عين عيسى في الواجهة .. وسياسيون يكشفون منطقة جديدة للحسم التركي

عين عيسى في الواجهة .. وسياسيون يكشفون منطقة جديدة للحسم التركي

عائشة صبري – آرام

يستمر التصعيد العسكري الذي تشهده بلدة عين عيسى شمال محافظة الرقة شمالي سوريا، وسط فشل سلسلة اجتماعات بين ممثلي الروس والأتراك من جهة، وممثلي ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ونظام الأسد وروسيا من جهة أخرى، ما يُرجّح اقتراب معركة تركية جديدة بالتعاون مع الجيش الوطني السوري.

ويقلّل محللون سياسيون من احتمالية شنّ معركة على عين عيسى، مرجحين أنّها إن وقعت فستكون باتجاه مدن على الحدود السورية التركية، لا سيّما مدينة عين العرب (كوباني) شرق محافظة حلب.

ويأتي هذا بعد أسابيع من المناوشات وحركة نزوح لعائلات من عين عيسى، وآخر الأحداث العسكرية، كانت إعلان غرفة عمليات “الفيلق الأول” في الجيش الوطني بدء “معركة تحرير بلدة عين عيسى” والتي أدت إلى السيطرة على قريتي “المشيرفة والجهبل” في مدخل البلدة.

هدف استراتيجي

تُعدّ هذه البلدة خط دفاع للعمق الحيوي والإداري والسياسي لـ”قسد”، إضافة إلى أنَّها تُمثّل مفترق ثلاثة طرق مهمة تصل بين مدن “عين العرب ومنبج والرقة”، وهي مناطق بمثابة نقاط الثقل لـ”قسد” التي افتتحت فيها مكاتب تمثيلية مختلفة كـ “عاصمة إدارية” لها.

ويستوجب التحدث عن معركة جديدة العودة إلى الإرهاصات التي أدت للمعارك السابقة، لا سيّما “نبع السلام” التي قد تكون متشابهة في بعض الخصائص لمنطقة عين عيسى، وهي وفق الأكاديمي في العلوم السياسية محمد بقاعي، “وجود إرادة تركية بعدم السماح لميليشيا قسد بالاستحواذ على مساحة جغرافية استراتيجية في سوريا”.

وأضاف في تصريح لشبكة “آرام”، أنَّ أحد أهم ركائز الاستراتيجية التركية في سوريا، كانت “إقامة منطقة آمنة على الشريط الحدودي مع تركيا”، بما يضمن أمنها، ويُخفِّف احتمالية إعلان إقليم منفصل تحت إدارة “قسد”.

وإذا وضعنا هذه الركيزة أمامنا، نُناقش هل عين عيسى تشكّل هدفاً استراتيجياً يمكن أن يساعد في تحقيق غاية تركيا الاستراتيجية؟، يُجيب أ”بقاعي” من وجهة نظره: “لا”، موضحاً أنَّ الكثير من المحللين السياسيين يربطون أهميتها بوجود الأوتوستراد الدولي “M4″ الرابط بين العراق شرقاً، والبحر المتوسط غرباً.

وبرأي الأكاديمي المختص بـ”الأمن القومي”، أنَّ هذا الأمر ضُخّم أكثر من حجمه بطريقة غير واقعية، ما أدى إلى إزاحة التركيز حول الصراع الأساسي، وهو السيطرة على الجغرافيا وليس على الطرقات.

وبناءً عليه لا يعتقد أ.”بقاعي” بأنَّ هناك عملية عسكرية كبيرة في عين عيسى، لافتاً إلى أنَّ الذي يُراجع تاريخ العمليات العسكرية السابقة يجد تركيا تسعى لتهيئة الرأي العام الداخلي قبل أي معركة، كما تسعى لبناء تفاهمات القوى الدولية (أي أمريكا وروسيا)، وهو ما لم يتم رصد مؤشرات عليه في الفترة الماضية، ما يقلِّل من فرص عملية عسكرية تجاه عين عيسى.

احتمالية “كوباني”

ويُمكن إجمال الأمر بأنَّ عين عيسى “ليست بالأهمية الكبيرة” كي تجري عملية عسكرية لأجلها مع إمكانية وجود مناوشات كما حدث مؤخراً، وشرق الفرات أصبح منطقة عالية الحساسية لتواجد أطراف متعدَّدة بما فيها “قوى عظمى”.

وبالتالي، الدخول في معركة هناك كـ”من يدخل في حقل ألغام”، وشنّ معركة تركية جديدة هو أمر “عالي الاحتمالية”، ولكن ستكون على حدود تركيا، إمَّا في مدينة عين عرب (شرق حلب) أو مدينة المالكية (شمال الحسكة) أو معهما معاً. وفق رأي أ.”بقاعي”.

ويوافق ناشطون هذا التحليل بأنَّ تركيا إن شنّت معركة فستكون صوب عين عرب (كوباني)، وأوضح الناشط السياسي بلال صطوف،  أنَّ الاستراتيجية العسكرية التركية خلال السنوات الماضية هدفت بالدرجة الأولى لإبعاد الأحزاب الكردية عن الشريط الحدودي التركي مع سوريا، لذلك من المرجح انطلاق عملية عسكرية تستهدف منطقة عين العرب.

وفي مجمل للأسباب التي تجعل “عين العرب” هدفاً لعملية عسكرية تركية جديدة، قال “صطوف” لـ”آرام”: إنَّ الاتفاقات التي عقدتها تركيا سابقاً مع الولايات المتحدة والمتعلَّقة بمستقبل المنطقة كانت تُشير إلى اهتمام تركي بالمنطقة الحدودية كما حدث في الاتفاق مع واشنطن، والذي تضمن انسحاب القوات الأمريكية من مناطق الشريط الحدودي قبل انطلاق عملية “نبع السلام”.

وأضاف خرّيج العلوم السياسية، أنَّ تركيا قد تهدف إلى تأكيد عزمها “تطهير الشريط الحدودي”، وإضعاف ما تبقى من معنويات لدى الأحزاب الكردية من خلال السيطرة على عين العرب التي تتمتع بمكانة رمزية لدى هذه الأحزاب، إضافة إلى رغبة تركيا في فتح طريق برِّي يصل بين مناطق سيطرتها في مناطق “درع الفرات ونبع السلام”.

بدوره، الناشط أحمد الشبلي ابن محافظة الرقة، اعتبر أنَّ أهمية عين عيسى بالنسبة لـ”قسد” كبيرة جداً، فسقوطها يعدّ سقوطاً لبقية المناطق الواقعة تحت سيطرتها، قائلاً لـ”آرام”: إنَّ “قسد” أمام خيارين إمّا تسليمها لتركيا أو تسليمها لنظام الأسد، وهي لا تريد التخلّي عنها.

ويصف القيادي في الجيش الوطني النقيب ضياء قدور، سقوط عين عيسى بيدهم، بأنَّه سيقطع الاتصال بين المناطق الشرقية والغربية التي تسيطر عليها “قسد” شرق الفرات، وهي عملية عسكرية ستكون بمثابة “ضربة للقلب”. حسب وصفه.

محاولات مستميتة

وتُحاول “قسد” من خلال هجماتها البرِّية المعاكسة ضد الجيش الوطني استعادة المواقع والقرى التي خسرتها في الأطراف الشمالية والشمالية الشرقية من عين عيسى، رغم استقدامها للمزيد من التعزيزات العسكرية من مجالسها العسكرية في منبج والرقة والطبقة ودير الزور.

وفي آخر هجمة برِّية معاكسة لها، خسرت “قسد” ليل الاثنين/الثلاثاء، عدداً من عناصرها بينهم قائد ميداني، في المعارك التي شهدتها محاور “المشيرفة وصيدا والمعلق”، كما تحاول الإبقاء على خطوط النار خارج البلدة إلى حين توصلها إلى صفقة تمنع الهجوم التركي.

وكان قائد “قسد” مظلوم عبدي استقبل الاثنين الفائت، قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال فرانك ماكنزي، في مقرّه الرئيسي بمدينة الحسكة، وهذا ما عزَّز موقف “قسد” في اجتماعها التفاوضي الأخير مع نظام الأسد وروسيا الأحد الفائت، ودفعها لـ”عدم التوصل لأي اتفاق”.

ويستميت نظام الأسد للسيطرة على عين عيسى، لكن محاولاته فشلت، وهذا ما أكده عضو المصالحة الوطنية التابع للنظام عمر رحمون، بأنَّه “كان من المفترض أن تسلّم قسد عين عيسى البارحة للدولة السورية، لكن الأوامر الأمريكية لقسد حالت دون ذلك”.

وأشار “رحمون” إلى وصول تعزيزات عسكرية لميليشيات الأسد خلال الساعات الماضية، إلى مطار الطبقة (غرب الرقة) تمهيداً لدخولها إلى عين عيسى.

ومن جانبهم، الروس بعد اجتماعهم الأخير مع الأتراك في صوامع شركراك بريف عين عيسى، بعثوا رسالة واضحة لـ”قسد” بأنَّه لا يوجد خيار لديها لمنع سيطرة تركيا والجيش الوطني على عين عيسى، سوى الانسحاب الكامل منها وتسليمها لميليشيات الأسد.

وأعقب الاجتماع خبر نشرته وكالة “سبوتنيك” الروسية، جاء فيه أنَّ روسيا والنظام طلبا من “قسد” الانسحاب من كامل بلدة عين عيسى ومحيطها، ورفع العلم السوري فوق مؤسساتها الحكومية، وتسليمها بشكل كامل لهما حتى يتسنى منع الهجمات التركية عليها.

وأشارت إلى أن الجانب التركي طالب الجانب الروسي بانسحاب كامل لمسلحي “قسد” من منطقة عين عيسى، كـ”شرط” للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى إيقاف أي عمل عسكري محتمل للقوات التركية عليها.

وسبق أن سحبت روسيا عدداً من الآليات من مدينة عين عيسى، ونقلتها باتجاه “اللواء 93” شمال الرقة، كـ”انسحاب جزئي”، وذكر ممثل “الإدارة الذاتية”، شفان الخابوري، أن “بلدة عين عيسى تتعرض للانتهاك من تركيا، وأنها أخذت ضوءاً أخضر من روسيا، وسط توقعات بتقدُّم عسكري تركي على المنطقة”.

  • Social Links:

Leave a Reply