المعتقلون السوريون”.. قضية إنسانية تخضع للتجاذبات السياسية

المعتقلون السوريون”.. قضية إنسانية تخضع للتجاذبات السياسية

جيهان الخلف – نينار برس:

أصبح الاختفاء القسري مشكلة عالمية ولم يعد حكراً على منطقة بعينها من العالم وأصبح من الممكن اليوم أن يحدث الاختفاء القسري في أي مكان في العالم تجري فيه حروب وصراعات داخلية، وقد يُستخدم وسيلة للضغط السياسي على الخصوم. وكثر استخدام الاختفاء القسري كأسلوب استراتيجي لبث الرعب داخل المجتمع. فالشعور بغياب الأمن الذي يتولد نتيجة هذه الممارسة لا يقتصر على أقارب المختفي، بل كذلك يصيب كل الأشخاص المحيطين بهم ليمتد إلى مجتمعاتهم. التي تتأثر مباشرة جراء اختفاء المعيل الوحيد للأسرة، بالإضافة إلى تأثرها من تدهور الوضع المالي للأسر وتهميشها اجتماعياً.

 

اعتمدت الجمعية العامة في قرارها 133/47 المؤرخ 18 كانون الأول/ديسمبر 1992 حسب الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، واعتبرته مجموعة مبادئ واجبة التطبيق على جميع الدول، وإن الاختفاء القسري حسب تعريف الجمعية هو: “القبض على الأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم رغماً عنهم أو حرمانهم من حريتهم على أي نحو آخر على أيدي موظفين من مختلف فروع الحكومة أو مستوياتها أو على أيدي مجموعة منظمة، أو أفراد عاديين يعملون باسم الحكومة أو بدعم منها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، برضاها أو بقبولها، ثم رفض الكشف عن مصير الأشخاص المعنيين أو عن أماكن وجودهم أو رفض الاعتراف بحرمانهم من حريتهم، ما يجرد هؤلاء الأشخاص من حماية القانون”.

 

وبمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري والذي صادف في 30 من أغسطس أقامت منظمة” فريدوم جاسمن” المختصة بمجال حقوق الإنسان للمعتقلين والمفقودين والتوثيق والمناصرة بالتنسيق مع الحركة القانونية العالمية حيث حضر ممثلاً عنها المحامي تيري فلايتي وهيلين عساف وشيرين الأعرج من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون سوريا في الداخل بالإضافة للمحامية ياسمين بنشي.

ورشة في غازي عينتاب حضرها عدد من أهالي الأشخاص المختفين قسرياً منذ انطلاق الثورة مطلع عام 2011.

 

حيث قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي التاسع الصادر بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري إن النظام السوري كان المسؤول الرئيس عن اختفاء قرابة 85% من إجمالي حصيلة المختفين قسرياً. ووفقاً للتقرير فإنَّ غالبية ضحايا الاختفاء القسري قد جرى اعتقالهم خلال الأعوام الثلاث الأولى من انطلاق الحراك الشعبي (2011 – 2012 – 2013) حيث شهدت هذه الأعوام أكبر موجة من الاعتقالات وبالتالي من الاختفاء القسري بهدف كسر وتحطيم الحراك الجماهيري وإصابته في مقتل.

 

ويهدف الاختفاء القسري إلى ترويع وإرهاب المجتمع عبر تعريض قسم من أبنائه إلى لمصير مجهول، وتحويلهم إلى مجرد إشارات استفهام، وما يتبع ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية.

 

ولا تقتصر جريمة الاختفاء القسري على أسرة الضحية فقط، بل تمتد إلى عائلاتهم التي ترزح تحت وطأة الفقدان والانتظار الطويل والعجز في ظلِّ انعدام أية إجراءات قانونية يستطيعون القيام بها لمساعدة الضحية بسبب السطوة الأمنية لأجهزة المخابرات المسؤولة عن الاعتقال والاختفاء القسري، ومعاناة نفسية مستمرة لعدم معرفة مصير أحبتهم.

 

 

إنصاف نصر – مرشدة تربوية

تقول السيدة إنصاف نصر لنينار برس: إن زوجها اعتقل في مدينة دير الزور منذ أربع سنوات ولا تزال تجهل مكان اعتقاله ولا تعرف مصيره حتى اللحظة وحالها مثل حال الكثيرات وإن الألم والأمل هو من أصبح يرافقهن كل يوم وطالبت نصر بمعرفة مصير زوجها الذي أثر اختفاءه على عائلتها بشكل كبير وإن أطفالها الثلاثة يفتقدون والدهم كثيراً وهي تعجز عن إيجاد أجوبة مقنعة لهم.

 

تضيف السيدة نصر العاملة بالإرشاد التربوي أنها تدخل في حالة نفسية غير متوازنة وقد تمتد لشهور بسبب ما تقابله من حالات تشابه حالتها فكثير من عائلات الضحايا التي تعمل نصر على مساعدتها من خلال اختصاصها كمعالجة نفسية. وتؤكد نصر أن النساء في أغلب الأحيان هي من تتحمل وطأة الصعوبات الاقتصادية الخطيرة التي عادة ما تصاحب حالات الاختفاء

 

فالمرأة هي التي تتصدر الكفاح في معظم الأحيان لإيجاد حل لقضية اختفاء أفراد من أسرتها. وقد تتعرض المرأة، بقيامها بذلك، للمضايقات والاضطهاد والانتقام. وعندما تقع المرأة نفسها ضحية الاختفاء، فإنها تصبح معرضة بشكل خاص للعنف الجنسي ولغيره من أشكال العنف.

 

أما السيد فضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فقال في حديث لنينار برس: إن الشبكة وثقت ما لا يقل عن 148191 شخصاً لا يزالون قيد الاعتقال/الاحتجاز أو الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ آذار/2011 حتى آب/2020، بينهم 130758 لدى النظام السوري، بينهم 3584 طفلاً، و7990 سيدة، فيما لا يزال ما لا يقل عن8648 بينهم 319 طفلاً و225 سيدة مختفون لدى تنظيم داعش، و2125 بينهم 19 طفلاً و33 سيدة لا يزالون قيد الاحتجاز أو الاختفاء القسري لدى هيئة تحرير الشام.

 

وبحسب التقرير فإنَّ ما لا يقل عن 3262 شخصاً بينهم 324 طفلاً و786 سيدة لا يزالون قيد الاحتجاز أو الاختفاء القسري لدى المعارضة المسلحة/الجيش الوطني، إضافة إلى وجود ما لا يقل عن 3398 شخصاً بينهم 620 طفل و169 سيدة لا يزالون قيد الاحتجاز أو الاختفاء القسري على يد قوات سوريا الديمقراطية.

 

 ياسمين بنشي – محامية

المحامية” ياسمين بنشي” قالت لنينار برس: إن ورشات المعتقلين والمفقودين ضرورة للتوعية على متابعة قضايا المختفين قسرياً والمعتقلين والتوثيق والسماع لمشاكل عائلات المفقودين ومتابعتها من مشاكل قانونية واجتماعية وكانت متنوعة بين الوصاية على الأولاد بالإضافة للمشاكل الصحية والنفسية والمادية بسبب فقد أبناءهم وعدم معرفة مصيرهم وحاولنا التركيز على الجهات الدولية والإنسانية التي تعنى بمتابعة شؤون المعتقلين والمفقودين للتوثيق والمتابعة معهم ومحاولة الكشف عن مصيرهم إن أمكن ذلك كما قمنا بتدوين بعض المطالب والملاحظات من قبل ذوي المختفين والتي تمحورت حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأوراق الثبوتية ومتابعة دراسة أبناء المعتقلين.

 

وطالب تقرير الشبكة السورية لحقوق الانسان أهالي الضحايا وذويهم بمزيد من التعاون من أجل إيصال أكبر قدر ممكن من الحالات إلى فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري، مُشيراً إلى أن فريق العمل في الشبكة السورية لحقوق الإنسان يعمل بشكل متواصل من أجل بناء علاقات واسعة مع أهالي المختفين قسرياً وتحصيل أكبر قدر ممكن من البيانات وتخزينها ضمن قاعدة بياناتنا الخاصة بالمختفين قسرياً. وأضاف التقرير أن توزع المختفين قسرياً يكون حسب أماكن اعتقالهم وليس الأماكن التي تنحدر أصولهم منها وكانت محافظة ريف دمشق بحسب التقرير قد شهدَت الحصيلة الأكبر من ضحايا الاختفاء القسري، تليها حلب ثم دمشق.

 

السيدة امتنان أم بدر التي اعتقل زوجها منذ بداية الأحداث قالت لنينار برس: إنها أم لطفلين وإن بعض الجهات الرسمية تطلب منها وثائق تثبت اعتقال زوجها واختفائه وهي تعجز عن ذلك لأن النظام هو من اعتقل زوجها أثناء عمله وهي تجهل مصيره حتى اللحظة.

 

وكثيراً ما تزداد محنة الأسرة من جراء العواقب المادية للاختفاء القسري. ذلك لأن الشخص المختفي غالباً ما يكون هو المعيل الرئيسي للأسرة. وقد يكون هو الفرد الوحيد في الأسرة. وما يزيد معاناتها التكاليف الإضافية التي تتكبدها إذا قررت البحث عن ابنها حيث تقع ضحية الابتزاز والنصب من قبل مستغلي ظروفهم لمعرفة أخبار أبنائهم.

 

وتضيف أم بدر أن بطاقة المساعدات المقدمة لها من الهلال الاحمر قد توقفت وهي ترفض استخراج أي وثيقة غير صحيحة عن وضع زوجها فالمنظمات الإغاثية والإنسانية لا تعترف بما يسمى معتقلاً أو مفقوداً وتطالب ذويهم بأوراق ثبوتية يعجزون عن استخراجها من جهات رسمية معترف بها ما يضطر بعضهم إلى السعي وراء أوراق مزورة مثل بيان وفاة في سبيل الحصول على المساعدات وهذا ما ترفضه امتنان فهي لا تزال تعتقد بعودة قريبة لزوجها.

 

وعمل النظام السوري منذ مطلع عام 2018 على تسجيل جزء من المختفين قسرياً في قوائم الوفيات عبر دوائر السجل المدني، وبلغت حصيلة الحالات الموثقة بحسب التقرير ما لا يقل عن 991 حالة كشف النظام السوري عن مصيرهم بأنهم قد ماتوا جميعاً بينهم 9 طفلاً و2 سيدة منذ مطلع عام 2018 حتى آب/2020 لم يكشف عن سبب الوفاة، ولم يقم بتسليم جثامين الضحايا لأُسرهم أو إعلامهم بمكان دفنهم. وتحول قرابة 65% من إجمالي المعتقلين إلى مختفين قسرياً ولم يتم إبلاغ عائلاتهم بأماكن وجودهم، وفي حال سؤال العائلة تُنكر الفروع الأمنية والسلطات وجود أبنائهم، وربما يتعرَّض من يقوم بالسؤال لخطر الاعتقال وأضافَ: إن بقية أطراف النزاع مارست جريمة الإخفاء القسري كتنظيم داعش وهيئة تحرير الشام.

 

تيري فلايتي – محامي دولي

لقد حزنت جداً لما سمعت من شهادة ذوي المعتقلين والمختفين حتى أنني شعرت بمدى الألم الذي تعاني منه الأمهات والزوجات، وصلني شعور مؤسف للغاية لا أستطيع نسيان دموع تلك السيدة وهي تتحدث عن ابنها الذي تشتاق لضمه، أنا أتمنى بكل صدق عودة أبنائكم إليكم. أنا شخصياً لم أتعرض لمثل هذه التجربة ولكني شعرت بكم. هذا تعليقي كإنسان على ما سمعت ولكن جوابي للكثير منهن كمحام دولي، إننا كمنظمات دولية نعمل بشكل متواصل من أجل الوصل إلى حلول لكشف مصير أبنائكم المعتقلين والمختفين عند النظام ولكن لا نستطيع كجهة حقوقية ودولية معرفة المزيد من المعلومات كون النظام يرفض التعاون معنا في هذا الجانب وهو ما يزعجنا كمنظمات وأفراد وهو يخرق كل المعاهدات والبروتوكولات الدولية والعالمية التي وقع عليها. لا نستطيع أن نعدكم بالكثير ولكن نطلب إليكم ونؤكد على ضرورة التوثيق كونه هو الطريق الوحيد لكم للحصول على العدالة التي تبحثون عنها وحتى تستطيعون محاسبة مرتكبي الجرائم بحق أبنائكم.

 

هل يستجيب مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة لمطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان لعقد اجتماع طارئ لمعرفة مصير قرابة 100 ألف شخص، كما طالبهم تقرير الشبكة بالعمل على الكشف عن مصير المختفين قسرياً بالتوازي أو قبل البدء بجولات العملية السياسية ووضع جدول زمني صارم للكشف عن مصيرهم، كما أكدوا على متابعة قضية المعتقلين والمختفين قسرياً وتسليط الضوء عليها ضمن جميع الاجتماعات السنوية الدورية، وتخصيص جلسة خاصة للنظر فيها كما حثَّت المفوضية السامية لحقوق الإنسان على إعداد تقرير خاص وتفصيلي يُسلِّط الضوء على هذه الكارثة بأبعادها النفسية والاجتماعية والاقتصادية كافة ودعم منظمات حقوق الإنسان المحلية الفاعلة في سوريا. وأوصى التقرير الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري لدى الأمم المتحدة بزيادة عدد العاملين في قضية المختفين قسراً في مكتب المقرر الخاص المعني بحالات الاختفاء القسري في سوريا؛ نظراً لكثافة وحجم حالات المختفين قسرياً فيها، واستمرار المضايقات التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان، وأقارب الضحايا، والشهود، والمحامون الذين يعنون بقضايا الاختفاء القسري، وإنَّه لا حل سياسي دون حل قضية المختفين، التي يجب أن تسبق جلسات المفاوضات.

 

والمعروف أن المجتمع الدولي بأكمله قد فشل في الإفراج أو الكشف عن مصير مواطن سوري واحد مختفٍ قسرياً عبر تسع سنوات، فكيف سوف ينجح في إتمام عملية انتقال سياسي نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبدلاً من الكشف عن مصير السابقين فإن أعداداً إضافية من المواطنين السوريين يختفون قسرياً، وبشكل رئيس من قبل قوات النظام السوري، إنها بدون شكٍّ تُشكِّل جريمة ضدَّ الإنسانية.

  • Social Links:

Leave a Reply