الإنتفاضات الشعبية العربية من منظور قانون تفاوت التطور اللينيني

الإنتفاضات الشعبية العربية من منظور قانون تفاوت التطور اللينيني

هيفاء أحمد الجندي – الحوار المتمدن : 

لكل ثورة منطقها الخاص بها ، وتنبع هذه الخصوصية ، من تمايز التشكيلة الإقتصادية –الاجتماعية لكل بلد ، ولذلك لا يمكن أن نتعاطى مع السيرورة الثورية ، على أنها واحدة ومتشابهة ، إذ تختلف ثورات الأطراف المستعمرات ، عن ثورات المراكز من حيث أن الأولى ،هي سيرورة مركبة معقدة لأنها ثورات ديمقراطية- اجتماعية وذات مهام تحرر وطني.على عكس الغرب الذي تجاوز مرحلة الثورات البورجوازية الديمقراطية ، وقطع مع الأشكال الما قبل رأسمالية ، والفضل يعود إلى البورجوازية كطبقة والتي لعبت دوراً ثورياً وتقدمياً في مرحلة صعودها ، ومن ثم تحولت إلى امبريالية احتكارية ، غزت عالم الأطراف وأعاقت تطوره وكرست أشكال حكم بورجوازية كولونيالية تابعة ، حددت لها دور الوسيط والذي يتجلى بنقل الفائض الى المراكز وهذا ما يفسر استحالة الثورات البورجوازية في البلاد العربية .

وبناء على سبق، لا يمكن قولبة الانتفاضات الشعبية العربية ، ضمن صيغ جاهزة ونمطية وضمن تصورات مسبقة ، وبات من الضروري العودة إلى المنهج المادي الجدلي ، كي ينتج الشباب، فكرهم الماركسي الثوري الجديد، بناء على التحليل الملموس للواقع الملموس، وهذه ستكون الخطوة الأولى على طريق إنتاج نظرية الثورة العربية.

لا بد من القول بداية بأن الأوضاع الثورية ، والأزمات العامة تختلف من بلد إلى أخر، ولا يمكن تعميم الأوضاع ،على كل البلدان من حيث القوى المحركة، والتعيين الواقعي للطبقات وهذه العوامل مجتمعة ، تساهم في نضج الأزمات والوعي والصراع الطبقي إذ ليس من الضروري ، أن ترتبط الأزمة السياسية العامة الثورية بالتطور الاقتصادي (تطور القوى المنتجة) وهذا ما برهنت عليه الانتفاضات الشعبية العربية ، إذ لم يأخذ الصراع الطبقي شكل صراع بين طبقتين متمايزتين بل صراعاً بين الطبقات الشعبية المفقرة الغير المتجانسة ضد الطبقة المسيطرة مالياً واقتصادياً ، وهذه سمة الدولة العربية والتي كانت وعلى مدار الحقب التاريخية ، تحتكر وسائل الانتاج وتصادر الملكيات وتشفط الفائض وتجني الضرائب ، ما أعطى للدولة العربية سمة الركود التاريخي .الأمر الذي أعاق تطور الصراع الطبقي بين طبقتين أساسيتين، الإقطاع في الريف والبورجوازية في المدن أضف الى ذلك ، التغلغل الامبريالي الذي أعاق تطور القوى المنتجة ، وهذا يفسر عدم وجود نمط إنتاج صاف ، بل فسيفساء ومساكنة بين أنماط الإنتاج المتعددة وبذلك تكون الانتفاضة العربية ، قد تمردت على فكرة ماركس ، بأن الانتفاضات لا يمكن أن تندلع ، إلا في البلدان الصناعية المتقدمة ، وحدد ماركس الشروط التاريخية لتحقيق الثورة الاجتماعية ، عندما تتحول البنية من نظام إلى أخر، بفعل التناقض الأساسي الاقتصادي وعندما تصل القوى المنتجة ، إلى مرحلة معنية من تطورها، تدخل في تناقض حاد مع علاقات الإنتاج، فتصير هذه العلاقات عقبة في وجه القوى المنتجة ، وتبدأ عندها مرحلة الثورة الاجتماعية في هذه الشروط التاريخية ، لتطور التناقض الأساسي تظهر ضرورة الثورة داخل منطق التاريخ ، وتبنى المناشفة وتحديداً بليخانوف فكرة ماركس هذه والذي أخذ من الماركسية جانبها العلموي الارتقائي الميكانيكي الحتمي الذي أكد بأن الاشتراكية هي النتيجة الحتمية لتطور القوى المنتجة وهذا يعني ، إرجاء الثورة الاشتراكية إلى أجل غير مسمى إلى أن تنضج الشروط الموضوعية للثورة الاشتراكية ، لينين الذي خالف ماركس و المناشفة و برهن على أن الماركسية ليست نظرية مطلقة ، ومخططاً إلزامياً لجميع المجتمعات، بل هي دليل عمل ومرشد وتفسير لتكوين اقتصادي- اجتماعي محدد، وهو الذي اكتشف قانون تاريخي هام ، وهو قانون “تفاوت التطور”في تناقضات البنية الاجتماعية واستطاع وعلى ضوء هذا القانون أن يحدد ومن خلال النضال الثوري إمكانية الثورة الاشتراكية في بلد واحد وعلى ضوء هذه الإمكانية النظرية تتحدد الثورة كضرورة عملية ، لا بد من تحقيقها وصاغ لينين قانون “”تفاوت التطور على ضوء التجربة التاريخية للامبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية ، محدداً إمكانية الثورة في بلد واحد وفي شروط تاريخية محددة ، ولم يكتشف لينين هذا القانون كنتيجة جهد فكري مستقل عن النضال العملي، بل أتى كحل نظري لمشكلة عملية طرحها النضال الثوري في روسيا.

ومن هنا أتت أهمية ارتباط التفكير النظري عند لينين بالواقع الاجتماعي التاريخي، فالممارسة النظرية عنده كانت تمرداً على حاجة عملية ثورية وكان شديد الانتباه للشروط التاريخية الجديدة التي لم تكن مماثلة للشروط التي تحقق فيها النشاط النظري عند ماركس.

والشيء الجديد الذي استحوذ على تفكير لينين ، هو انتقال الرأسمالية إلى مرحلة الإمبريالية وكان الشرط التاريخي لاكتشاف قانون تفاوت التطور، وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية هذا القانون في فهم التطور الخاص بالمجتمعات العربية الكولونيالية وبالعلاقة الكولونيالية ، التي تربط البلدان المستعمرة بالمستعمرة والذي يأخذ شكل تطور تفاوتي- تناقضي وهو الأساس النظري لفهم واقعنا الاجتماعي وفق تعبير مهدي عامل.

وعلى ضوء قانون “تفاوت التطور” تمايز لينين عن ماركس والمناشفة الذين اعتبروا الفلاحين طبقة رجعية ومتأخرة فكرياً ويمكن أن تكون السند للحكومة الأتوقراطية ، وعندها رفع لينين ، شعار تحالف العمال والفلاحين في بلد نام ومتخلف عائم على بحر من الفلاحين وأقلية عمالية ، و ركز على الشروط التي تجعل من الفلاحين طبقة ثورية ، مبرهناً على أنه يمكن بناء الاشتراكية في بلد نام ومتخلف وليس بالضرورة ، أن يكون بناءها ،مرتبطاً بثورة عمالية في المدن ، كما توقع ماركس الذي أكد على ضرورة الثورة البورجوازية وعلى تحالف العمال والبورجوازية ضد الاقطاع وكل أشكال الحكم المطلق والتقليدي، قبل أن تبدأ مرحلة الصراع بين البورجوازية والعمال، لأنه و في المرحلة التي تسبق هذا الصراع لا تقاتل البروليتاريا ، عدوها المباشربل عدو عدوها ، ولكن البورجوازية خانت دورها الديمقراطي وتحالفت مع ألد أعداء العمال ، وعندما اندلعت ثورات 1848كانت خطة ماركس أن تكون البروليتاريا حليفة البورجوازية ، في المعركة ضد الإقطاع والحكم الملكي المطلق ، ولكن نذالة البورجوازية وجبنها ، لا يقفان عند حد فهي على استعداد ، لا أن تتحالف مع الرجعيين وحسب ، بل مستعدة أن تبيع نفسها لهم وهذا بالضبط ما قامت به البورجوازية الألمانية التي دفعها الذعر من البروليتاريا إلى طلب النجدة من الرجعيين الإقطاعيين ، وإلى تقديم شتى أنواع التنازلات لهم.

وبدورها عزت روزا لوكسمبورغ هزيمة الثورة الألمانية ، والتي لم تكن مكتملة منتهية بأنها انفجرت ، في منتصف التطور الرأسمالي فكان أن أعاقها من الجانبين تناقض رأس المال والعمل وغالباً ما تنتهي الثورات الغير مكتملة بتسويات تخدم مصالح الأمراء والملوك والبورجوازيات ويعود ذلك إلى ضعف البورجوازية وتخاذلها وعدم اتخاذها ، موقفاً حازماً إلى جانب الثورة الفلاحية وانحيازها الى الاقطاع ، ولم تكن البروليتاريا قد تكونت حينها كطبقة ، ولم تكن القيادة الثورية جاهزة لإنجاح الثورة الديمقراطية ، ودفعت هذه الشروط المتخلفة الفلاحين الذين شكلوا قوة رجعية لأن يتحالفوا مع الجيش ، ضد الثورة وهذا ناتج عن التناقض بين تعاظم المهمة و الشروط الواقعية لانجازها ، في المرحلة الأولى من الثورة والتي عادة ما تتسم بالطفولية والعفوية ، كما أن الاغتراب الرأسمالي لم يكن قد أصبح شاملاً ، وهذا أعطى مصداقية للتحليل الذي قدمه المفكر اللبناني مهدي عامل عن تناقضات ومستويات البنية الاجتماعية ، والذي اعتبربأن الثورات التي تندلع في الزمن البنيوي ، وقبل أوانها سيكون مصيرها الفشل لأنها خاضعة لإيديولوجيا العالم القديم ، وسيأخذ الصراع الطبقي شكلاً دينياً ، كحال الثورات الفلاحية التي هزمت وسحقت على مر الأزمان والعصور، والتي كانت كناية عن ثورات طبقية لكنها هزمت لعدم كفاية الوعي والتنظيم وكانت خاضعة لإيديولوجيا العالم القديم ، والشروط ذاتها كانت متخلفة إذ كان الصراع الطبقي ، يخطو خطواته الإولى وقد يكون التحليل الذي قدمه مهدي عامل وكما ورد في “مقدماته النظرية” دالة عمل منهجية ونظرية تسمح للبعض أن يفهم الأسباب العميقة لهزيمة الثورات في مراحلها وأطوراها الأولى.

يرى مهدي بأن التاريخ لا يتكون في إطار الزمن البنيوي ، بل في إطار القطع في تطور البنية الاجتماعية ، وفي إطار القطع تكون الحركة المحورية في البنية الاجتماعية حركة انجذابية ، أي حركة تجذب إلى مركز التناقض السياسي كتناقض رئيسي ، بقية التناقضات الاجتماعية كلها وعندها يظهر الصراع الطبقي على حقيقته كصراع سياسي ، والشكل الرئيسي للصراع لا يكون سياسياَ ، إلا في إطار القطع الثوري وعندها يتحرك الصراع الطبقي في تماثل مع جوهره الاجتماعي ، كصراع سياسي في لحظة تاريخية حاسمة تتسيس فيها مختلف التناقضات الاجتماعية ، وتقفز الجماهيرإلى مسرح التاريخ ، وتثبت بأنها القوة التي تصنع هذا التاريخ.

والشكل الرئيسي المسيطر في الصراع الطبقي في إطار الزمن البنيوي ، هو بشكل عام الايديولوجي – الاقتصادي وهذا يكون نتيجة الممارسة السياسية للطبقة المسيطرة ، التي تمنع الطبقات الخاضعة لسيطرتها الطبقية ، من أن تمارس الصراع الطبقي ممارسة سياسية ، لأن الممارسة السياسية للطبقات الشعبية ، هي إجراء تحويل ثوري في علاقات الإنتاج الطبقية القائمة أي محاولة لانتزاع السلطة من يد الطبقة المسيطرة ، التي تعمل على إعادة إنتاج العلاقات التي تحقق لهذه الطبقة سيطرتها الطبقية.

وعلى ضوء هذا التحليل ، ينبغي دراسة كل مراحل السيرورة الثورية ، اذا كانت في إطار زمنها البنيوي أو في زمن القطع الثوري ، والإغفال عن هذه الشروط التاريخية والاجتماعية يحول بعض المفكرين والشباب الثائر إلى مغامرين ، لأن للثورة شروطها وإظهار الممارسة الايديولوجية بمظهر الممارسة السياسية ،هي مرض طفولي، وقد تفشل الطبقة الثورية في أن تكون ثورية في ممارستها السياسية للصراع الطبقي ، عندما تخوض صراعها هذا بإيديولوجيا غير ثورية خاضعة لسيطرة ايديولوجية الطبقة المسيطرة ، وهذا ما يفسر فشل بعض الحركات الثورية ، وعلى سبيل المثال لا الحصر فشلت ثورات 1848 لأنها مارست صراعها الطبقي ، في ظل السيطرة الايديولوجية البورجوازية ، وكانت الإخوة شعاراً لهذه الثورة و لقد انجرفت بروليتاريا باريس في تيار الإخوة الوهمية بين الطبقات و رأى ماركس بأن الفشل هذا هو نجاح لها من منظور التاريخ ، لأن وعي البروليتاريا الطبقي لم يتبلور، ولذلك خاضت صراعها إلى جانب البورجوازية بدلاً من أن تكون ضدها ، وهذا الغموض في الوعي الطبقي كان من أخطر العقبات التي منعت البروليتاريا ، من تحقيق العملية الثورية ومبرهنة على أن شرط النجاح يكون باستقلاليتها عن بقية الطبقات.

من المستحيل فهم واقعنا الاجتماعي، وتحويله ثورياً قبل القيام بتحليل تاريخي اقتصادي للبنية الاجتماعية ، وشرطه الأساسي الارتباط العضوي بين النظري والعملي الثوري. وعلى ضوء ما سبق يمكن القول بأن الانتفاضات العربية هي انتفاضات ناضجة لأنها خاضت صراعها السياسي ، بوعي طبقي ثوري مستقل عن إيديولوجيا الفكر البورجوازي، وبرهنت وعلى ضوء قانون تفاوت التطور اللينيني بأنه يمكن أن تندلع الثورات، في بلدان متخلفة طرفية ومستعمرة ، وأثبتت عدم صحة مقولة أن التاريخ هو نتاج لبنية علاقات الإنتاج وهو قول يستند في أساسه ، إلى الاقتصادوية وهذه الأخيرة عاجزة عن فهم التاريخ وتكونه ، لأنها تجهل وضع السياسي في البنية الاجتماعية وأشكال وجوده في تطورها.

ولا بد من التأكيد بأن كل البلدان العربية كانت تعيش أوضاعاً ثورية ، وفق المنظور اللينيني إذ لم تعد الطبقات العليا ولا الدنيا ، تستطيعان أن تواصلا العيش ، بالطريقة القديمة دون أي تغيير ودلائل هذا الأوضاع أن تنشب أزمة في القمة يسفر عنها صدع وضعضعة للفوق، وأن يتفاقم بؤس الطبقات المضطهدة ويشتد شقاءها ، ولكن ينبغي أن يرافق التغييرات الموضوعية ، تغيراً ذاتياً يكمن بقدرة الطبقة الثورية ، على القيام بالأعمال الثورية ، إلى الحد الذي يجعلها تخلق تصدعاً وتحطيماً في بنية الحكم القديم . وهذا سيقودنا إلى القسم الثاني ، من هذه الدراسة والتي ستكون مخصصة للكتابة ،عن التنظيم ، وقبل البدء لا بد من إجراء إضاءة سريعة لطبيعة وشكل الصراع الطبقي اليوم، وخاصة بعد التغييرات التي طرأت على عالم العمل المأجور والرأسمال.

بداية لا بد من القول ، إن أي مفهوم للاستغلال يجب أن يبنى على نظرية القيمة ، فبمقدارما تتغيرالعلاقة بين العمل والقيمة ، يتغير فهمنا للاستغلال والذي عرفه ماركس بلغة مقادير وقت العمل مثل نظرية القيمة ، ودرجة الاستغلال تطابق زمن العمل الفائض ، أي ذلك الجزء الذي يتعدى الوقت اللازم لكي ينتج قيمة تساوي الأجر، الذي دفع له فوقت العمل الفائض والقيمة الفائضة الحاصلة خلال هذا الوقت ، هما المفتاح لتعريف ماركس للاستغلال ، هذا المقياس الزمني وفر لماركس ، بنية فكرية ملائمة وواضحة، كما جعل نظريته قابلة للتطبيق المباشر في عصره على صراع العمال لكي يقللوا مدة يوم العمل. وعملية الانتاج الرأسمالية لا تنطوي فقط على إنتاج سلع بل هي عملية ، تمتص العمل الغير مدفوع وتجعل من وسائل الإنتاج وسائل لاعتصار العمل الغير مدفوع سيما وأن إنتاج فائض القيمة ، هو غاية الإنتاج الرأسمالي، والمصدر الأساسي للاستغلال هو رأس المال المتغير، وهو الجزء من النقود الذي خصصه الرأسمالي لقوة العمل والحصول على فائض القيمة ، يتأتى من زيادة ساعات العمل المجانية ، أو زيادة الإنتاجية وتخفيض ساعات العمل.

ومع تراجع التوظيف في القطاع الإنتاجي في زمن هيمنة رأسمالية الاحتكارات المعممة ، برز استغلال جديد والذي لم يعد مقتصراً على الاستغلال الآنف الذكر، وهو استغلال العمل اللامادي وفق تعبير انطونيو نيغري ،الذي اعتبربأن المشترك العام الذي تمت مصادرته ، حل محل فائض القيمة وهو استنتاج لا يخلو من المبالغة وعدم الدقة! وهذا الاستغلال للعمل اللامادي الذي لا ينتج سلعاً بل أفكاراً ومعلومات ومعارف ، وهنا تكون دائرة الاستغلال قد توسعت ، وشملت ما أسماه بالمشترك العام ، وهو الاستيلاء الخاص على جزء من القيمة أو كلها، والتي أنتجت قيمة مشتركة عامة وبذلك يكون قد تغير شكل وآلية الاستغلال ، مع ثبات العلاقة الرأسمالية لأن المسألة تتعلق بمن يملك و يحتكر و يخصخص الفضاء العام ، وأمسى العامل اليوم يتنقل بين المصانع وازدادت نسبة البطالة وأصبحت أعداد متزايدة من العمال يمارسون العمل بضعة أشهر أو بضعة سنوات ، وانعكس ذلك على سوق العمل ـ والكثير من المصانع أخذت تجزىء العمل الباهظ التكلفة.

لا ضير من القول بأن استغلال قوة العمل المادية واللامادية ، التي تنتج المعلومات والمعرفة والأفكار والصور والعلاقات إضافة الى البريكاريا وهي العمالة الموسمية المؤقتة وما اصطلح على تسميتها بطبقة الوحل ويقصد بها الأفراد العاديون والمستخدون في الأقسام الإدارية والساهرون على أداء الأعمال المكتبية ، وليس في مواقع الانتاج هذه الشريحة لا تنتج فائض قيمة ، وهي الطبقة الاجتماعية الثورية الصاعدة التي أطلقت شرارة الانتفاضات ، واحتلت الفضاء العام والتي تتعرض لاستغلال رأس المال الاحتكاري والذي أصبح معولماً في زمن حرية تنقل و عولمة الرساميل.

التنظيم الثوري كشرط للإطاحة بالطبقات المسيطرة :

من البداهة القول بأن التنظيم الثوري هو صمام أمان ،الحركات الاحتجاجية الشعبية يحصنها و يحميها من الأمراض التي يمكن أن تفتك بها ، كالمغامرة والتجريب والفوضوية ،بحال بقيت عفوية وهذه العفوية التي تستغلها قوى الثورة المضادة ، كي تعمل على تفكيك الانتفاضة واختراقها من الداخل مما يؤدي إلى تشتيتها وتذريرها ومن خلال أجهزة هيمنة ناعمة ، تسمح للطبقة المسيطرة أن تعيد إنتاج هيمنتها الطبقية وبذلك تعمل على تأبيد القائم ، وتحضرني هنا فرضية “توماس هوبز” عن الحرب الأهلية ، والتي يعتبرها حالة أصيلة للمجتمع الإنساني، وصراع معمم بين أفراد ويتعين على الناس حتى تضمن البقاء والنجاة من الحرب المميتة ، أن يتفقوا على عقداً يمنح الزعيم حق الفعل المطلق أو السلطة المطلقة.

وبالمقابل ولكي تقطع الحركة الاحتجاجية الطريق على تكتيكات الثورة المضادة التي تهدف إلى تفكيك التحت وتشتته وتذرره ، ينبغي أن تفكر بالتنظيم الذي يحافظ على تماسك التحت وعلى الوعي الطبقي الثوري للطبقات الشعبية ، ولا ضيرمن القول ، بأن الأشكال التنظيمية المرتبطة بالقرن العشرين قد انتهت ، ولا سيما حزب الأقلية الأكثر وعياً وثورياً ، الذي ينطلق من القمة والذي يأخذ زمام المبادرة ويطيح بالسلطة ، كطلقات مسدس في غير أوانها وفق تعبير روزا لوكسمبورغ وينتهي به المطاف حزباً بيروقراطياً ، حزب برامج الحد الأدنى و التسويات والتنازلات وهذه الأحزاب التي كان يحتقرها ماركس الذي كان ينتظر، تحرير البروليتاريا من البروليتاريا نفسها وينظر إليها كذات ثورية صانعة للتاريخ وبالفعل كانت السليقة الثورية عند عمال الكومونة، قد تفوقت على القيادات والأحزاب وبحسها السليم ، كانت تنتقل من الإضراب إلى الانتفاضة وهذا الانتقال توقعته البروليتاريا قبل قادتها ولم يستطع ماركس استباق الكومونة ليس كحدث فقط وإنما كشكل اجتماعي في التنظيم ، ولا لينين استبق السوفياتات فقد استخلصا النتائج من نضال البروليتاريا.

و بالعودة إلى انتفاضات اليوم لا بد من القول ، بأنها انتفاضات مثقفة وواعية وروح المقاومة والكفاح عالية لديها ، ولكن مع التنظيم يمكن أن تصبح أكثر نضجاً الأمر الذي يسرع التطور، ويشحذ التناقضات و يمكن أن تغذي المظالم الاقتصادي – الاجتماعية الصراع الطبقي ، و يمكن أن ينبثق عن المجالس الثورية ولجان المقاومة في الأحياء ما يشبه النواة التنظيمية القاعدية الملتحمة مع المثقفين الثوريين وهذه النواة وتستحق وعن جدارة مسمى “لأمير الحديث” ، والتي ستحقق أهداف الانتفاضات وسيقع على عاتقها تحديد الشعارات الثورية وتقديم رؤية وبرامج عمل كاملة تناسب كل مرحلة وتضبط إيقاع الحركة الثورية مداً وجزراً ، و لقد انتهى زمن القيادة الفردية الكاريزماتية والقيادة اليوم ستختارها الجماهير وستخرج من قبل الساحات والفضاء السياسي الحيوي العام وهذه القيادة الجماعية لم تعد بحاجة إلى وصاية النخب الأكاديمية المتعالية الفاسدة وصاحبة النظم الفكرية المغلقة ، وهذا الشكل الحديث من التنظيم ، سيخلق إرادة جمعية لدى الطبقات الشعبية وسيكون الناظم لهذه الإرادة ، والتي ستمكنها من تجاوز القائم وكل ما من شأنه أن يحبس نضالها ضمن القائم ، وسيمنحها وعياً عضوياً سيحصنها ويمنعها من الانزلاق إلى مواقع الفكر السائد، ومن السير وراء شعارات وبرامج البورجوازية وهو على الضد من الوعي الزائف والإصلاحي الذي يأتي إلى الطبقات الشعبية من الأحزاب البيروقراطية والسلطوية ، وبهذا الالتحام التاريخي بين الطبقات الشعبية وأميرها الحديث تكون قد نضجت شروط الإطاحة بأجهزة الفوق الهيمنية المتعددة الأشكال والمستويات وهنا يكمن الفرق بين الإطاحة قبل أوانها وبصورة مصطنعة و بين استيلاء جماهير واعية ومنظمة وقبل هذه الإطاحة يمكن أن تعتمد الجماهير، تكتيكات ثورية كالإضراب الجماهيري وفي كل إضراب يكمن تنين ثورة وفق تعبير لينين ، هذه الإضرابات التي يكرهها الليبراليون ولا يفهمها الثورجيون التي يدعون إليها قبل نضج شروطها كما أنها يمكن أن تعتمد ، العصيانات المدنية كتكتيك ثوري فعال وخاصة إذا نضجت ظروفه وفق الشروط التي حددها لينين أن يكون هناك طبقة تقدمية واندفاعة ثورية ، شريطة أن تكون هذه الاندفاعة ، في أعلى ذروتها ويكون الضعف والتردد في صفوف الأعداء في ذروته أيضاً ، وعندها يتقدم الأمير الحديث ، ويقدم برنامجه الكامل لأنه في حالة قوة ، والخصم في حالة ضعف وانهيار ويتم عزل الفئة المهيمنة وتحت قيادة الأمير الحديث ويهدم بوليس الفوق الايديولوجي الذي يفبرك أوهام الطبقة المسيطرة وأفكارها المضللة ويبني أجهزة هيمنته الثورية النقيضة للسائدة .

وفي هذه المرحلة يكون الصراع الطبقي ، قد اقترب من ساعة الحسم وعندها تكتسي عملية التفكك طابعاً سريعاً ودراماتيكيا بحيث تنفصل شريحة من الطبقة المسيطرة ، وتنضم إلى الطبقة الثورية . ليس إلا نضال الطبقات الشعبية وأميرها الحديث ، القادرين على قلب النظام القديم. وهكذا تكون قد نضجت الميول الموضوعية ، للانتقال إلى المرحلة التي تلي الإطاحة بالفوق أي مرحلة بناء الاشتراكية الديمقراطية لأن القوى الذاتية تبلورت قاعدياً ، من تحت وليس عبر جهاز بيروقراطي فوقي أطاح بالسلطة و قبل أوانها .

الانتقال إلى الاشتراكية :

لم يكن يعتري ماركس وانجلز وحتى روزا لوكسمبورغ ، أية شكوك حول ضرورة استيلاء البروليتاريا على السلطة ، بدل إجراء تغييرات شكلية على المجتمع القديم ولا يمكن للطبقات الشعبية ، أن تستولي على السلطة قبل الأوان ، ووجود الأمير الحديث يأمن التطور السلمي للثورة ، وبرفعه لشعار كل السلطة للطبقات الشعبية والتي بلغت مستوى عال من النضج الثوري والسياسي ، والذي يخولها أن تكون قوة ثورية متماسكة ونقيضة للسائدة وحتى تبقى متماسكة ، ينبغي أن تصبح دولة ولكي تصبح دولة عليها أن تخضع القوى النقيضة إلى حد تصفيتها ، وفق ما ذهب إليه غرامشي ، وهي قادرة بعدما حافظت على استقلالها الذاتي وعلى وعيها الطبقي الثوري وبالسبل والوسائل السلمية و بذلك تثبت بأن الماركسية أبعد ما تكون عن فكرة أن الصراع المسلح هو الطريق الثوري الوحيد ويصلح لكل الظروف والأحوال . والاستيلاء على السلطة سيكون بمثابة الخطوة الأولى على طريق الهدم الجذري ، والذي يطال بنية علاقات الإنتاج الطبقية أي علاقات الملكية وهو هدف كل ثورة اجتماعية ، على عكس الثورة السياسية التي تهدف إلى إحداث تعديلات شكلية على القديم ، أي استبدال ملكية بملكية أخرى. والسبل والوسائل السلمية التي أوصلت الطبقات الشعبية إلى السلطة ، ستضمن أن تكون الاشتراكية ديمقراطية ، ولا يكون لها أي نفع اذا لم تستخدمها الطبقات الشعبية لاتخاذ تدابير موسعة نحو بناء الاشتراكية ولن تكون بالمهمة السهلة و اليسيرة في بلد نام ومتخلف ، تتربص به الامبرياليات والثورات المضادة من كل حدب وصوب ، والتي يمكن أن تفتك بهذا الوليد الثوري الاشتراكي الجذري الديمقراطي، ولكي تحمي ديمقراطيتها الشعبية عليها أن تمارس ديكتاتوريتها ، في المرحلة الانتقالية والتي أكد ماركس على ضرورتها لأنه وفي هذه المرحلة ، لا تزول الطبقات وستبقى طوال فترة ديكتاتورية الطبقات الشعبية وعندما تزول الطبقات ، تصبح الديكتاتورية عديمة الجدوى ولكن الطبقات لا تزول من دون ديكتاتورية المجالس الشعبية والنضال الطبقي لا يزول في هذه المرحلة الانتقالية أيضاً ، بل يرتدي أشكالا أخرى طالما لم يتم القضاء على الرأسمال المالي العالمي ، سيما وأن التحالف الطبقي الخاكم ليس سوى فرع من فروعه ، وما هي التدابير والخطوات التي يمكن أن تتخذها القوة الثورية في المرحلة الانتقالية؟

عليها أن تحد من الملكية الخاصة وبفرض ضرائب تصاعدية عالية على التركات وتنزع الملكية التصاعدية للملاكين والصناعيين ، وتصادر أملاك المهاجرين الخاصة والأهم من كل هذا وذاك ،أن تعمل على مركزة نظام القروض وتجارة المال بحيث تكون في أيدي الطبقات الشعبية وتلغي كل المصارف الخاصة وتضاعف عدد المصانع والمعامل وتكون تحت إشراف وادارة العمال ، بحيث يصبح كل الرأسمال في أيدي المجالس الشعبية وعندها ، سوف تسقط الملكية الخاصة من تلقاء نفسها ، ولا تتشابه دولة الطبقات الشعبية مع رأسمالية الدولة والتي عقد بعض المفكرين آمالهم عليها في المرحلة الانتقالية لكونها تمتلك وسائل الانتاج وتلعب دوراً محفزاً للنشاط الرأسمالي من خلال توليد الفائض الاقتصادي ، والتأميم وملكية الدولة لا تعنيان الاشتراكية ، علاوة على أن جهاز الدولة يمكن أن يتضخم وتتحول إلى رأسمالية برأسماليين ، كما حصل في الاتحاد السوفيتي إذ كان التركيب الاقتصادي- الاجتماعي الروسي متخلفاً وكان يعيش ظروف حصار سياسي واقتصادي ساهمت به كل الامبرياليات مما استوجب القيام ، ببعض الإجراءات لبناء القاعدة المادية ولم تكن مهمة البلاشفة بناء الاشتراكية فوراً بل تحطيم إرث الماضي وإقامة أشكال انتقالية ، وينبغي التفريق بين هذه الاجراءات التي فرضتها ظروف الحرب الأهلية وغزو الجيوش الأجنبية” كشيوعية الحرب” وكانت ضرورة للانتصار على الحرب الأهلية حيث أخضعت الصناعة لتجهيز الجيش الأحمر وأصبحت جميع الصناعات ، جزءاً من الاستراتيجية العسكرية ، وكانت المهمة الرئيسية للدولة تحويل فوائض متزايدة من قطاعات الفلاحين وخصوصا الحبوب لتمويل عملية الانتاج للقطاع العام .

وغني عن البيان القول ، أن زمن الثورات العنفية قد انتهى وثورات اليوم ستكون سلمية الطابع مع وسائلها وتكتيكاتها أيضاً ، لأن العملية السياسية ستكون منظمة ديمقراطياً وثورياً من تحت وتبلور البديل الثوري الطبقي العالمي ، واعتماده تكتيكات مواجهة سلمية مبتكرة وخبيثة وذكية كالاضرابات والعصيانات كفيل أن يجعل الرأسمال المالي الاحتكاري العالمي الذي خصخص الفضاء العالم ينهار، وبناء الاشتراكية مرتبط ارتباطاً عضوياً بمواجهة الامبريالية ، والنضال الشعبي الطبقي اليقظ والخبيث ضد الامبريالية يعني النضال من أجل بناء الاشتراكية !

  • Social Links:

Leave a Reply