الليرة السورية .. اللعنة المزدوجة

 الليرة السورية .. اللعنة المزدوجة

إياد الجعفري – المدن:

يعكس أداء الإدارة الحالية لمصرف سورية المركزي، درجة الرداءة التي وصل إليها واقع النظام الحاكم سواء على صعيد الخطاب الموجّه للداخل، أو على صعيد كيفية إدارته للأزمات الاقتصادية، أو حتى على صعيد محدودية موارد القوة الاقتصادية التي بقيت في قبضته. وفي مفارقة تشبه تلك التي أشارت إليها دراسة “معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى”، مؤخراً، والتي كشفت أن النظام يسيطر فعلياً على 15% فقط من المنافذ الحدودية البرّية في البلاد، فيما يرفع مسؤولوه شعار “السيادة” في خطابهم –ليل نهار-، يأتي تحدّي كسر حاجز الـ 3000 ليرة للدولار الواحد، وفق ما طرح أحد مسؤولي المركزي، بوصفه تعبيراً صارخاً عن الاستخفاف بعقل المتلقي السوريّ.

وفيما غاب حازم قرفول، حاكم المركزي، عن المشهد الإعلامي تماماً، تعاقب ثلاثة مسؤولين من إدارته على الإعلام الموالي، طوال الأسبوع الفائت، ليواكبوا حملة أمنية شنتها سلطات النظام على شركات ومكاتب الصرافة في البلاد، بغية لجم تدهور الليرة. وكانت مهمة المسؤولين دعم تلك الحملة، بخطاب يعزّز تأثيرها. لكن خطابهم لم يؤتِ ثماره، بل أثار السخرية والاستياء جراء ما احتواه من استغباء لعقل المُتلقي. وكان أبرز هؤلاء المسؤولين، وأكثرهم ظهوراً، صاحب تحدّي كسر حاجز الـ 3000 ليرة للدولار، عمار معروف، أمين سر هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف سورية المركزي.

فقد حذّر الرجل السوريين من الانجرار وراء “الشائعات”، مشيراً إلى أن القائلين إن الدولار لن ينخفض تحت حاجز الـ 3000 ليرة، مخطئون، بدلالة أن الدولار وصل قبل ستة أشهر، إلى 3600 ليرة، ومن ثم انخفض مجدداً إلى 2200 ليرة.

فالرجل لم يكتفِ فقط بالتدليل على مبررات تحدّيه، بمعلومات مغلوطة، من قبيل أن الليرة هوت إلى 3600 للدولار الواحد، قبل ستة أشهر، بل واستخف بعقول المتلقين أيضاً حينما اعتمد على هذه المدة الزمنية  -آخر 6 أشهر- بوصفها الدلالة على دقّة قراءته، وتجاهل تماماً الأشهر الستة التي سبقتها، حينما كان الدولار بـ 900 ليرة وهوى إلى ما فوق الـ 2000 ليرة.

بطبيعة الحال، فإن “عمار معروف” الذي يترأس الدائرة التي تولت الحملة الأمنية الأخيرة على شبكات الصرافة، تلميذ نجيب لحاكم المركزي، صاحب التوصيف الشهير –السعر الوهمي للدولار-، الذي أثخن جراح السوريين بتكراره على مدى أكثر من سنتين منذ تعيينه في موقعه، ليحدد هو ذاته، قبل شهرين فقط، سعراً قريباً من هذا “السعر الوهمي”، لتصريف “دولار بدل خدمة العلم”، في إجراء أثار أعلى درجات السخط في أوساط الموالين من السوريين، قبل المعارضين. سُخطٌ زخرت به وسائط التواصل الاجتماعي، حينها، وكان التساؤل المعلن في أوساط المُتفاعلين: كيف تتحدثون عن “سعر وهمي للدولار”، ومن ثم تعتمدون تصريف الدولار لصالحكم بسعر قريب منه؟

وبالعودة إلى حملة المركزي الأخيرة وتصريحات جوقة مسؤوليه، كانت ثمار الحملة الأمنية ذاتها -والتي نالت من عدد كبير من الصرافيين في دمشق وحلب وحماة، ودامت أياماً عديدة- متواضعة للغاية، فالليرة تحسنت من أدنى مستوى لها في تاريخها – 3400 للدولار- لتصبح بـ 3250 للدولار، لأقل من 48 ساعة، قبل أن تعاود الانخفاض مجدداً، وتستقر مساء الأربعاء 17 شباط/فبراير الجاري، عند حاجز 3330 للدولار. أي أن حملة المركزي الأمنية، وما رافقها من حملة “نفسية – إعلامية”، نجحت في خفض الدولار 70 ليرة فقط، من أصل 480 ليرة قيمة ارتفاع الدولار منذ طرح ورقة الـ 5000 ليرة سورية للتداول في الأسواق، قبل ثلاثة أسابيع.

وفيما تصرّ جوقة مسؤولي المركزي على رفض أي ربط بين تدهور سعر الصرف وبين إجراء طرح الـ 5000، تشير لغة الأرقام إلى أن الليرة فقدت 12,32% من قيمتها، منذ طرح الورقة النقدية الجديدة. أما لغة السوق، فتعطينا نتائج أكثر خطورة، إذ تؤكد مصادر متقاطعة من الداخل بأن التجار يسعّرون بضائعهم على 3700 للدولار، أي أعلى من السعر الرائج للدولار بأكثر من 350 ليرة، في إشارة إلى أنهم يتوقعون المزيد من التدهور لسعر الصرف.

وبطبيعة الحال، تكشف محدودية أثر حملة المركزي الأمنية، حقيقة محدودية قدراته التدخلية، بعد أن انحصرت أدواته للتدخل، بالعصا الأمنية فقط. فزمن جلسات التدخل الحقيقية، حينما كان المركزي يضخ الدولارات في الأسواق، للجم تدهور الليرة، في عهد أديب ميالة، الحاكم الأسبق للمركزي، ولّى إلى غير رجعة. فخزينة المركزي ما عادت تحتمل عبء سياسة “التعويم الموجّه” لليرة السورية، التي أدارها ميالة بحنكة مقبولة منذ العام 2012 وحتى إعفائه من موقعه في تموز/يوليو 2016. وفيما كان خَلَفُه، دريد درغام، يتفاخر بالاستقرار النسبي لسعر الصرف في عهده، مرجعاً هذا الإنجاز إلى أدائه، كان أثر التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع المسلح لصالح نظام الأسد، قد بدأ يُؤتي ثماره ميدانياً، بصورة دعمت الليرة نفسياً، حتى صيف العام 2018، حينما هدأت الآلة الحربية على معظم الجبهات، لتتكشف –وبشكل سريع- الآثار الاقتصادية للحرب. وفي خريف ذلك العام، أيلول/سبتمبر 2018، بدأ عهد الحاكم الحالي للمركزي، حازم قرفول، الذي كان حظه عاثراً للغاية، أن تولى إدارة أهم مؤسسة اقتصادية في البلاد، في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد يكشف بأصدق تعبير عن آثار سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها النظام وحلفاؤه، قبل أن يستعيدوا معظم الأرض ذاتها، التي أحرقوها، هم أنفسهم. لتصبح مهمة حاكم المركزي، إدارة الأزمات، بخزينة شبه فارغة، وبخطاب متهاوٍ لا يستند إلى أية حقائق على الأرض، بصورة أفقدت هذه المؤسسة الرصيد المتبقي لها من الثقة التي تمتعت بها في أوساط شريحة من السوريين بالداخل، وبالتالي خسر مسؤولوها أي قدرة على التأثير النفسي للجم تدهور العملة، التي لعنتها صورة الأسد الأب، ومن بعده الابن.

  • Social Links:

Leave a Reply