابع من تموز ما يلي” في غمرة الجدل حول الذهنية المدينية والريفية، علينا لحظ التباين المهم التالي: أدوات الاحتجاج بالمدينة ضد السلطة هي المظاهر والإضراب والاعتصام والعصيان المدني، وأدوات الاحتجاج بالريف هي حمل السلاح فقط. ثورة الحرية فشلت عندما تريفت وتأسلمت من قبل قادة الفصائل الريفية.”

هذه التغريدة المصيبة لا أعرف كيف يمكن تفسيرها . هناك خلط واضح بين الاحتجاج والثورة. نعم الاحتجاج يكون في المدن، هل سوريا دولة مدينة؟ هل سوريا طوال الخمسين عامًا الأخيرة دولة مؤسسات ؟ ثم كيف تكون الثورة ؟ كل ثورات العالم في القرن العشرين تبدأ من الريف؟ وحتى الثورة السورية ضد المحتل الفرنسي من أين بدأت؟ هل سمع مثلا بحركة المريدين في شمال حلب؟ كيف قاومت المستعمر الفرنسي وكيف قطعت الكتلة الوطنية (المدنية) دعمها عنها فتوقفت؟

ثم هل سوريا مثل البرتغال في السبعينات حتى تسد زهرة فوهة بندقية؟ كيف كان الوضع مثلا في تشيلي في عهد الدكتاتور بوشيه؟ بل كيف كانت حركة اليسار في تركيا المعروفة بجيل 68؟ وهل الثورات في ريف حلب والجزيرة وحمص والجنوب في بداية الثورة كانت مسلحة؟

إنه قانون ومنهج غيفاري أن تبدأ الثورات في الريف والضواحي لا المدن، والثورة عنيفة لا يوجد ثورة غير عنيفة، وثورة القرنفل في البرتغال استثناء . منطقتنا مختلفة ، نظام الحكم عندنا مختلف، الجيش هو الحاكم وهكذا في كل بلد يحكمه العسكر، واندنوسيا التي ذهب فيها نصف مليون إنسان بحجة قتل سبعة ضباط مشهورة، ومشكلتنا ليست في الريف والمدينة، مشكلتنا في جيش خاضع لمجموعة منحدرة من الريف و متواطئة و متعاونة معها المدينة التي يسّر لها مصالحها، ليدلنا على رجل أعمال أو صناعي أو صاحب كازينو ليس متعاملأ ومستفيدا وشريكا معهم سواء رغبة أو رهبة. من القانون الأساسي للثورة أن تبدأ من الريف، أما حجة ابن الريف متخلف ولا يعرف سوى السلاح، الثورة السورية في بداياتها تفند ما يقول.

التغريدة الرابعة

ونختم بتغريدة له في الثامن تموز يقول فيها ” لغز الفهم المتلبس لدى الكثيرين . نكتب عن الذهنية الريفية أو البيئة الريفية أو أن حمل السلاح من خصائص الريف ، يعتبر هذا التوصيف الاجتماعي هو موقف عنصري، مجرد ذكر التباين بين بيئتين مختلفين بشروطهما الاجتماعية والاقتصادية يعتبر لدى البعض مبررا للهجوم بشكل لا يليق بأدب الحوار”

هذه التغريدة أحوج أن يراجعها السيد سمير ذاته، ويسأل لماذا هذا اللبس الذي لم يصل للناس؟ والسبب واضح وجلي، لا يمكن إجمال المفصل وتجزئته.

سابقا كان المفكرون يستعملون الكتاب للنخبة، والمجلة والدوريات للعامة . واليوم باتت صفحات الفيس هي المجلة أو الدورية، سنظلم أي فكرة إن طرحت دون توضيح كاف. وهذا ما حصل مع السيد سمير حين أراد أن ينقل رأي وتصور حنا بطاطو – التي كتبها حنا بمئات الصفحات- بعشرات الكلمات.

لقد ظلم السيد سمير نشار نفسه وأسرته حين رمى عقب سيجارته في أرض تتهيأ للحصاد .

  • Social Links:

Leave a Reply