“(إعلان) الوطنية السورية” بين الفردانية الليبرالية والجماعاتية اللا ديمقراطية  ج2

“(إعلان) الوطنية السورية” بين الفردانية الليبرالية والجماعاتية اللا ديمقراطية  ج2

حسام الدين درويش – الجمعية العلمية السورية للعلوم الاجتماعية: 

2 – في التوتر المحايث للعلاقة بين الديمقراطية والليبرالية

يمكن وصل العلاقة الإشكالية بين الاتجاهين الفرداني والجماعاتي بالتوتر الإشكالي الملازم للعلاقة بين الديمقراطية والليبرالية. فعلى الرغم من الصلة الوثيقة، في الديمقراطيات (الغربية) المعاصرة بين الديمقراطية والليبرالية، فإن العلاقات بينهما ليست ضروريةً من ناحية، ويشوبها توتر، فعليّ أو ممكن دائمًا، من ناحية أخرى. وإلى جانب التوتر بين الليبرالية الاقتصادية، في صيغتها “النيوليبرالية” خصوصًا، والديمقراطية التي تتضمن وجوب المشاركة الجماهيرية الفاعلة وتكافؤ الفرص في الميدان السياسي، ثمة تناقض أساسيّ أو مبدئي، بين الليبرالية (السياسية) والديمقراطية. ويكمن في هذا التناقض أن الأولوية لليبرالي تتمثل في الفرد وحرياته، في حين أن روح الديمقراطية أو أولويتها تكمن في التعبير عن (إرادة) الشعب، من خلال عملية الاقتراع أو الانتخاب، مثلًا وخصوصًا. الديمقراطية تتطلب إقرار الحقوق المدنية والسياسية العامة، كحقوق الاجتماع والتصويت والتعبير والرأي إلخ، وهي تلتقي مع الليبرالية، في هذا الخصوص، لكنها لا تتضمن بالضرورة إقرارًا بحرية الفرد الكاملة نسبيًّا في حياته الخاصة والاجتماعية، كما هو حال الليبرالية. فنظريًّا وعمليًّا، ارتبط الاعتراف بالحريات والحقوق الجنسية للمثليين، على سبيل المثال، بالتوجه الليبرالي، لا بالتوجه الديمقراطي، حيث إن ذلك الاعتراف حصل بناءً على مبادئ الليبرالية وتوجهاتها، وبغض النظر عن، أو على الرغم من، وجود أغلبية شعبية معارضة لهذا الاعتراف، في أحيان ليست قليلةً.

لا شك أن الحريات الفردية ضرورية، لأي نظام ديمقراطيّ جدير بهذا الاسم، لكن يمكن للديمقراطية أن تنتج خطابًا أو نظامًا يحد من بعض الحريات الفردية عمومًا، ومن الحريات غير المتعلقة بالمجال السياسي المباشر، خصوصًا. في المقابل يمكن للحريات (شبه) الكاملة أو المطلقة، في الميدان الاقتصادي، خصوصًا، أن تدمّر مسائل العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، ليس في الميدان الاقتصادي، فحسب، بل في الميدان السياسي، أيضًا. ومن هنا تأتي الإمكانية الدائمة لحصول صراع بين هذين المبدأين أو الموقفين. وعلى هذا الأساس، يمكننا أن نفهم خوف كثير من الليبراليين والمنتمين، نسبًا و/ أو انتسابًا، إلى أقليات ما، من “طغيان الأكثرية” باسم الديمقراطية. في المقابل، يقدم كثيرون الديمقراطية الليبرالية، في أحدث نسخها الغربية، بوصفها وصفةً جاهزةً وناجزةً، مسبقًا، ولا تحتاج إلا إلى الاتباع، والتبني، والتطبيق، بدون قيد أو شرط، أو حتى نقاش، وبدون أي اهتمام بمدى أو كيفية تقبل أو قبول الأغلبية أو المجتمع لتلك الوصفة.

الليبرالية، في حدودها الدنيا، وفي الميدان السياسي، خصوصًا، شرطٌ من شروط ديمقراطية أي نظام سياسيّ. فبدونها لن يكون أفراد الشعب أحرارًا، لكي يستطيعوا التعبير فعلًا عن أنفسهم، أو إرادتهم، في المجال السياسي. لكنها في حدودها العليا غير المضبوطة قد تفضي إلى ما هو غير مقبول ديمقراطيًّا، سواء من حيث المبدأ، أو من حيث التصويت والمقبولية الشعبية. وعلى الرغم من أن النظام الديمقراطي هو نظام أغلبية عمومًا، فإنه كان يفترض وحدةً ثقافيةً ما بين أفراد الشعب، في إطار الدولة – الأمة أو الدولة القومية، ولم يكن يكترث، كثيرًا، بالأقلية أو الأقليات، التي كان جُلَّ اهتمامها، وأقصى طموحاتها و”أحلامها”، أن يتم التسامح معها، ومع اختلافاتها، وليس الاعتراف بها، والإقرار بمساواتها، ومساواة الأفراد المنتمين إليها، مع الأغلبية، وأفراد تلك الأغلبية.

وعلى الرغم من أن ليبرالية الديمقراطيات الغربية قد ازدادت في العقود الأخيرة، لدرجة أنها أصبحت تعطي الانطباع بالتضمن المتبادل والتشابك الماهوي بين الطرفين، فإن التوتر والتناقض بين الطرفين ما زال قائمًا، ويظهر بقوة، في مناسبات كثيرة. ويبدو ذلك جليًّا، حين تتجه إرادة الأغلبية السياسية أو الشعبية إلى تبني وجهات غير مقبولة من منظور الدساتير والقوانين أو التوجهات ذات الطبيعة أو الأبعاد الليبرالية، والخاصة بحماية الحريات والأقليات والضعفاء عمومًا. وإذا كانت الليبرالية الاقتصادية المتزايدة تؤثر سلبًا في ديمقراطية أي نظام سياسيّ، فإن “الديمقراطية الزائدة” قد تؤثر سلبًا في ليبرالية هذا النظام، وربما في ديمقراطيته ذاتها، إذا اتفقنا أن الديمقراطية ليست مجرد عملية اقتراع أو انتخاب. فإلى أي حدّ ينبغي للديمقراطية أن تكون ليبراليّةً، وإلى أي حدّ ينبغي لليبرالية أن تكون ديمقراطيةً؟ هذه إشكالية نظرية، ومشكلة عملية، تواجهان كل ديمقراطية (ليبرالية) معاصرة، ويزداد تعقيد هذه الإشكالية، وتزداد حدة تلك المشكلة، في الديمقراطيات الناشئة، أو عند السعي إلى إنشاء ديمقراطية (ليبرالية) ما.

3 – نحو استيعاب جدليّ للتوتر بين الليبرالية الفردانية والجماعاتية (غير) الديمقراطية

يحاول إعلان الوطنية السورية التوفيق بين الفردانية والحريات الفردية، من جهة، والجماعاتية والحقوق الجماعاتية، من جهة أخرى. وقد أثارت مضامين هذا التوفيق، الجزئي والنسبي، اعتراضات من أنصار كلا الطرفين، بقدر محاولتها تقديم ما بمكن أن يُرضي كليهما، في إطار تركيب أعلى. فمن ناحية أولى، يتحدث البيان عن المواطن بوصفه إنسانًا، وبوصفه فردًا، وليس بوصفه كائنًا ثقافيًّا منتميًا إلى هذه الجماعة الدينية أو الإثنية أو تلك. في المقابل، يشدد البيان على أن الانتماء إلى الوطنية السورية ليس “نقيضًا أو بديلًا للانتماء القومي أو الديني أو الطائفي”، ويذهب إلى درجة الإقرار، ليس بالحقوق الثقافية والاجتماعية ﻟ “القوميات والجماعات الإثنية” فحسب، بل إلى الإقرار بحقوقها السياسية أيضًا.

وقد أثار الحديث عن تلك “الحقوق السياسية” كثيرًا من علامات الاستفهام والاستهجان. فلم يكن واضحًا المقصود بتلك الحقوق، وخشي البعض أنها قد تتضمن قبولًا ضمنيًّا ﺑ “الحق في الانفصال”، ولا سيما أن الإقرار بالحقوق السياسية حصل في إطار الحديث، ليس عن “الجماعات الإثنية” فحسب، وإنما عن “القوميات” أيضًا. كما بدا الاقتصار على ذكر الإثنية الكردية بالاسم، وتجاهل الإثنيات الأخرى، أمرًا غير مسوغ، وغير مقبول، عند كثيرين، حيث ظهر هذا التخصيص كما لو أنه يحابي جماعةً إثنيةً، على حساب الجماعات الأخرى.

من الضروري الانتباه إلى خصوصية وضع الإثنية الكردية في سورية. فهذه الخصوصية قد تسوّغ الاهتمام الخاص الذي أولاه الإعلان لتلك الجماعة الإثنية. فهذه الإثنية هي ثاني أكبر إثنية سورية، وقد عانت، معاناةً كبيرةً، من ممارسات النظام العنصرية والتمييزية تجاهها، ولهذا السبب ثارت شكوك، بل تشكيكات كبيرةً، محقَّةً حينًا، وغير محقة، أحيانًا أخرى، بوجود نزعة انفصالية لدى “بعض/ معظم” السوريين الأكراد، على الأقل. ورأى كثيرون في تشديد بعض الأكراد على الحق المبدئي “المزعوم” في الانفصال دلالةً قويةً على وجود هذه النزعة. وتزايدت هذه الشكوك مع هيمنة حزب PYD، المرتبط بقيادات وأجندة غير سورية، على منطقة الجزيرة السورية. ثم تصاعدت التوترات بين قوًى كردية وعربية، مع احتلال “قوًى عربية معارضة” لبعض المناطق ذات الغالبية الكردية، واحتلال “قوًى كردية” لمناطق ذات أغلبية عربية، والإسهام في تدميرها وقتل أو تهجير سكانها. كل ذلك، وغيره، أضفى طابعًا خاصًّا على وضع السوريين الأكراد، عمومًا، لدرجة رأى “الإعلان” أنها تقتضي الإقرار بوجود “قضية كردية” في سورية، وبأن الإثنية الكردية لها، ليس حقوقًا اجتماعيةً وثقافيةً، فحسب، بل حقوقًا سياسيةً أيضًا.

وعلى الرغم من أن القول بالحقوق السياسية (قد) يعني، من حيث المبدأ، الإقرار بالحق في الانفصال، وهو ما أثار امتعاض واعتراض بعض “الجماعاتيين العرب”، فإن الإعلان يشدّد أكثر من مرة على أن تلك الحقوق، وغيرها، محدودة ومشروطة بالإقرار بوحدة سورية، أرضًا وشعبًا. وقد أثار ذلك البند استهجان بعض الجماعاتيين الأكراد الذين رفضوا هذا التقييد، وأصروا على أن للسوريين الأكراد حقًّا، مبدئيًّا، بالفيدرالية الإثنية، على الأقل، وبالانفصال الكامل، على الأكثر. لكن من الواضح أن الحديث عن هذا الانفصال يتنافى مع أبسط مقومات “الوطنية السورية”، بالمعنى الوصفي، وليس المعياري، لتلك الوطنية، على الأقل. ولهذا فإن المعنى الأدق لتلك الحقوق السياسية، في الإعلان، يتمثل، مثلًا وخصوصًا، في حق الأفراد المنتمين إلى جماعة إثنية ما، في ممارسة السياسة وتنظيم أنفسهم سياسيًّا أو إنشاء أحزاب سياسية، على أساس انتمائهم الإثني، أو للتعبير السياسي عن الهموم والتطلعات الخاصة بتلك الإثنية، من منظور هؤلاء الأفراد.

ولا يبدو واضحًا سببُ اقتصار البيان على الحديث عن الحقوق السياسية للجماعات الإثنية، وتجاهل الجماعات الدينية، ومن ضمنها الجماعات الطائفية والمذهبية. فهل ينبغي أن يكون لتلك الجماعات حقوق سياسية، أيضًا؟ وهل يتسق ذلك مع ديمقراطية النظام السياسي و”علمانيته”؟ قبل تناول هذه المسألة من زاوية “ديمقراطية النظام السياسي”، وتمهيدًا لهذا التناول، من المفيد تناول المسألة من زاوية “علمانية الدولة والنظام السياسي”.

لا يتضمن الإعلان أي ذكر لكلمة “علمانية”. وقد أثار ذلك الغياب أو التغييب اعتراض بعض السوريين “العلمانويين”، وتحفظاتهم، ودفعهم إلى المطالبة بوجود نصّ صريح وواضح، يقول بعلمانية الدولة والنظام السياسي المنشودين. لكن ثمة من يقول بعدم ضرورة وجود هذا المفهوم الإشكالي، ذي السمعة السيئة لدى شريحة واسعة من الناس، طالما أن النص يشدد صراحةً على “تساوي المواطنين في الكرامة الإنسانيّة، وأمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون أيّ تمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الإثنية أو الدّين أو العقيدة“. فهذه هي السمة الأساسية للعلمانية، بوصفها شرطًا من شروط النظام الديمقراطي. أما تحويل العلمانية إلى شعار، وأيديولوجيا شاملة، فيمكن أن يكون عقبةً أمام ديمقراطية النظام السياسي، بدلًا من أن يكون شرطًا من شروط هذه الديمقراطية.

وانطلاقًا من هذين الفهمين المختلفين للعلمانية؛ يمكن للحديث عن حقوق سياسية للجماعات الدينية أن يكون متناقضًا مع العلمانية، بوصفها شعارًا، وأيديولوجيةً شاملةً تقول بالفصل الكامل بين الدين، من جهة، والسياسة والدولة، من جهة أخرى، لكن الإقرار بالحقوق المذكورة لتلك الجماعات لا يتناقض مع العلمانية، بوصفها سمةً من سمات النظام الديمقراطي، ومع كونها تقول بالمساواة بين المواطنين في الكرامة والحقوق والواجبات؛ بل إن هذا الإقرار المبدئي (قد يكون) من مقتضيات ديمقراطية هذا النظام أو من نتائج تلك الديمقراطية. لا شك في أن هناك كثيرًا من الشكوك في خصوص مدى تقبل قوى “الدين السياسي” للديمقراطية، ولهذا وجب التشديد على أن قبول النظام السياسي الديمقراطي لأي طرف يشترط، بالضرورة، قبول هذا الطرف، صراحةً، ونظريًّا وعمليًا، لأسس هذا النظام الديمقراطي ومقوماته الأساسية. يُضاف إلى ذلك أن إعطاء الحقوق السياسية للجماعات يجب أن يتأسس على الحقوق الفردية، وليس العكس. وبكلمات أخرى: إن الحقوق المذكورة تتأسس على حقوق الأفراد، أما حقوق الأفراد فلا تتأسس على أي حقّ جماعاتيّ، بل تؤسس له. وهذا يعني أن الأفراد يملكون دائمًا إمكانية الدخول في تنظيمات جماعاتية، كهذه، والخروج منها. فالنسب لا يفضي تلقائيًّا إلى الانتساب، ولا يمكن قبول أي قسر أو فرض جماعاتيّ، في أي نظام ديمقراطيّ. كما ينبغي التشديد، دائمًا، على أن تلك التنظيمات تمثل جانبًا، فقط، من رؤية الجماعة المفترضة التي تنتمي إليها، ولا يحق لها ادعاء التمثيل الكامل لها. فهذا الأمر تقرره سيرورة العملية الديمقراطية التي تفسح دائمًا مجالًا لاختلاف الآراء وتغيرها وتغييرها، بعيدًا عن أي محاصصات جامدة أو حتى ثابتة.

  • Social Links:

Leave a Reply