الشهرة في الصحافة.. الوهم الكبير

الشهرة في الصحافة.. الوهم الكبير

عبد الله السعافين_الجزيرة

يقينا أن من أبرز آثار ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات صعود دور التلفزيون، بالإضافة إلى ترسيخ أهمية الإعلام الرقمي بكل أشكاله، باعتبارهما مصدر المعلومات المفضل لدى الجماهير، على حساب تراجع وسائل الإعلام التي توصف بالتقليدية مثل الصحف والإذاعات. فإذا استوقفك أحدهم في الشارع ليقول لك: رأيتك في التلفزيون البارحة، فهذا لا يعني بالضرورة أنك مميز وخارق، وإنما يعني أن التلفزيون بات وسيلة واسعة الانتشار يشاهد الناس كل من يظهر على شاشته، ومن ضمنهم أنت بحكم عملك مذيعا أو مراسلا أو معلقا.

يعتقد فريق من الطامحين والطامحات إلى الشهرة من العاملين والعاملات في وسائل الإعلام المختلفة، أن أقصر طريق للشهرة هو اتباع وسيلة “خالف تُعرف” في العمل الصحفي، التي يغلب عليها كيل الاتهامات لأصحاب السلطة والنفوذ بلا دليل أو معلومات.. هذا الصنف من الصحفيين في عجلة من أمرهم.

الذي لا خلاف عليه أن نقد أصحاب النفوذ والسلطة وكشف أخطائهم وتسليط الأضواء على عيوبهم، هو جوهر عمل الصحافة الذي يجعل منها سلطة رابعة. لكنْ أن يصل الصحفي إلى درجة الافتراء وترديد الأكاذيب، أو اعتبار أن كل عمل إيجابي خلفه بالضرورة مؤامرة ما، هو سلوك يعجّل بسقوط صاحبه، فضلا عن أنه يجعل مهنيته ذاتها موضع تساؤل. الأسوأ من كل هذا، أن يُقدِم بعض الصحفيين على فعل ذلك بدافع تصفية خلافات شخصية، أو انتقامًا لنفسه لشعوره بالظلم أو عدم الإنصاف من قبل مؤسسات أو أشخاص، فهو بذلك يستخدم الصحافة كما يستخدم الشرطي في بلادنا العصا، لا فرق على الإطلاق.

إن مصطلحات مثل: الصحفي الناجح، والإعلامي المشهور، لا تعني شيئا إن لم يتمتع الصحفي بالمسؤولية ويكون مجتهدًا ومخلصًا في عمله، وأن يتحلى بروح الإبداع، وأن يثقف نفسه ليكون غنيًّا بالأفكار.

تقول مذيعة “بي تي في” البلغارية الشهيرة فيكتوريا بتروفا التي قضت حوالي عقدين من الزمن في الإعلام مكتوبًا ومسموعًا ومرئيًّا: “كل صحفي يبقى عالقًا في الأذهان من خلال آخر تحقيق أو تقرير أو تحليل يقدمه أو ينجزه، ومن هنا فإن الصحفي الناجح هو ذاك الذي يبدع كل يوم شيئا يتذكّره الناس”.

ومن الطرق الفجة للوصول إلى الشهرة ما نلاحظه في التقارير الإذاعية أو المتلفزة، من إقحام المراسل نفسه في القصة، من خلال الظهور المتكرر، أو الحديث أكثر من الاستماع، أو المقاطعة المزعجة، أو حتى رفع الصوت فوق صوت المتحدث!!

ويكثر شيوع هذه الظاهرة في الصحافة المرئية، وهو أمر مفهوم نظرًا لجاذبية التلفزيون الذي يظهر المرء صوتا وصورة، وأيضا لأنه من بين أكثر وسائل الإعلام متابعة وانتشارًا. الأصل أن يحرص من يعدّ فيلما أو مادة تلفزيونية على إيصال رسالته وأداء دوره بطريقة حيادية يخفي فيها عواطفه ومشاعره، ويحرص ألا يعكس في رسالته -لا شكلا ولا مضمونا- ما تعرّض له أثناء إنجازه المادة الفيلمية من مشاكل، أو ما واجهه من صعاب، أو ما اجتازه من عقبات.

إن أكثر الصحفيين بعثاً للملل في نفوس متابعيهم هم الذين يجعلون من أنفسهم جزءًا من القصة التي يروُونها أو الرسالة التي ينقلونها. المشاهد يريد قصة جذابة وذات مغزى، ولا يهمه كم عانيت في سبيل تقديمها من عقبات. كما يريد أن يعرف عن اللاعبين أبطال القصة، وأنت لست منهم.. أنت مجرد راوٍ لها، والتحدي الحقيقي أمامك يتمثل في: إما أن تكون راويا ناجحا تشد المشاهد من بداية القصة إلى نهايتها بروايتك وألفاظك واختيارك للصور وترتيبها، وبأسلوب الإلقاء، وإما أن تسبب لمشاهديك الضجر والصداع!

ومن الأمور التي تغيب عن ذهن الصحفي المتعجل للشهرة أن العمل الإعلامي هو بطبيعته عمل جماعي وليس عملا فرديا، والصحفي الذي يحترم زملاءه ويتحلى بأخلاق المهنة لا ينتقص من عمل الآخرين ولا يتسلق على ظهورهم.

فمقدمو نشرات الأخبار -على سبيل المثال- هم الوجه الخارجي للأخبار، حيث يعمل في إعداد النشرة الإخبارية عدد كبير من الناس: صحفيون ومراسلون، ومخرجون ومهندسو بث ومنتجون وفنيو إضاءة وديكور وتجميل.. كل هؤلاء مجتمعين يقومون بإعداد نشرات الأخبار بالتساوي في الأهمية، ويبقى على المذيع أن يبذل كل ما يستطيع لتقديم هذا العمل المشترك بأبهى حلة ممكنة.

إن للكاميرا سحرًا قد يغري من يقف أمامها بالإطالة في شرح الفكرة بقصد الاستعراض والظهور بمظهر لافت، سواء في الملبس أو تسريحة الشعر أو حتى لفظ الأسماء والمصطلحات، لكن هذه الأمور من شأنها أن تجلب الشهرة السلبية للصحفي في التلفزيون أو الإعلام الرقمي بشكل عام. أما ما يحقق لك الشهرة الإيجابية فهو مهارتك في استخدام لغة بسيطة وألفاظ واضحة، وليس في بناء مشاهد معقدة، أو استخدام عبارات مبهمة أو مصطلحات تحتمل أكثر من تفسير. والملاحظ أن أكثر الصحفيين خبرة وشهرة في العالم هم من يعرضون أفكارهم بكلمات وجمل دقيقة الدلالة، شديدة الوضوح، بسيطة، وقصيرة.

إن إبداعك الحقيقي لا يتمثل في قدرتك على تضمين أكبر عدد من الأفكار في القصة الواحدة، ولكن في عدد الأفكار التي تحذفها بهدف ضمان التركيز والوضوح.

ولا شك أن إجراء مقابلات مع أناس مؤثرين ساهموا -بشكل أو بآخر- في تغيير ملامح الواقع في مكان ما من العالم، يثري التجربة المهنية. لكن الحرص على حرق المراحل، واستعجال الوصول إلى الشهرة، يدفعان الصحفيين الشبان إلى الاعتقاد خطأ بأن الاقتراب من ذوي النفوذ والشهرة والسياسيين وحده يختصر الطريق. هنا ينبغي للساعين إلى الشهرة أن يتذكروا دائما: كما أن الصحافة هي عن السياسة ورجالها، فهي أيضًا عن الناس العاديين، مشاكلهم ومصائرهم.

فإن أردت فعلا أن تسير في طريق الشهرة فلا بديل عن المهنية العالية التي تفرض عليك أن تخلص العمل، وتراعي في القلم والكاميرا والميكروفون أخلاق المهنة، وألا تردد الإشاعات، وأن تتأكد من مصادر معلوماتك، وأن تبذل الجهد في الحصول على المعلومة، وأن تولي العمل الميداني اهتمامًا كبيرًا، وأن تعمل على تطوير نفسك بتعلم مهارات الكتابة والتحقيق وفنون التحرير، وأن تحسن التعامل مع الإنترنت، وطريقة البحث فيها عن المعلومات المساندة، وطريقة حفظ المعلومات وتصنيفها.

إن الأصعب من تحقيق الشهرة هو المحافظة عليها. ولكي تحافظ على الشهرة، تجنّب منزلق الإعجاب بالنفس أو الغرور، أو ما يعرف في علم النفس بمرض “إيغو” (EGO)، وهو من الأمراض التي يصاب بها الصحفي الغض إذا لم يعرف الفرق بين الغرور والثقة بالنفس.

لكي تتجنب الوقوع في هذا المنزلق، احرص على ضبط إيقاع حياتك المهنية باستمرار.. اذهب إلى الإنترنت وفتش عن المعلومة، اسأل متخصصا ونوّع مصادر معلوماتك.. لا تجعل التلفزيون أو حتى وكالة الأنباء مصدر معلوماتك الوحيد.

إن نشر اسمك في صحيفة أو ظهور صورتك على التلفزيون ينبغي أن يدفعك لتعلّم المزيد من المهارات، لا إلى العزوف عنها لأنك صرت “مشهورًا”، فالشهرة تصبح خداعا ووهما سرعان ما يتلاشى، إلا إذا تحليت بروح الإبداع وكنت دوما غنيًّا بالأفكار.

  • Social Links:

Leave a Reply