قضيتْ عمري إتفرج عليهن من بعيد”: سلبُ أمهات ونساء حقوقهنّ باسم الدين

قضيتْ عمري إتفرج عليهن من بعيد”: سلبُ أمهات ونساء حقوقهنّ باسم الدين

ديانا مقلد – درج

“كنت أنطر ساعات طويلة خلف سور المدرسة حتى يطلعوا عالملعب ساعة الاستراحة لشوفهن…”، تشير بادية بيدها وهي تقود سيارتها قرب ملعب مدرسة في ضواحي مدينة النبطية جنوب لبنان.

إنه السور الذي ترددت إليه سنوات طويلة لتسترق النظر إلى ابنيها اللذين حرمت حضانتهما ورؤيتهما بعد طلاقها، “قضيت عمري على هالسور إتفرج عليهن من بعيد”، تقول وهي تحدق نحو الملعب الخالي بسبب الحظر وإجراءات مكافحة وباء “كورونا”.

بادية فحص (50 سنة)، كاتبة وصحافية لبنانية تخوض منذ نحو 12 عاماً معركة حضانة ابنيها من دون جدوى. لديها 5 أبناء (3 صبيان وبنتين) من زيجتين انتهتا بالطلاق. على رغم وجود الأبناء الكبار معها لكن المعضلة هي في الولدين اللذين أنجبتهما من زواجها الثاني،” أنا انسرقوا أولادي مني تحت الضغط…”، تقول بادية بمرارة وهي تتحدث عن خسارتها حضانة ابنيها بسبب القوانين الظالمة والثقافة المجتمعية التي تمارس تمييزاً بالغاً بحق النساء، وهو تمييز دفعت بادية ثمنه باهظاً، بحيث أصبحت شخصاً “غير مرئي ولا معروف”، من ولديها اللذين عاشت على بعد كيلومترات قليلة من حيث يسكنان، لكن من دون أن يعرفا عنها شيئاً ومن دون أن تتمكن من رؤيتهما سوى من بعيد كما تقول، “حاولت كتير أوصل لحل سلمي بيني وبينه (طليقها) لحتى شوف الولاد لكن يئست من هيدا الموضوع … قررت اتكل على حالي وإنه أنا ضلني حدهن بس عن بعيد. أنا بعدني لحد هلق بعد 12 سنة أنا حدهن بس عن بعيد”.

الطلاق والحق بالحضانة ليسا قرارين تستطيع بادية الحصول عليهما بسهولة متى أرادت، فهي لبنانية مسلمة شيعية وتطبق عليها قوانين المحاكم الجعفرية للأحوال الشخصية. بحسب هذه المحاكم، الطلاق قرار بيد الزوج، فقانون الأحوال الشخصية الشيعي لا يعترف بالتفريق ولا سبيل للمرأة للتقدم بدعوى طلاق وللحصول على الانفصال، بل عليها التقدم بطلب “طلاق الحاكم” أمام مرجع ديني جعفري، يجوز له إيقاع الطلاق وهو أمر قد يستغرق أعواماً. أما الحضانة فينالها الأب تلقائياً بعد بلوغ الطفل الذكر عمر السنتين، وهو أمر سبب معاناة كبرى لبادية ونساء كثيرات تتردد قصصهن في المحاكم وفي الإعلام.

هذه المعايير القانونية بشأن أحقية الحضانة قلبت حياة بادية بالكامل. صحيح أن زوجها وافق على الطلاق بعدما تنازلت عن مؤخر الصداق، لكن حضانة الطفلين كانت تلقائياً من حقه، تقول بادية: “حق الذكر بأولاده موجود من ساعة ولادته، فهو مش بحاجة لقانون ليثبتله ياه والمجتمع كمان بكون بجانبه بهيدا الموضوع وعيلته والبيئة الاجتماعية والبيئة السياسية والبيئة الدينية كلهن بكونوا داعمينه. خلص هو حق مكتسب… المرأة هي اللي بدها تروح على المحكمة وتاخد فترة حضانة محددة وترفع دعوى حضانة. أنا ما رفعت دعوى حضانة لأن بعرف الأمور لوين بدا توصل”.

بادية ابنة عائلة دينية، فوالدها هو رجل الدين المعتدل المعروف الراحل هاني فحص، وهو شخصية عرفت بالتزامها خطاً مستقلاً عن القيادات السياسية والدينية المسيطرة على الساحة الشيعية وعن محاكم الأحوال الشخصية الجعفرية الخاضعة لسيطرة “حركة أمل” و”حزب الله” صاحبي النفوذ الأقوى في المجتمع الشيعي اللبناني.

معطيات أضعفت من موقع بادية وجعلتها تتحاشى خوض معركة قضائية كانت حتماً ستكون خاسرة ومؤذية كما تقول، “أنا ما رفعت دعوى حضانة ولا رحت لأثبت حقي بالحضانة. ما فيني أوقف بوجههم… كان في ظرف سياسي معين استغل ضدي… كل الجو كان ضدي لأنني خارجة عن الاجماع، لأنني من عائلة ليست موافقة على سياسة الطائفة. كأننا تقاصصنا سياسياً وتقاصصنا دينياً على مواقفنا وصار في نوع من التشفي عبر قضيتي… الظروف كلها اجتمعت ضدي”.

 

بعد خسارتها حضانة ولديها وعلى مدى 12 عاماً أنشأت بادية شبكة علاقات اجتماعية لتكون قريبة من ابنيها عبر أصدقاء ومدرسات ينقلون إليها أخبارهما، وأصرت على السكن في النبطية لتكون قريبة منهما لتتابعهما من بعيد. وهي تحتفظ في هاتفها بصور لهما التقطتها على مدى سنوات في احتفالات مدرسية كانت تشارك فيها بوصفها معلمة أو ضيفة، وأحياناً كانت ترتدي زياً تنكرياً إذا كانت المناسبة احتفالية لتتمكن من التسلل ومشاهدة ولديها، “عملت شبكة علاقات مع ناس قراب منهن… قدرت أعرف تقريباً كل يوم شو عم يعملوا وأعرف علاماتهن بالمدرسة ومين رفقاتهن أخبارهن كلها أعرفها. حتى وقت يمرضوا ووين بكونوا ووين ضاهرين. هلق بما انهم كبروا بعرف وين عم يروحوا ويجوا، عم بقدر كون وراهم ماشية حد منهم، إذا كان الكبير بملعب فوتبول أنا بكون عم اتفرج عليه عم يلعب إذا كان بشي مطعم بقدر أنا كون بزاوية ما بالمطعم قاعدة عم إتفرج عليه…”.

تجربتا طلاق

زواجها الأول كان حين كانت في عمر الـ16 في بلد لا تحدد قوانينه سناً للزواج، فيمكن لجميع الطوائف تقريباً عقد زواج في سن مبكرة يبدأ شرعاً عند الطوائف الاسلامية من عمر الـ9 أو الـ12 سنة.

تقول بادية: “أنا بنت بيئة دينية وبيت عيلة دينية وشي طبيعي لما البنات بيبلغوا بهيدي البيئة وبهيك أنواع من العيل ان يتحضروا فوراً للزواج يعني بسن الـ16 لما تزوجت كانوا كل بنات المشايخ اللي من جيلي إما على وشك يتزوجوا إما تزوجوا إما في عريس موجود بالأفق، فأنا لازم كون وحدة من هاي القافلة”.

لبنان يشرع زواج القاصرات

تُظهر دراسة «التزويج المُبكر للفتيات: انتهاك للطفولة وتناسل الفقر» التي أعدها عام 2015 الأستاذ والباحث الإجتماعي زهير حطب بالتعاون مع «التجمّع النسائي الديموقراطي اللبناني»، أن أكثر من 90 في المئة من حالات تزويج القاصرات حصلت بـ«سهولة تامة» وبـ«إجراءات بسيطة» في المحاكم الشرعية في لبنان. يلفت حطب في دراسته إلى «الصمت المُتمادي للمؤسسات الدينية تجاه تزويج القاصرات»، مُشيراً إلى أن التزويج المُبكر يُجسّد حجم انتشار ثقافة اجتماعية وإيديولوجية ذات بعد ديني بين الناس، «وبموجب هذه الثقافة يُفضّل الرجال اختيار قريناتهمءء الصغيرات في السن وبمواصفات تُسهّل عليهم بسط سلطتهم باسم الدين».

 

هذا ما حصل مع بادية مثلاً، إذ كان زواجها المبكر أمراً عادياً في بيئة تآلفت مع هذا الأمر. لكن زواجها لم يدم لأكثر من 7 سنوات أنجبت خلالها ثلاثة أبناء وانتهى بالطلاق، “كان عمري 23 سنة كنت أول حالة طلاق بالعيلة وما كان حدا متقبل أبداً… بهيداك الوقت بسنة الـ1993، أنا أول مطلقة بالمنطقة سكنت لوحدها، استأجرت بيت وسكنت أنا وولادي حتى إنو يمكن أنا أول مطلقة أخدت ولادي باتفاقية بيني وبين أبوهن وسكنت انا وياهن واشتغلت”.

عملت بادية في تلك المرحلة معلمة لغة عربية قبل أن تعمل في الصحافة وأنفقت على أولادها الثلاثة، لتعود وترتبط مرة ثانية محاولة الهروب من حياة صعبة بوصفها مطلقة تعيش في مجتمع تقليدي، “ظروف زواجي التاني متل ظروف زواج أي مطلقة صبية عايشة لوحدها، استلطفها شب”. لكن الزواج الثاني لم يعمر طويلاً، “كنت حامل بابني التاني وقت اكتشفت انه زوجي تجوز، هو كان تارك البيت لأنه بطل قادر يعيش معي فكان عم يفتش على عروس، بهالوقت تعرف على العروس وتجوزها. ما كان بدو يطلقني لأنه مهري 50 ألف دولار. وضليت أنا ناطرة انه يطلقني فما كان يطلقني. بعد سنة أنا طلبت الطلاق… طلبت الطلاق ووقع على الطلاق وافترقنا بعد ما تنازلت عن كل حقوقي، كنت بهيدا الوقت بعمر الـ38 سنة”.

لا مساواة… لا حماية

تخضع اللبنانيات واللبنانيين لـ15 محكمة دينية لطوائف مختلفة، إذ لا قانون مدنياً موحداً ينظم الأحوال الشخصية. ولهذا التعدد القضائي جذور تعود إلى الحقبة العثمانية ومرحلة الانتداب الفرنسي، أي أن حياة الأفراد وخياراتهم وبخاصة النساء خاضعة لتشريعات تعود لأكثر من مئة عام.

 

وقد كرّس تعدّد قوانين الأحوال الشخصية ومسارات تطبيقها من قبل المحاكم الطائفية انتهاكاً لمبدأ المساواة بين المرأة والرجل في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والإرث.

وبسبب هذه القوانين، تخوض النساء المنتميات إلى مختلف الطوائف عقبات قانونية واجتماعية لدى محاولتهن إنهاء زيجات فاشلة أو مسيئة، ويواجهن قيوداً على حقوقهن المالية، فضلاً عن هاجس فقدان أطفالهن في حال تزوجن مجدداً أو خضن معارك قضائية تتعلق بالحضانة. ومن أوجه التمييز ضد النساء والفتيات، مسألة السماح بتزويج القاصرات عند مختلف الطوائف.

تظهر النصوص والممارسة أن جميع المحاكم الإسلامية والمسيحية تتشارك في التمييز ضد النساء، بحيث تفترض تلك المنظومة من المرأة “الطاعة” فيطبق على النساء حكم النشوز في حال عدم التزامهن بطاعة أزواجهن وخروجهن من البيت الزوجي بدون إذنه، ولا يقلل من الأمر دفاع البعض بأن مبدأ الطاعة غير مطبق عملياً إلا أنه لا يزال مكرساً بنص قانوني ويستعمله البعض في معارك قضائية.

“دار الفتوى وصية على بناتي”

كانت سارة (اسم مستعار) تعيش في بيروت حياة مستقرة مادياً وعاطفياً، فهي متزوجة ولديها طفلتان وتعمل في مشروع استثماري صغير هي وزوجها، لكن عام 2017 انقلبت حياتها تماماً بعدما توفي زوجها فجأة بنوبة قلبية تاركاً لها فتاتين (7 سنوات و13 سنة).

وجدت سارة (39 سنة) نفسها مجردة من مسؤوليتها عن ابنتيها، ففي لبنان تواجه المرأة قوانين دينية تعزز من موقع الرجل على حساب المرأة، بخاصة لناحية توزيع الإرث، التي تبيح حصة للرجل أكثر من المرأة لدى الطوائف المسلمة. وعند الطائفة السنية التي تنتمي إليها سارة لا تجوز الوصية لغير الوارث إلا بحدود ثلث التركة وحصر الإرث يرتبط بوجود الولد الذكر فقط.

لم يكن لزوج سارة أشقاء ذكور وبالتالي فإن الإرث يعود إلى ابنتيها لكن بحسب القوانين عند الطائفة السنية ليس للأم أن تكون وصية على أموال بناتها،

أنا امرأة عاملة ومستقلة، لكن هنا انقلب الأمر تماماً”

“ما كنت بعرف القوانين. زوجي كان وحيد وما عندو اشقاء ذكور وعنده شقيقة واحدة لذلك الورثة هيي لبناتي. لما حاولت فتح حساب بنكي لالهن ما قدرت. قالولي ما فيكي تفتحي حساب وإذا بدك تفتحي حساب بدك اذن من دار الفتوى وكل ما بدي إسحب مصاري لازم جيب ورقة من دار الفتوى… دار الفتوى هي الولي الشرعي على بناتي”.

“قبل ذلك ما شعرت بأنني مظلومة كامراة… أنا أكملت دراستي وعملت، أنا امرأة عاملة ومستقلة، لكن هنا انقلب الأمر تماماً”، تقول سارة هذه الجملة وهي تضحك وتتألم في الوقت نفسه، فكيف يعقل أنها ليست ولية أمر بناتها؟، “اي أمر مالي عائد للبنات ما إلي حق كأم أن أعمله. إذا بدي بيع عقار او اي شي لتأمين قسط المدرسة ما فيني… الولي الشرعي على بناتي هو دار الفتوى… كامرأة ماني وصية على بناتي”.

تتحاشى سارة الذهاب إلى دار الفتوى وتوكل الأمر إلى محاميها لتفادي مواقف استفزازية يمكن أن تتعرض لها ولا تنسى كيف حاول شيوخ تبرير عدم منحها الولاية على ابنتيها بأن هناك أمهات تزوجن وأهدرن حقوق اولادهن فكأنما علينا أن نسلم جدلاً بأن المرأة غير مكتملة الأهلية حتى تثبت العكس.

بلد الطوائف

يصف الدستور النظام السياسي اللبناني بأنه برلماني ديموقراطي، غير أن لبنان تميز بنظام طائفي غرست نواته قبل أكثر من قرن، مع ضم وفرز ما عرف حينها بلبنان الكبير وعند استقلاله عام 1943 تم الاعتراف بالشعب اللبناني كمجموعة من الطوائف، مع توزيع المناصب والوظائف على هذا الأساس.

في مجال الأحوال الشخصية قرر المشترع والقضاء المدني النأي بنفسيهما عن كل ما له علاقة بحياة المواطنات والمواطنين تاركين الفصل في هذه القضايا للمحاكم الدينية ومرجعياتها السياسية، فتوارت الدولة وسلمت الأمر إلى الطوائف، وهو ما أثمر انعدام انسجام التشريعات مع مقاربات حقوق الإنسان ومفاهيمها بذريعة الحفاظ على امتيازات الجماعات الطائفية وحقوقها. فقوانين الأحوال الشخصية تعامل النساء بوصفهن مواطنات درجة ثانية عليهن واجب الخضوع والطاعة، بينما يُمنح الرجال صلاحية التأديب والقوامة. فلدواع طائفية ما زال غير مسموح للأم اللبنانية بأن تمنح جنسيتها لأطفالها مخافة أن يخل ذلك بالتوازن العددي بين المسلمين والمسيحين، وهي ذريعة لم يتورع سياسيون ومسؤولون عن إشهارها علناً مرات عدة.

لبنان يحتل المرتبة الـ140 من أصل 149 دولة في التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين

أثبتت التجربة قدرة الطوائف على عرقلة تطوير التشريعات الخاصة بقضايا النساء وتعطيلها. أحد أبرز الأمثلة هو قانون حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري المعروف بالقانون 293 والذي أقر عام 2014 بعد تعديل أمور جوهرية منها رفض تجريم الاغتصاب الزوجي ومنح الأولوية لقوانين الأحوال الشخصية عند وجود أي تعارض مع القانون المقر، ما يعني إبقاء سطوة قوانين الأحوال الشخصية التمييزية على أي محاولة تطوير تشريعي باتجاه المساواة والعدالة. هذه التعقيدات ليست نظرية، فهي ترخي بثقل هائل على حياة النساء وتنتهك أبسط حقوقهن الإنسانية.

 

“في ثورة 17 تشرين .. رأيت ابني”

ربما ليس مفاجئاً أن لبنان يحتل المرتبة الـ140 من أصل 149 دولة في التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2018، وهو تقرير معني بقياس التكافؤ بين الجنسين في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والسياسة. والبرلمان اللبناني لا يضم بمقاعده الـ128 سوى 6 نساء فيما يبرز تراجع تمثيل المرأة عن المستوى المطلوب في قطاعات أساسية من سوق العمل، مثل العلوم والتكنولوجيا والهندسة. وعلى رغم حيوية الحراك النسوي اللبناني منذ ما قبل الاستقلال، لكن عوملت القضية بكثير من الشك وتم الاعتراف بحقوق المرأة عبر منح إصلاحات تدريجية بطيئة تغلف المشكلات من دون أن تحدث أي تغيير فعلي.

وبعد سنوات طويلة من المظالم العالقة، كان لدى النساء أكثر من سبب للنزول إلى الشارع. أتت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر لتشهد اندفاعة نسوية على مستوى الحضور والمطالب والشعارات. رفعت النساء أصواتهن في الشارع يطالبن بالعدل والمساواة ورفع التمييز القانوني ضدهن.

حين شاهدت بادية الاندفاعة اللبنانية والنسوية في التظاهرات شعرت بطاقة هائلة. كانت في منزلها في مدينة النبطية بعد يومين من انطلاق الانتفاضة، صاغت ورقة كتبت عليها “بدي شوف ولادي” ونزلت إلى ساحة التظاهر في المدينة، فلاقت دعماً وتعاطفاً من النساء والشبان والمتظاهرين الذين كانوا يعرفون قصتها وساعدوها لتجد فعلاً ابنها في التظاهرة، “قلت بما أنّ الدنيا ثورة، والناس نزلوا ليطالبوا بحقوقهم، أريد أن أنزل لأطالب بحقوقي. ما كنت مخططة ولا كنت عارفة أن ابني ممكن يكون تحت بالساحة وفجأة بكتشف انه هو هونيك بيجوا الشباب والصبايا يجروني بياخدوني لعنده يقولولي هياه. فقربت لحد منه قلتلو عرفتني؟ قلي ايه. كانت هذه صدمة أخرى إضافة إلى أنني سمعت صوته لأول مرة”. وتضيف: “قلتلو بتخليني بوسك؟ قلي بعدين قلي مش هلق، ما بعرف أيمتى. يعني هلقد، هلقد سمحتلي الحياة اني شوفه يعني… أول مرة كنت بسمع صوت ابني”…

غلبت بادية سعادة لا توصف بلقاء ابنها بوصفها أمه لا كشخص عابر لا يعرفه كما كان يحصل معها سابقاً. مرت شهور طويلة منذ تلك اللحظة والتي أعقبتها تعقيدات عاطفية تتعلق بأم ظهرت فجأة إلى العلن لابنيها اللذين كانت بالنسبة إليهما شخصاً إما مات أو غادر من دون التفات، “أول شي ابني الكبير بيكرهني كتير وحاقد عليي وما بيتقبلني ابني الصغير ما بيعرفني ما فيي فجأة قلو أنا امك فشي طبيعي أنا كنت لا مرئية ما بعرف شو تصوّرهن عني”.

عاشت بادية شهوراً من الأمل والإحباط بعد تعثر تواصلها مع ابنيها لكن ضغط الحياة كان أقوى، فلبنان الذي يخوض أسوأ أزماته المالية والسياسية جعل من عملها في الوكالة الوطنية للإعلام، عملاً لا يسد رمقاً، لهذا قررت بادية السفر موقتاً إلى الخليج حيث تعمل وتعيش ابنتها الكبرى من زواجها الأول، “على صعيد مادي أنا مضطرة اني سافر إني اترك البلد، متلي متل أي انسان تاني كان عايش بمستوى معين وتآكل معاشه قدام الدولار وما عنده معيل إلا سواعده”.

 

غادرت بادية لبنان لأشهر وربما سنوات قليلة وتركت منزلها في النبطية حيث نثرت مصاعبها وأحلامها عبر صور على الجدران لكل فرد من أبنائها وخصصت لابنيها اللذين حرمت منهما غرفة تحوي كل ما كان لهما حين كانا طفلين، على أمل بأن تجتمع العائلة كلها يوماً “حاولنا نحنا بغيابن نحافظ على الأشياء اللي بتخص لنحس بوجودن معنا، يعني كراسيهن السيارة الألعاب، الأشياء اللي هني حبوها. كتير الألعاب الصغيرة اللي حبوها كتير، تيابن اللي معلقين بالخزانة كل شي له ذكرى معينة بالنسبة لإلنا أنا أمهم وأخواتهم، تركنا أشياؤن بوجهنا ليل مع نهار لحتى نضل حاسين أنهم جزء من حياتنا”…

بادية غادرت لبنان بعدما اجتمعت ضدها قوانين وثقافة وأوضاع اقتصادية قاهرة.

مع كل التقدّم الذي شهدته البشرية، ما زالت منظومات دينية وقانونية وسياسية كثيرة تتجنّد وتتّحد لحرمان النساء حقوقهنّ الأبسط، احتضان أطفالهنّ مثلاً، ويكون على بادية وكثيرات رسم وجوه أطفالهنّ على ورق وتقبيلها.

  • Social Links:

Leave a Reply