العلمانية كأسطورة عربية: الدمية تلعب بصاحبها؟

العلمانية كأسطورة عربية: الدمية تلعب بصاحبها؟

حسام الدين محمد – القدس العربي :

بعد نبأ عن اتفاق رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك مع إحدى جبهات المعارضة على إمكان تطبيق «فصل الدين عن الدولة» وتحويل هذا الأمر للجهات المسؤولة لإقرارها، اختارت الكاتبة والإعلامية السورية نسرين طرابلسي هذا الموضوع لطرحه على صفحتها في فيسبوك، سائلة عن رأي القراء بهذه الخطوة، التي عطفتها أيضا على التجربة التونسية.

اعتبر بعض المستفتين أن «هذا هو الطريق» و«الحل الوحيد لكل الشعوب» وأنه «لن تقوم قائمة لأي دولة إلا بعد فصل الدين عن الدولة» فيما أشار البعض إلى أن «تربة السودان القبلية والعشائرية والإثنية والإرث التاريخي، ستجعل من القرار حبرا على ورق» وأن «الأهم هو فصل العسكر عن السياسة».

أشار أحد المعلقين، في المقابل، إلى أن الخطوة، لو طبقت، فهي غير كافية، وأن المطلوب «تطبيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فصل السلطات، حرية الإعلام والتظاهر السلمي، الانتخابات، اللامركزية الإدارية، استقلال القضاء، النقابات والحوكمة الشفافة، ونشر التعليم والصحة». وتوسع البعض في شرح المفهوم وربطه بسياق تاريخي، كما فعل مازن الحلو، الذي استشهد بالمفكر الإنكليزي جون لوك في تعريفه للعلمانية بكونها «فصل الكنيسة عن الدولة» مشيرا إلى أن هذا التعريف يختلف جذريا عن التعريف اللائكي الفرنسي «الشائع عندنا» بأنها «فصل الدين عن الدولة» وموضحا أن «الدين هو فكر وروح الأمة وثقافتها وقيمها، ولا يمكن فصله عن الدولة التي هي مجموع الناس المؤمنين بغالبيتهم» مستنتجا أن دول العلمانية اللائكية «تدعي حماية الدولة من الدين عن طريق التدخل فيه ومحاربته» وأن الدول التي تعتمد النموذج الفرنسي تصطدم مع الدين «ما أدى لوجود ردود أفعال متطرفة».

 

من العلمانية الفرنسية إلى الأتاتوركية

إلى كونه يظهر اختلافات بيّنة في الآراء، وفي طريقة فهم «المسألة العلمانية» فإن النقاش يشير صراحة إلى وجود سيادة في «الوعي العربي» للنموذج الفرنسيّ من العلمانية، فمنه استُوحي، ضمن منطقتنا، النموذج الأتاتوركي (والبورقيبي الذي هو تقليد للأتاتوركي) وجرى في المقابل الابتعاد عن النموذج الأنكلوساكسوني، الذي اتخذ شكلا غير متطرف من الدين، وأدرجته ضمن مسعاها التحرري من الاستبداد، في الحالة الإنكليزية، والخلاص من الاستعمار الإنكليزي، في الحالة الأمريكية.

يستعيد المناقشون لهذه المسألة تجارب الجغرافيا السياسية العربية والإسلامية، مع أنظمة استبدادية استخدمت شعارات علمانية، كالتقدم والاشتراكية والوحدة، للاستبداد بالسلطات الماديّة، عبر هيمنتها المطلقة على مصادر الثروة، وهو ما أدى بالضرورة، لمحاولتها السيطرة أيضا على الرأسمال الرمزيّ الإسلامي، وتحويله إلى مطية سهلة للنخبة الحاكمة وزعيمها الأوحد. أدّت هذه الديناميّة العامّة إلى ردود فعل ثقافية وسياسية كبرى، بحيث دفعت بالإسلاميين بقوة إلى واجهة المشهد، وكان الشغل الأساسي لنخب الأنظمة هو حرف البوصلة عن إشكالية الهيمنة على مصادر الثروة والرأسمال الرمزي، وجعله صراعا أيديولوجيا بحتا بين «التنوير» و«الظلامية» و«التقدم» و«الرجعية» و«الاشتراكية» مع «الإقطاع».

كان طبيعيا، ضمن هذه الدينامية، أن تتمسك قطاعات واسعة بالهوية الثقافية الإسلامية، وأن تصير العلمانية رمزا على فشل الدولة الوطنية الحديثة، وصار الشغل المطلوب، من عتاة الأيديولوجيين المتصارعين على السلطة، هو «فصل الأيديولوجيا عن الواقع».

 

الإسلام و«الجاهلية الجديدة»

يحيل رواج النموذج الفرنسي حول العلمانية عربيا (بتعريفها «فصل الدين عن الدولة») إلى نزوع عامّ نحو فصل القضايا عن بعضها بعضا، وتجريدها والتعامل معها كوصفات سحرية، يمكن نقلها من حال تاريخيّ أوروبي إلى حال تاريخي عربي ـ إسلاميّ، لتصبح «الطريق الوحيد» و«الحل الوحيد» وهو ما قلدهم فيه، في رأيي، إسلاميون رفعوا بدورهم شعار «الإسلام هو الحل» (قبل التركيز، الشكلاني أحيانا، على مسائل العدالة والتنمية) وهو أمر محيّر، ففكرة نقل وزرع العلمانية في الأرض العربية، ناتجة من كونها مفهوما موجودا خارج المجتمعات المسلمة، يمكن نقله وزرعه، بعد الاستيلاء العنيف على السلطة، لإنبات دولة التقدم والاشتراكية. احتاج الإسلاميون المتأثرون بعمق بنموذج الثورة الروسية والانقلاب العسكري الناصري (كما هو حال سيد قطب) إلى هذا السيناريو، وكان الحلّ المنطقي، هو جعل المجتمعات الإسلامية برمّتها «جاهلية» وبهذه الطريقة صار ممكنا زرع بذرة الإسلام في مكان لا يوجد فيه، كما زرع العلمانيون بذرة الاشتراكية والقومية في مجتمعات «جاهلة».

تمثّل فكرة المقصلة، التي ابتكرتها الثورة الفرنسية، والتي تقوم بـ«فصل» الرقاب عن الأجساد، مثالا أيضا عن «العنف الثوري» وفصل الأيديولوجيا عن الواقع، الذي سكن وجدان النخب العلمانية العربية، وصار جزءاً من جهاز «القيم» السياسية، حيث العنف الثوري فضيلة لا تحتاج برهانا. يمكننا اعتبار المقصلة، وتجلياتها العنفية اللاحقة، أيقونة لهذا الهوس العلماني بفصل المجرّد عن المحسوس، والمقدس عن المدنس، وفي النهاية: السياسة عن الواقع. رغم ثقل رطانة الأفكار الجاهزة الثقيلة، من عيار العلمانية هي الحل (أو الإسلام هو الحل) و«الأمة العربية ذات الرسالة الخالدة» فقد أدت مجريات الواقع العربي الحقيقي، إلى انكشاف ألعاب أنظمة الطغيان العربية، في تغيير الأقنعة الأيديولوجية: من الوطنية المعادية للاستعمار (على طريقة «جبهة التحرير الوطني الجزائرية») إلى القوميّة (الناصرية والبعثية) والشيوعية (الحزب الاشتراكي اليمني) وانتهاء بالإسلامية (على طريقة «جبهة الإنقاذ» السودانية).

على اختلاف ملابسها الأيديولوجية، فإن وقائع استئصال الخصوم السياسيين، والهيمنة الشمولية على الفضاء العام، ونشر السجون والتعذيب والقمـــع، يفترض أن تــكون قد أدت إلى المساهمـــة في تفكيك الرطانات الأيديولوجـــية، وإلى إخضاعها لامتحانات الواقع الصعبة، ومع ذلك، كما يقول المثل الإنكليزي، فإن العادات القديمة يصعب التخلّي عنها، بحيث أن الدمية التي اخترعتها النخب، تمتلك حيوات خاصّة بها، وتقوم بالتلاعب بمعتنقيها، أو المرددين الببغائيين لشعاراتها، ورافعي يافطاتها.

 

البسطار التقدمي ومعادي الإمبريالية

ذكر لي الشاعر فرج بيرقدار حكاية رجل يساريّ كان زميله في أحد سجون النظام السوري، ورغم البطش والتعذيب اللذين تعرّض لها، فإن قناعات الرجل حول معاداة النظام الذي يسجنه للإمبريالية، جعلته يؤكد لبيرقدار أنه مع هذا النظام، وسيدافع عنه ضد أعدائه الرجعيين، حتى لو كان بسطار الجلاد فوق رأسه. ينطبق هذا الأمر على عشرات من الشيوعيين السوفييت، الذين أخضعهم نظام الزعيم الشيوعي جوزف ستالين لحملات تطهير حزبية مروّعة أودت عمليا بالكوادر الأساسية للحزب، لكن العديدين منهم ظلوا مؤمنين بالحزب والزعيم الذي أرسلهم إلى معسكرات الموت.

بعد الوجودية في الخمسينيات، والماركسية في الستينيات، صارت العلمانية أكثر الشعارات شهرة وذيوعا لدى كثير من النخب العربية، وتتباين أسباب شيوع دعوة العلمانية، وتوصيفها الرائج بأنها «فصل الدين عن الدولة» لكن أهم أسبابها هو الطلب الرائج عليها من قبل الدولة الوطنية الحديثة، وخصوصا بعد اجتماع فرعيها الموصوفين بـ«التقدمي» و«الرجعي» على العداء الظاهري والوجودي للإسلاميين، والعداء العام لكل أشكال العمل المدني والسياسي والديني والاجتماعي التي لا تنتظم ضمن سياق هيمنة الدولة.

يجب القول إن «العلمانيين» و«الإسلاميين» الذين صاغتهم أيديولوجيات ونظم ما بعد الاستقلال، ساهموا، بطريقتهم، في خوض معارك تساهم، مباشرة أو بشكل غير مباشر، في دعم الطلب على شعار العلمانية (وكذلك، طبعا، الطلب على شعار الإسلام) وهو ما ساهم أيضا في دعم أصول الاستبداد السياسي والديني العربي. بدلا من العمل على الخلاص من الاستبداد، وتقبل الاختلافات الأيديولوجية كجزء من طبيعة الواقع، والتأسيس لنظم ديمقراطية، يخوض الأيديولوجيون العرب حروبا طاحنة تحوّلهم إلى دمى يتلاعب فيها الطغيان بأشكاله ورؤوسه المتعددة.

  • Social Links:

Leave a Reply