جيفري: سوريا أصبحت مستنقعًا.. والأسد يجب أن يُحاسَب

جيفري: سوريا أصبحت مستنقعًا.. والأسد يجب أن يُحاسَب

أسامة آغي_عنب بلدي

تصريحات جيمس جيفري الأخيرة في معهد “بيروت”، بتاريخ 30 من أيلول الماضي، يمكن اعتبارها رسائل أمريكية واضحة الدلالة لجهات متعددة، مثل النظام السوري وروسيا. هذه الرسائل هي تكثيف للموقف الأمريكي حيال الصراع السوري، وهي رد صريح على ما أدلى به لافروف في دمشق، الذي اعتبر الوجود الأمريكي في سوريا غير شرعي، لأنه لم يتم نتيجة استدعاء النظام للأمريكيين.

فكرة استدعاء النظام لقوات وميليشيا أجنبية لقتل الشعب السوري، تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية، ولهذا يبدو الوجود الروسي في سوريا، الذي أتى على قاعدة استدعاء النظام له، وجودًا غير شرعي، لأنه لم يأتِ بقرار دولي من مجلس الأمن، بل أتى على قاعدة نصرة النظام في قتل شعبه، والروس شاركوا بهذه المذبحة.

وحين يصف جيفري سوريا بأنها أصبحت مستنقعًا، فهذا يعني أنها غدت ورطة سياسية وعسكرية للروس، ولحلفاء النظام الآخرين، هذه الورطة، لن يستطيع الروس الخروج منها دون أن تتم العملية السياسية، على قاعدة تطبيق القرارات الدولية، وبالذات القرار 2254، الذي عمل الروس، ولا يزالون يعملون على إفراغه من مضمونه، لمصلحة أجندتهم في السيطرة على سوريا وثرواتها، وموقعها الجيوسياسي.

القراءة الأولى لتصريحات جيمس جيفري تذهب بنا إلى التأكيد على أن محاولات الروس سحب حل الصراع في سوريا لمصلحة أجندتهم الخاصة ستبوء بالفشل، فالروس لن يستطيعوا متابعة دعم النظام، والدفاع عما فعله بشعبه، ولن يستطيعوا منع انهيار الوضع الاقتصادي للنظام نتيجة عقوبات قانون “قيصر”.

تصريحات جيفري بخصوص نوايا النظام السوري القيام بعمليات عسكرية في المناطق التي هي خارج سيطرته، تصريحات واضحة الدلالة، فقد قال جيفري: “إن نظام بشار الأسد لن يسيطر على المزيد من الأراضي في سوريا، وإنه يجب عليه التأقلم مع هذا الواقع عاجلًا أو آجلًا”.

هذه التصريحات يمكن رؤيتها من أكثر من زاوية، الزاوية الأولى تعني أن النظام ممنوع عليه القيام بعمليات عسكرية في إدلب، أو شمال حلب، أو شمال شرقي سوريا، فإذا تورط وقام بها، فستكون وبالًا عليه وعلى حلفائه، وقد جرّب النظام مثل هذه المحاولة في حربه الأخيرة على إدلب، فكادت أن تقضي عليه لولا التدخل السياسي الروسي مع تركيا.

أما الزاوية الثانية فتعني أن سوريا ستبقى في وضعها الحالي تحت نفوذ قوى متعددة، وهذا النفوذ يمكن أن يستمر أو يزول تبعًا لرضوخ نظام الأسد للقرار 2254. بمعنى آخر، فإن جيفري قال بالفم الملآن للنظام: “على النظام التأقلم مع هذا الواقع عاجلًا أو آجلًا”

وحين يُمنَع النظام من القيام بعمليات عسكرية في إدلب أو غيرها، فهذا يعني انتهاء حلمه من تحقيق نصر عسكري، يريد أن يستخدمه من أجل استمراره في حكم البلاد وقهرها، ويعني أيضًا عدم قدرته على تلبية حاجات السكان الذين يعيشون تحت حكمه، فالمناطق الواقعة خارج سيطرته هي سوريا المفيدة.

إن رهان النظام على الخروج من عنق زجاجة العقوبات الأمريكية والغربية، هو رهان الغريق على قشة يمكنها إنقاذه، فالروس لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا، التخفيف من وطأة عقوبات قانون “قيصر”، والدليل على ذلك، ما تشهده مناطق النظام من أزمات خطيرة، تتعلق بالخبز والغذاء والطاقة الضرورية للعمل.

جيمس جيفري لم يخفِ ما تريده الولايات المتحدة، إذ قال: “أمريكا تريد تطبيق القرارات الدولية، وبالذات القرار 2254، وتريد محاسبة مجرمي الحرب والإرهابيين”. هذا الوضوح الأمريكي أتى مع تشديد جيفري على وجوب محاسبة الأسد على أفعاله وجرائمه التي ارتكبها بحق شعبه، وممارسته لكل الطرق الوحشية لقمع السكان.

تصريحات جيمس جيفري لم تقف عند هذا الحد، حيث ذهبت إلى التعرّض لروسيا، من زاوية محددة، يريد الروس أن يقوموا بدور فيها، هذا الدور يرتبط بمحاولة الروس تغيير ركائز الوضع الأمني في إقليم الشرق الأوسط، حيث سيُستبدَل النظام الذي عمل عليه الأمريكيون منذ سبعينيات القرن الـ20.

الروس يريدون أن يكون تدخلهم في سوريا هو قاعدة عملهم على تغيير النظام الأمني في المنطقة، وهذا يكشف عن نوايا استراتيجية روسية، بالعودة إلى المربع السابق في الصراع مع الغرب عمومًا، ومع الأمريكيين خصوصًا، هذا المربع، يعني أن تطرح روسيا نفسها ندًا سياسيًا وعسكريًا للولايات المتحدة في هذه المنطقة الحيوية، وكذلك على المستوى العالمي.

أي بمعنى آخر، يريد الروس أن يلبسوا ثوب قوة الاتحاد السوفيتي السابق، الذي يظنون أنهم ورثته بكل المجالات، لكن هذا الثوب يحتاج إلى شروط أخرى لم تعد روسيا تمتلكها، وأولها شرط الاقتصاد والتكنولوجيا، فالروس يعتقدون أن قوتهم النووية شرط لنديتهم للأمريكيين، وهذا يدخل في حساباتهم الخاطئة.

الأمريكيون يدركون الطموحات الروسية بهذا الخصوص، ولهذا قال جيفري: “إن روسيا لا تستطيع أن تطمح بوضع نظام أمني إقليمي، يستبدل النظام الذي وضعناه مع أصدقائنا العرب والأتراك وإسرائيل”.

هذه الحالة تفترض أن يراجع الروس استراتيجية تدخلهم في سوريا، وتفترض أن يقوموا بعد ذلك بمحاولة تعديل مخرجات سياستهم، فبغض النظر عن طبيعة وبنية النظام الروسي الحاكم، الذي يقوده بوتين، وهو نظام استبدادي ورث الاستبداد عن النظام السوفيتي، لن يستطيع الروس أن يستمروا بإيهام ذاتهم أنهم ند وكفء للأمريكيين وللغرب.

تصريحات جيمس جيفري الأخيرة أغلقت الأبواب أمام “الشطارة” الروسية، التي يجود بها الخطاب الدبلوماسي الروسي، فهذه التصريحات حددت تخوم لعب النظام، ومقدار اللعب الروسي في حماية هذا النظام، وصار واضحًا لدى الروس أن يعملوا على ملاقاة السياسة الأمريكية بشأن الملف السوري.

لقد كان جيمس جيفري واضح الرؤية، حين قال إن واجب الولايات المتحدة “أن توفر بيئة صالحة للشعب السوري، كي يتمكن من اختيار من سيحكمه، ومن يُخضعه للمساءلة، عندما تستدعي الضرورة ذلك”. وهذا يعني أن السوريين هم من يختارون قياداتهم السياسية وفق قاعدة تداول السلطة.

بقي أن نقول، إن مربع الحل السياسي للصراع السوري لا يزال قيد مناورات روسية، مناورات يعتقد الروس أنها ربما تمنع فرض مضمون القرار 2254، هذا القرار الذي يستبدل بالنظام الاستبدادي نظامًا آخر يحترم حقوق الإنسان وتداول السلطة ، وتسمح لهم (أي للروس) بإبقاء الورقة السورية بحوزتهم، ما يتيح لهم مزيدًا من الهيمنة والسيطرة على هذا البلد، ولكن هذه المناورات محفوفة بمخاطر قد تلحق بروسيا ذات يوم.

  • Social Links:

Leave a Reply