“النمر الأبيض”.. الرأسمالية تقتل

“النمر الأبيض”.. الرأسمالية تقتل

محمد صبحي_ المدن

لماذا لا يثور الدجاج في أقنانه، فيما يشمّ رائحة دماء أقرانه المذبوحين أمامه مباشرة في أكشاك سوقٍ هندي؟ لماذا ينتظر السكين بإخلاصٍ وتسليم؟ بالرام حلوائي، شاب هندي قروي نابه، ونادر مثل النمر الأبيض، يدلي بدلوه ويجيب: لأنهم أدمنوا استعبادهم. هكذا وضعُ بلد بأكمله، كما يخبرنا بالرام (آدارش غوارف) في تعليقه الصوتي الممتد بطول فيلم “النمر الأبيض”(*) للمخرج الأميركي الإيراني رامين بهراني: خدمٌ عالقون في قنّ الدجاج يسمحون باستغلالهم لأنهم لا يعرفون شيئاً آخر. مَن ينتهك تلك القواعد العريقة، يلحق عقابٌ دامٍ بعائلته. لا يعرف بالرام ما كتبه نيتشه عن “أخلاق العبيد”، ونظرة المستضعف الحانقة تجاه القوي، وتعليل وضعه المزري بافتقاده القوة، وتعويد النفس على الرضا بأي حياة حتى تستحق أن تُعاش. لكنه يعرف أن الشيء المهم بالنسبة إليه هو تبديل وضعه ليصبح نسخة من سَيّده، سَيّد نفسه وسَيّداً على الآخرين، بأي ثمن. “‫يجب أن يكون رائد الأعمال الهندي ‫شريفاً وفاسداً، ساخراً ومؤمناً، ‫ماكراً وصريحاً، وذلك كله في الوقت نفسه”، يقول بالرام في رسالة إلكترونية إلى رئيس الوزراء الصيني، لا ينقصها جنون العظمة ولا الإشارات المضحكة، يروي فيها قصة تخلّصه من العبودية ليصبح “رائد أعمال” ناجح.

وُلد رامين بهراني (1975) في الولايات المتحدة لمهاجرَين إيرانيَين مسلمَين، وحصل على بكالوريوس الفنون من جامعة كولومبيا العام 1996 ثم درس السينما في طهران. هذه ليست المرة الأولى التي ينظر فيها بهراني إلى العالم من أسفل في أحد أفلامه. أول ظهور له كمخرج، “رجل يدفع عربة” (2005)، تدور أحداثه حول مهاجر باكستاني يقود شاحنة طعام في شوارع مانهاتن. فيلمه الثاني، “تشوب شوب” (2007)، بدوره، يأخذ وجهة نظر طفل شارع لاتيني من أحياء كوينز الفقيرة يعمل لإعالة أخته الصغرى. “النمر الأبيض” ينطلق من معينٍ مألوف لمعرفة الاحتمالات الممكنة أمام شخص وُلد كخادم ضمن نظام استغلالي لا يُسمح فيه لأحد بالتحرّر من تدجينه، عبر قصة صعود مفعمة بالحيوية والوحشية.

المشهد الأول يحدّد الفكرة المهيمنة والوتيرة السريعة للسرد: سيارة دفع رباعي تخوض ليل نيودلهي، بمسار مترنّح وقيادة عصبية، تتفادى السيارة بقرة مقدسة، وتتجاوز نصباً تذكارياً لغاندي مبهرج الإضاءة، على الرصيف تنام عائلة بأكملها مستدفئة بالنار. زوجان ببشرة فاتحة وملابس غربية يجلسان في مقدمة السيارة، شاب في زي المهراجا في الكرسي الخلفي. في عيد ميلاد “سيدته”، ارتدى السائق زيّاً احتفالياً. خائفاً، يسأل السائقة المخمورة إذا كان من الصائب أن يتولى هو القيادة مرة أخرى، فيما عقد لؤلؤ مربوط بعمامته يصلصل في المنحنيات. لكنها تستمر في التسريع، وتأمره بالغناء لها. دوي مكتوم. تتجمد الصورة. من خارج الشاشة يأتي صوتٌ معتذراً عن الدخول العنيف. إنه صوت بالرام، سائق وخادم النسل المدلل لعائلة ثرية تختصر فساداً يحيق بكافة أضلاع “أكبر ديموقراطية في العالم”. ابتسامته تجسيد الخنوع، بجسدٍ داكن ونحيل، ينحني باستمرار، ينزل على ركبتيه طالباً المغفرة، كأنه يعتذر عن وجوده.

يستند “النمر الأبيض”، إلى رواية بالعنوان نفسه، للكاتب الهندي أرافيند أديغا، وهي رواية بيكارسكية عن الرأسمالية المفترسة فازت بجائزة “مان بوكر” 2008. في نصّه الهجومي والحاد لا ينقضُّ أديغا على المجتمع الهندي فقط، بل يوسّع النطاق ليشمل جميع أشكال النثر والتدوين العاطفية والمجانية، بأسلوب كوميدي سوداوي متخفّف من الأخلاقية والصوابية السياسية، يقوم بعمل مزدوج في رحلة تمكين بطله (أو بطله المضاد بالأحرى). تمكينُ يبرهن عليه بطل الرواية “الشاطر” بكل قساوته ومزالقه، وتتغذّى فيه النكتة على ازدراء يمتد في كل الاتجاهات، وحيث تنقلب النوايا الحسنة حكمةً شريرة في النهاية. من السهل تخيُّل بطل الرواية، الذي يقايض أخلاقه بالقوة مُخاطِراً بهلاك عائلته، حين تفسيره سينمائياً، نسخةً بوليودية مؤفلمة من “فيليكس كرول”، بطل رواية توماس مان غير المكتملة؛ كغندور بروليتاري محتال يقود من أنفه طبقة عُليا منحلَّة. يسهل أيضاً تحوُّل الرواية إلى كارثة سينمائية مزيَّفة الواقعية على طريقة “المليونير المتشرد” (2008، داني بويل). لكن، لا. صحيح أن “النمر الأبيض” يشترك في بعض الخصائص الجينية مع الفيلم إياه، من نظرة أبوية أحياناً، وتقديم قراءة ساخرة لمجتمع العملاق الآسيوي لا تنجح في الهروب من أبسط مستوى لتفسير الواقع. غير أنه يبتعد عنه بأشواط طويلة في جماليات سرده السينمائي ونفوره من تقديم “بورنوغرافيا فقر” واستفادته من أصله المكتوب لتقديم جولة بانورامية مؤسفة عبر المجتمع الطبقي الهندي، ونظرة ساخرة على التقاليد التي تحدّد مصيراً بالولادة، أو ما يمكن اعتباره تفسيراً بوليودياً لملاحظات هيغل حول العلاقة بين السيد والعبد.

ما قدّمه بهراني في فيلمه هو إنجاز مقبول، باقترابه قدر إمكانه من روح ونبرة الرواية (المُهداة إليه في الأصل)، كما لاختياره أماكن تصوير واقعية وجديرة بالتصديق. نرى الهند بلا زخارف، ملونة بالتأكيد، لكن قبل كل شيء، قذرة وفوضوية وقاتمة بلا قلب وفاسدة حتى النخاع. في الناحية الأخرى، الجانب الثري منها، نجد أغنياء بلا ذوق ولا فضائل، بيئة لا تستطيع مثاليات الغرب أن تجد لنفسها فيها قدماً. لا يحتوي الفيلم تقاريراً اجتماعية، بل يفعل شيئاً أعقد، بنظمٍ كوميدي سريع الخطى يباعد المسافة بين بشاعات النضال الدارويني المكتوب على شخصياته خوضه والإحساس بمزاج كاره للبشر يتخلّل تصوير الحكاية. تعمل سردية الفيلم بطريقة تجميع بازل مصوَّر، بمراوحته كرونولوجيا وتركيزه على أحداث وتفاصيل معينة، واستثمارها لاحقاً في فترات متأخرة. بعبارة أخرى، ما يبدو مزعجاً ومُنمَّطاً في المشاهد الأولى، يشيّد به الفيلم أساساً عاطفياً لبطله قبل مواجهة جانبه المظلم في الثلث الأخير منه.

يأخذ الفيلم وقته مع المراحل المحدّدة لحياة بالرام. بفضول وثائقي وإفراط واقعي، تستكشف كاميرا محمولة يوميات الحياة القروية في طفولته، ثم بدايات وجوده كخادم في نيودلهي. عَيشه تحت الأرض في مرآب قذر تحت ناموسية يهاجمها الذباب، بينما تتزيّن شقة “سيّده” الفندقية بورق حائط ذهبي وثريات وأشياء لم يرها قطّ. في الواقع، يتمتع بالرام بحظٍ جيد، حيث عُيّن كسائق لابن العائلة التقدمي، أشوك (راجكومار راو)، الذي لم يدرس فقط في أميركا بل لديه أيضاً خططاً غامضة لشركة تعهيد رائدة (كل من الفيلم والكتاب لا يدخر سخرية من هوس الهنود بالبيزنس والتفكير على نطاق تجاري واسع)، ويعامله باحترام. لكن تحت هذا السطح الرقيق أكوامٌ رابضة من الإذلال الطبقي والحقد المضاد. نجمة بوليوود بريانكا تشوبرا، تبدو مُقنِعة في دور “بينكي”، زوجة أشوك التي نشأت في نيويورك لعائلة هندية فقيرة، وتصبّ غضبها على النظام الاجتماعي الجائر في الهند وتحاضر بالرام – الذي ينجذب إليها جنسياً بالطبع – حول خطأ خنوعه، لكنها تتهرّب من المسؤولية عندما ترتكب خطأ فادحاً ويتعيّن على “خادمها” تحمُّل عاقبته.

لن تأخذك الكارما بعيداً في عالم اختزلت طبقاته إلى جزّارين وماشية، أثرياء وفقراء، مخدومين وخادمين، مَن يملك ومَن لا يملك. نجم الفيلم هو آدارش غوراف الذي يجسّد الشخصية الرئيسية بتفسير متعدد الطبقات وغموض يناسب تحولاتها، بأغوارٍ مظلمة ومساحة ممكنة للتعاطف في الوقت ذاته، فقيرٌ محتال تؤلمه أحلام الصعود ثم رائد أعمال فاسد بحسِ مسؤول. سمكة صغيرة تتمرّد على مصيرها المحتوم بأن تأكلها السمكة الكبيرة. هل هذا كافٍ؟ هل حطّم أحدهم قنّ الدجاج هنا؟ أم أننا نشهد من جديد أن أعظم يوتوبيا للمضطهَدين تنتهي بأن يصيروا هم أنفسهم مضطهِدين؟ هل من الممكن المساومة على الشرّ في بازار نيتشه الأخلاقي هذا؟ اقتراح مثل هذه الأسئلة، مع تركها مفتوحة، هو الشيء الأكثر راديكالية في الفيلم. في النهاية، يتبقّى شعورٌ بأنك حدّقت عميقاً في فم وحشٍ مفترس نعرفه جميعاً ونطعمه يومياً.

  • Social Links:

Leave a Reply