هل تستطيع روسيا تعويم بشار الأسد؟

هل تستطيع روسيا تعويم بشار الأسد؟

سوريا_بسام يوسف

سواء اعترف الروس أم لم يعترفوا بعجزهم عن الخروج من الوحل السوري كما يشتهون، فإنّ حقيقة وخطة تدخلهم المباشر في الصراع السوري، لم تجرِ كما أرادوا لها، وتزداد أعوامها عاماً بعد آخر، وكلما امتد زمن هذا التدخل ضاقت خياراتهم، ووجدوا أنفسهم أكثر عجزاً وأكثر استنزافاً، وما كدّسوه على أنه حصادهم من الملف السوري، ومن تدخلهم فيه، تضيق فرص استثماره.

يأمل الروس ويخططون ويعملون لكي تكون السنة القادمة (2021م)، هي سنة الحل السياسي في سوريا، ويُهيئون ما يعتقدون أنه يساعد بالوصول إلى هذا الحل، مستندون في خطتهم تلك إلى نقاط أساسية بنظرهم، ويتوقعون أنها ترضي الأطراف الأخرى الفاعلة، أميركا، والاتحاد الأوروبي وتركيا.

ترتكز خطة الروس على حل يبقي بشار الأسد في موقع الرئاسة، مع تقليص مهم في صلاحياته، ومشاركة ترضي جهات محسوبة على المعارضة في الحكومة المقبلة، وإشراك أطراف عسكرية معارضة على الأرض فيها، كمقدمة لإنهاء وجود أي سلاح خارج سيطرة الدولة السورية، باستثناء مناطق نفوذ الأتراك والأميركيين، مع محاولة لتمييع ملفات بالغة الأهمية كملف المعتقلين، وملف اللاجئين.

يعتقد الروس أن أوروبا قد تقبل الموافقة على صيغة ما قريبة من الخطة الروسية، فهي قد لا تمانع في بقاء بشار الأسد، لكن ليس وفق الصيغة التي يقترحها الروس. فأوروبا اليوم أمام مأزق التطرف المتصاعد في مجتمعاتها، والذي يتعمد اليمين إرجاعه إلى وجود اللاجئين، الأمر الذي سيدفع معظم الحكومات الأوروبية المهددة بتصاعد هذا اليمين للذهاب إلى خطاب مختلف فيما يخص قضية اللاجئين.

ما تريده أوروبا هو حل سياسي يمكّنها من إعادة قسم كبير من اللاجئين، ومنع احتمالات إغراقها بموجة أخرى، فيما لو تفاقم الوضع سوءا داخل سوريا، لكن هل يمكن لسلطة الأمر الواقع في سوريا أن تقدم لها الضمانات الكافية لعودة هؤلاء اللاجئين؟ لا سيما أن أوروبا تعرف جيدا طبيعة هذه السلطة، وبنيتها!

يبدو أن الروس مستعدون لتقديم ضمانات للأوربيين بهذا الخصوص، ومن أجل ذلك يضغطون على “النظام” من أجل الإسراع بترتيبات تسبق موعد الانتخابات الرئاسية في سوريا في نيسان من العام القادم، ويحاولون استغلال الأشهر الضائعة في التوقيت الأميركي، والتي ستستمر إلى ما بعد خروج “ترامب” من البيت الأبيض، أي حتى تمكّن الرئيس الجديد من بدء عمله بشكل فعلي.

تبدو هذه الخطة – وفق رأي الروس- قابلة للحياة إلى حد معقول، محاولين التعمية ما أمكن على عقبات أخرى كثيرة، لا يمكن حلها على الطريقة السورية، ولا حتى على الطريقة الروسية، وأقصد طريقة الكذب والتلفيق وتزييف الحقائق، فاللاجئون العائدون ليسوا بضع مئات من الآلاف، إنهم بالملايين، وما تحتاجه سوريا ليس عشرات مليارات الدولارات، لتستعيد قدرتها على ترميم الحد الأدنى من مقومات الحياة، إنها مئات مليارات الدولارات، فهل ستغامر دول أوروبية بمقامرة كهذه دون ضمانات كافية؟

هنا تكمن مشكلة الأوروبيين، العالقين بين سندان اللاجئين ومطرقة عدم ثقتهم بالضمانات الروسية من جهة، وعدم ثقتهم بقدرة النظام على القيام بما يطلبه الروس منه من جهة أخرى، يُضاف إلى هواجس الأوروبيين أن أميركا القابضة على عنق الملف السوري عبر قانون “قيصر”، لم تعطِ موافقتها الصريحة، فهل يتجه الأوروبيون لاشتراط قبولهم الأولي بالخطة مع وقف مشاركتهم بإعادة الإعمار، إلى حين اقتناعهم بقدرة الروس على الالتزام بضماناتهم، وهل يقبل الروس بهذا الاشتراط؟

ضمن سياق المحاولات الروسية طمأنة المجتمع الدولي، جاء مؤتمر دمشق حول عودة اللاجئين، وجاء حديث “بشار الأسد” الذي أزاح جانباً مفردات المجتمع المتجانس، والنصر، والتخوين، واستبدلها بمفردات الإنسانية والمواطنين السوريين المعذبين في غربتهم، وحرصه عليهم، وأيضاً ضمن هذا السياق تحاول روسيا محاباة تركيا، حتى لو اضطرها الأمر إلى الضغط على حليفتها “أرمينيا” من أجل اتفاق اعتبره الأرمينيون مُذلاً، فتركيا أقوى في الملف السوري من أن تُخاصَم.

أما إيران، فهي وإن بدت أكثر ارتياحاً لفوز “بايدن”، إلا أنها تدرك تماماً أنها مقدمة على تنازلات لابدّ منها، وهي تدرك أيضاً أن حوارها مع القيادة الأميركية الجديدة سيرتكز على ركيزتين لا تنازل عن أي منهما، وهما: إنهاء الملف النووي، وسحب أذرعها من الدول الأخرى، لهذا يحاول الروس عدم الاصطدام مع الإيرانيين، تاركين الأمر للإدارة الأميركية.

بانتظار عودة الإدارة الأميركية إلى فعاليتها الكاملة في الساحة الدولية، وعلى ضوء فوز “بايدن” وما يعني ذلك من مقاربات مختلفة عن سابقه “ترامب”، تتجه أوروبا إلى تصعيد مواجهتها

حتى اللحظة لا شيء يعزز احتمال موافقة أوروبا وغيرها على الخطة الروسية، وقد أعلنت عبر تصريح لمسؤول في الاتحاد الأوروبي، أنها لم تشارك بمؤتمر عودة اللاجئين

مع الإسلام السياسي على أراضيها، وتقف وجهاً لوجه أمام تداعيات ذلك على ملف اللاجئين، ويمضي الروس إلى ترتيب ملفات عديدة في مقدمتها الملف السوري، أما تركيا التي تعرف جيداً أن “بايدن” سيختلف عن “ترامب” في تعامله معها، لذلك تحاول تخفيف حدة التوتر مع محيطها، ويصرّح رئيسها بالانفتاح على كل الجوار، ضمن كل هذه التفاصيل سيحاول الروس تمرير ربيبهم السوري لكن هل سيستطيعون؟

حتى اللحظة لا شيء يعزز احتمال موافقة أوروبا وغيرها على الخطة الروسية، وقد أعلنت عبر تصريح لمسؤول في الاتحاد الأوروبي، أنها لم تشارك بمؤتمر عودة اللاجئين، لأنها ترى الحل في تنفيذ القرار 2254، وساندتها في ذلك الإدارة الأميركية، والتي اعتبرت المؤتمر تحايلاً على الحل السياسي، وبالتالي فإن سوريا لن تخرج من مشكلتها المستعصية فعلاً وفق السيناريو الروسي، أضف إلى ذلك أن ظرف أوروبا يزداد تعقيداً، فعدا عن معركتها التي اشتعلت بمواجهة الإرهاب، هناك مواجهة استحقاق “كورونا” وتداعياته الاقتصادية، ولن تستطيع روسيا التحمل طويلاً أمام إحجام الأطراف الفاعلة عن موافقتها على تفاصيل خطتها، وستجد نفسها مضطرة لقبول ما حاولت إزاحته جانباً ما استطاعت، وهو المساومة على رأس بشار الأسد، والمضي باتجاه القرار الدولي 2254.

وسط كل هذا السيناريو أين تقف المعارضة السورية؟ وأين يقف السوريون عموماً؟ وهل سيقبلون بأن يتولَ من هم مرتهنون من الجهتين لهذا الطرف أو ذاك، أن يذهبوا لتقرير مصير سوريا؟

يبدو أن السوريين لن يستطيعوا فعل أي شيء، سوى الانتظار.

  • Social Links:

Leave a Reply