اغتيال حلفاء الروس أم اغتيال دور روسيا في الجنوب*

اغتيال حلفاء الروس أم اغتيال دور روسيا في الجنوب*

*علي عيد – “زمان الوصل

قبل أسبوع واحد من مفاوضات “بصرى الشام” التي شارك فيها قادة فصائل الجنوب وبينهم أدهم الكراد وبالتحديد يوم 23 حزيران ـ يونيو 2018، أرسل الداعم الأمريكي رسالة تخلّ عبر “واتس آب” جاء فيها “نفهم أنكم يجب اتخاذ قراركم حسب مصالحكم ومصالح أهاليكم وفصيلكم كما ترونها، وينبغي ألا تسندوا قراركم على افتراض أو توقع بتدخل عسكري من قبلنا”.

خلال نفس الفترة كان الطيران الروسي يدكّ عددا من المناطق بالطائرات، ويغطي تقدّم قوات نظام الأسد وميليشياتها باتجاه اللجاة وبصر الحرير والكرك الشرقي والمسيفرة والمليحات بريف درعا الشرقي.

وصدر وقتها بيان عن الأمم المتحدة يؤكد “تشريد آلاف المدنيين الذين يتجه أغلبهم صوب الحدود الأردنية”.

وتحدثت أوساط إعلامية ودبلوماسية وقتها عن تفاهم أمريكي روسي لتسليم الأخيرة الملف الأمني في الجنوب مقابل ضمان منع وصول إيران إلى مسافة 40 كيلومتراً من الحدود مع “إسرائيل”.

التذكير بتاريخ المفاوضات وما سبقها مهمّ للغاية للتأكيد على نقطتين: الأولى أن ما حصل في الجنوب قبل اتفاقات المصالحة ومنذ اندلاع المواجهات وتشكيل فصائل الجيش الحرّ كان يخضع بالأساس لمزاج الدول المنخرطة في غرفة “موك”، وأن فصائل الجيش الحرّ كانت بالأساس تحاول الدّفاع عن مصالح المجتمع المحلّي في الجنوب عبر مقاربات وجهد مضن سببه تحكّم القوى الدولية، وأشير أنني شهدت في الربع الأخير من عام 2014 تفاصيل تؤكد أن الموك لم تتحرك يوما لتحرير الجنوب من سيطرة قوات النظام بل منعت هذه الخطوة، وحيث كنت أغطي إعلامياً إحدى المعارك على بوابة درعا الشمالية كان الجيش الحرّ يقترب من السيطرة على مواقع النظام في الملعب البلدي والطريق الدولية ومحاصرتها في جيوب في درعا المدينة، إلا أن مكالمة من مسؤول استخباراتي عربي نافذ لأحد القادة أكّدت أن تحرير تلك المنطقة خطّ أحمر، وأن أي تقدم سيكلف وقف الدّعم نهائياً.

النقطة الثانية، هي أن الفصائل المحليّة كانت أمام ثلاثة خيارات إما المضي في المواجهة بدون ذخيرة، وهذا يعني أن مئات الآلاف من المدنيين سيكونون عرضة للقتل والتشريد، أو الانتقال إلى إدلب، أو البقاء في الأرض والقبول بترتيبات مع الضّامن الروسي، وتحقيق ما يمكن تحقيقه من ضمانات ومكاسب، والانتقال إلى فهم اللّعبة بصورة أفضل، حيث بدا أن التفاهم الأمريكي الروسي أصبح ناجزاً، وهذا بالفعل ما حاولت بعض الفصائل الاشتغال عليه، بالتركيز على قائمة من المطالب، من بينها عدم دخول قوات النظام، وإطلاق المعتقلين، وقضايا أخرى تتعلق بالملاحقين والمنشقين، وانخرطت وقتها قوى وشخصيات فاعلة على الأرض في المفاوضات بينهما أدهم الكراد وبشار الزعبي وأحمد العودة قائد لواء شباب السنة في بصرى الشام، وكان ثمّة فصيل تابع لـ”تحرير الشام” فضّل خيار الانتقال إلى إدلب.

استطاعت القوى المحليّة في بصرى الشام تأمين معادلة استقرار يصاحبه منع لدخول قوات النظام، وكان الشرط الروسي هو اقتصار مشاركة الفصيل الذي تحول إلى ما يسمى “اللواء الثامن” التابع للفيلق الخامس في عملياته العسكرية على محاربة تنظيم الدّولة، وحصل ذلك الأمر في عدد من المناطق بينها ريف السويداء.

ومن جهة ثانية كانت المجموعات المتمركزة في درعا البلد على تواصل جيّد مع الروس، واستمرت رعاية حميميم للمفاوضات مع نظام الأسد حول بعض النقاط العالقة، إلا أن معادلة الأمن في مدينة درعا كانت مختلفة، إذ حققّ الإيرانيون بالتنسيق مع مخابرات الأسد اختراقات واضحة، وقاموا بتجنيد الكثير من عناصر المصالحات لتنفيذ عمليات اغتيال سواء في الريف الغربي أو درعا المدينة أو المناطق المحيطة، وكان آخر تلك العمليات اغتيال أدهم الكراد وأربعة من القادة في الجيش الحرّ سابقاً في عملية أمنية تشير المعلومات إلى أن من نسّق لها هو فرع الأمن العسكري في السويداء والذي يتزعمه لؤي العلي، وهو شخص عارف بتفاصيل درعا التي قضى فيها سنوات منذ بداية الثورة كرئيس لقسم الأمن العسكري هناك.

خلال الفترة التي تلت اتفاق المصالحة وتشكيل اللواء الثامن، بذل الروس مستندين إلى تفاهمهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل جهودا مضنية لمنع تغلغل قوات يديرها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله بالتعاون مع الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد، واستطاع الإيرانيون تجنيد أكثر من 2500 شاب ومنشقّ في عدد من المناطق، وهي أرقام غير رسمية، بينما وصل عدد المنضوين في قوات اللواء الثامن نحو 1500 عنصراً، إلا أن الإيرانيين بدأوا الالتفاف من الجهة الشرقية عبر السويداء وشكلوا مجموعة بالتنسيق مع قوات الدّفاع الوطني الموالية لها يبلغ تعدادها نحو 600 عنصر، وهو الفصيل نفسه الذي افتعل الاشتباك مع اللواء الثامن بعد هجوم على نقاطه على تخوم بلدة القريّا من ثلاثة محاور نهاية أيلول ـ سبتمبر المنصرم.

يأتي اغتيال أدهم الكراد، وقبلها محاولة اغتيال أحمد العودة بعبوة ناسفة يوم 17 أيلول ـ سبتمبر، وهجوم “القريّا” كإشارات واضحة على أن تلك العمليات تأتي لأكثر من هدف منها ضرب التفاهم الروسي الأمريكي الإسرائيلي حول تأمين منطقة خالية من النفوذ الإيراني في الجنوب، واستخدام المنطقة كورقة تهديد بيد الإيرانيين.

كما تهدف تلك العمليات إلى إضعاف الدور الروسي، وتقويض النموذج الناجح لمنطقة مؤمنة في شرق درعا، حيث لاقت التجربة قبولا اجتماعياً نتيجة حالة الاستقرار في بصرى الشام والقرى المحيطة، وبدء تشكّل نواة تجربة إدارة مدنية.

في الجانب الاجتماعي يمكن فهم حالة التذمّر لدى البعض من الشخصيات التي وقعت على التفاهمات مع الروس، كما لا يمكن إنكار دور تلك التفاهمات بإضعاف موقف أطراف أخرى رفضت الانخراط في هذا المسار، إلا أن الخيارات الضيقة والمحدودة، ووجود تلك القوى في جزر محاصرة بعد إغلاق الحدود الأردنية، ووقف الدعم بكل أشكاله يطرح تفاضلاً بين التحالفات، ويدفع للتفكير في الأولويات، إذ لا بدّ من تدوير الزوايا للحفاظ على من تبقى من السكان ومنع مزيد من عمليات التهجير، وفي حالة الجنوب لا يمكن الرّكون إلى المعجزات، وأي مقاومة على الأرض يجب أن تبدأ بتأمين الحواضن وضمان استمرار صمودها، ويجب أن يتذكر الجميع أن الحليف الأمريكي لم ينجز مصالح السوريين، وهو ما ينطبق على الروس وربما العرب، كما يجب دائماً التأكيد على مقولة “عندما تتصارع الأفيال فإن الخاسر هو العشب”.

  • Social Links:

Leave a Reply