انتخابات سورية بإشراف المخابرات والميليشيات

انتخابات سورية بإشراف المخابرات والميليشيات

نصر الحريري

نفذت أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للنظام مسرحية «انتخابية» مملة، كالعادة، ومعروفة النتائج، وفاقدة للروح وللمعنى ولأي قيمة باستثناء كونها إجراءً محضّراً ليتم استغلاله على وسائل الإعلام والكذب والتلفيق التي يديرها النظام أو وسائل إعلام حليفة تدار من قبل أجهزة الاستخبارات في روسيا وإيران. فالجميع يعلم، بما فيها تلك الأجهزة ودوائرها، أن لا قيمة مؤسسية لهذه الإجراءات، وأنها لا يمكن أن تغير شيئاً على الأرض، ولا أن تأتي بأي نتيجة تخالف ما هو مرسوم ومحدد لها. إعلام النظام ركز على الانتخابات في مناطق السيطرة الجديدة التي استعادها من المعارضة كل ما يحيط بهذا العملية يؤكد أنها شأن مخابراتي وليست انتخابات ولا علاقة لها بالشأن السياسي، وهذا في الواقع شأن مجلس الشعب أو البرلمان في سوريا منذ انقلاب البعث على السلطة مطلع الستينات وسيطرته شيئاً فشيئاً على مفاصلها. يمكن ملاحظة ذلك بدءاً بأسماء المرشحين، وبخلفياتهم وبياناتهم و«برامجهم الانتخابية»، وصولاً إلى النظام الذي تتم في ظله هذه العملية الديكورية، أقصد نظام البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية ونظام إعدام المعتقلين وتصفيتهم كما بينت الصور التي سربها قيصر. هذا هو النظام الذي لا يزال يتحكم بمصائر السوريين، ولا يزال للأسف يحتفظ بمقعد سوريا في الأمم المتحدة، والذي اشرف على هذه العملية الأمنية المخابراتية المسماة «انتخابات».

اليوم يعيش الشعب السوري أوضاعاً عصيبة للغاية، نصف السوريين تقريباً يعيشون بصفة نازح أو لاجئ بسبب هذا النظام، بعض مخيمات اللجوء في دول الجوار أصبحت بحجم أكبر المدن في تلك الدول، في تغريبة جديدة يشرف على تنفيذها نظام «المقاومة والممانعة» الذي نجح في تهجير نصف السكان وتدمير أكثر من نصف سوريا وتخريب البنية التحتية لها، وإلقاء نسبة كبيرة من الأجيال الجديدة التي نجحت بالبقاء على قيد الحياة في براثن الجهل والأمية والفقر. اليوم، يرزح في سجون النظام ومعتقلاته الرهيبة أكثر من 200 ألف معتقل، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المختفين قسرياً، تم اعتقالهم واختطافهم وإخفاؤهم على خلفية مواقفهم المعارضة للنظام، في بلد تحكمه القبضة الأمنية منذ نصف قرن، ولا مكان فيه لحرية الرأي ولا حرية التعبير ولا حتى حرية الصمت، فأي نوع من المسرحيات الانتخابية يمكن أن تجرى في هذا البلد دون أن تجلب السخرية الممزوجة بالأسف. أجيال متلاحقة من السوريين لم تعرف سوى حكم هذا النظام الأمني الدكتاتوري، الذي تعاقب على حكمه أب وابنه منذ خمسين عاماً، في إنجاز استثنائي لم تتمكّن من تحقيقه سوى قلة قليلة من ملكيات العالم، إلى جانب كوريا الشمالية ومثيلاتها. نظام انقلب في مطلع الستينيات على حكومة منتخبة، في ظل نظام سياسي تعددي يقبل بنتائج الانتخابات، وفيه أحزاب متعددة، انقلب «البعث»؛ لأنه كان يعلم بأن طريق الديموقراطية وإقناع الشعب مقطوع عليه، وأدخل سوريا في طريق جانبي، أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، بعد أن كانت «مشروع نمر شرق أوسطي» حقيقيّاً.

استغل النظام وأجهزته الاستخباراتية والقمعية كل فرصة لطرح عنصر جديد، يشغل الناس بعيداً عن الوضع المأساوي الذي تسبّبت فيه سياساته وجرائمه. اليوم وفي وقت البلد غارق في كل أنواع الأزمات الاقتصادية والإنسانية والسياسية والصحية والتعليمية والخدمية، يتناول النظام وإعلامه ملف انتخابات مجلس الشعب، ويجرّ الناس إلى مراكز الاقتراع؛ ليضعوا أصواتهم المقموعة في صناديق يعرفون أنها عديمة القيمة، وأن نتائجها محسومة سلفاً. يشتغل النظام على هذا النوع من الملفات بشكل مستمر، ويختلق الأزمات والمعارك، سواء من خلال قضايا موهومة أو جرائم فعلية، من خلال مراسيم وقرارات، أو من خلال فظائع وانتهاكات، وأحياناً عبر عمليات خطف وتفجيرات، كل ذلك لإبقاء السوريين بعيداً عن التحدي الحقيقي، وبعيداً عن مواجهة سبب الأزمات الفعلي، ألا وهو النظام نفسه. * * * كل السوريين، بشكل مؤكد، يعرفون طبيعة هذا النظام، سواء هؤلاء الذين اختاروا طريق الثورة والمعارضة، أو أولئك الذين اختاروا البقاء في صف النظام، فأغلبية هذه الفئة الأخيرة بطبيعة الحال اختارت ذلك؛ خوفاً من جرائم النظام وبطشه، وإدراكاً منها بقدراته على القمع والقتل بلا حدود. كل هؤلاء يعرفون حقيقة النظام، وأنه نظام سيطرة وسلب ونهب وأن كل ما يسعى إليه هو جمع الثروات والاستئثار بالسلطة وإرهاب الشعب. كل هؤلاء يعرفون أن أي كلام يقوله النظام أو عملية «انتخابية»، أو كلام في الحل سياسي، هو مجرد كلام لن يتحول إلى واقع، ولن تكون له قيمة حقيقية على الأرض مطلقاً، وأنه لا يعدو كونه محاولة لتمرير الوقت، ريثما تتغيّر الأوضاع، أو يقوم بافتعال كارثة جديدة تغطي على ما يجري، أو أن تأتي أزمة محلية أو دولية تلهي الناس والعالم عن الكارثة الحالية.

بعيداً عن هذه المسرحية السيئة الإخراج والتنفيذ، والخالية من أي قيمة، يجب أن نحافظ على مبادئ مشروع التغيير الديموقراطي في سوريا ومنطلقاته، وهذا التغيير مرهون حالياً بتطبيق القرارات الأممية 2254 و2118. بالنسبة لنا فإن الانتخابات الحقيقية والشرعية يجب أن تجري بمشاركة الشعب السوري كاملاً، من دون سيف مرفوع فوق رؤوسهم، ومن دون معتقلات وسجون تهدد ضمائرهم، ومن دون مرشحين مفروضين تختارهم الأجهزة العسكرية والأمنية. نحن بحاجة إلى انتخابات يعبر من خلالها المواطن عن إرادته بكامل حرية ومسؤولية، ويختار من بين مرشحين يقدمون برامج انتخابية حقيقية مستقلة، تعكس همومه وتطلعاته وتستند إلى مصالح الشعب السوري واحتياجاته. الانتخابات الوحيدة المقبولة حالياً في سوريا، يجب أن تكون ضمن ديناميكية قرار مجلس الأمن الدولي 2254، وأن تجرى في بيئة آمنة سياسياً وأمنياً وقانونياً، وأن يتم التمهيد لها من خلال تطبيق البنود الإنسانية، وإطلاق سراح المعتقلين، وأن تجري برعاية وإشراف هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، واستناداً إلى عمل اللجنة الدستورية لإنتاج دستور جديد، لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، تشرف على نزاهتها منظمات دولية، ويشارك فيها كل السوريين بمن فيهم المهجّرون، في ظل رقابة من منظمات المجتمع المدني والإعلام.

لم يكن هذا النظام ليتمكن من تدمير سوريا، والبقاء متربعاً على أكوام من الدمار والضحايا حتى الآن، لولا الدعم الذي وفره له حلفاؤه على المستوى العسكري والسياسي والدبلوماسي، وعلى مستوى الشراكة الفعلية في ارتكاب الجرائم بكل أنواعها ومستوياتها، لكن، وبالدرجة نفسها، يمكن القول إن ما يجري في سوريا هو نتيجة طبيعية ومنطقية تسبب بها التأخير والعجز الذي يعيشه المجتمع الدولي تجاه فرض أجندة الحل السياسي على النظام، أو تجاه الفشل المطبق في اتخاذ إجراءات عقابية عن جرائم الحرب التي ارتكبها النظام، والجرائم ضد الإنسانية، واستخدام الأسلحة الكيميائية وتهجير نصف سكان سوريا أو طردهم من بيوتهم. استمرار هذا التأخير يعني أن النظام سيستمر في متابعة خياراته العسكرية.. وكذلك في إجراء مسرحيات من هذا النوع مرة بعد مرة.

استناداً إلى كل ذلك فقد وضعنا على أجندتنا في هذه الدورة الرئاسية مهمة صعبة، لكنها ضرورية ولا بد منها، نريد أن نضع حداً لحالة العطالة الدولية، وأن نحوّل كل الإمكانات المتوافرة إلى إمكانات عملية وفعلية تساهم في تغيير الواقع، نريد حراكاً طموحاً يتمكن السوريون خلاله من استعادة روحهم الثورية، والاتفاق على مجموعة من الأهداف الرئيسية، ووضعها كأولوية حاسمة، يتم من خلالها إجراء تغيير حقيقي على الأرض بالتوازي مع تغيير على مستوى التعامل الدولي مع الملف.. العام القادم، يجب أن يكون عام التغيير الحقيقي في سوريا.

  • Social Links:

Leave a Reply