مساهمة في دراسة الثورة السورية

مساهمة في دراسة الثورة السورية

محيي الدين محروس _ الحوار المتمدن

من الضروري تقديم الدراسات العلمية والسياسية للثورة السورية التي مرت بعدة مراحل، وكذلك العوامل الداخلية والخارجية السياسية والاقتصادية التي أثرت في مجراها وتطورها.

كذلك مواقع الخلل وعدم تحقيق أهدافها بعد!

هل الثورة السورية هي ثورة؟

حسب التعريف المشترك للثورة يمكن القول:

„ الثورة السياسية هي الحراك الجماهيري الواسع، الذي يعبر عن إرادته للتغير الجذري للنظام السياسي القائم ( الإطاحة بالنظام السابق ) في البلد، و بناء نظام سياسي جديد، و يحمل معه تغييرات جذرية سياسية واقتصادية وقانونونية واجتماعية وثقافية وتعليمية.“

الحراك الجماهيري يكتفي برفع شعارات مطلبية اقتصادية أو اجتماعية من أجل أن تحققها السلطة السياسة، وينتهي يتحقيقها بينما – كما ورد – الثورة السياسية تهدف للإطاحة بالنظام السياسي الحالي لإقامة نظام سياسي جديد.

نعم هي ثورة في كل المعايير، ومن المفيد التذكير، بأن الثورة السورية لم تأتِ من المريخ، بل كانت في سياق وانسجام مع الثورات في بعض الدول العربية، والتي تمت تسميتها: ثورات الربيع العربي.

فما هي الأسباب الموضوعية للثورة؟

الجواب باختصار:

الأسباب السياسية:

– قمع الحريات العامة والخاصة، والتي تجسدت في عدم حرية الإعلام بكل أشكاله.

– النظام الشمولي.

– منع نشاط الأحزاب السياسية والمدنية غير الموالية للنظام…وحتى الموالية: فهي تحت المراقبة الشديدة.

– سيادة نظام ديكتاتوري وتأليه „ القائد“ ..ظاهرة عبادة الفرد.

– ممارسة التمييز بين المواطنين على أساس: موالي ( مواطن درجة أولى )، ومُعارض( مواطن درجة ثانية أو ثالثة، قد يسبقه المواطن الحيادي) . وما يتبع ذلك من التمييز في العمل في مؤسسات الدولة، وإمكانيات مواصلة التعليم داخل البلد وخارجه، وإمكانية الوصول „ للإدارات المحلية “ و „ مجلس الشعب“ وحتى للمحاكم لممارسة القضاء!

– انتشار ظاهرة الفساد والرشوة في كل مؤسسات الدولة.

الأسباب الاجتماعية:

– لعب النظام السوري على المظاهر الطائفية، فاستغل أبناء الطائفة العلوية للعمل في قيادات الجيش والأجهزة الأمنية المتعددة وفي العديد من المناصب الحكومية. وبذلك فهو أساء لأبناء الطائفة لما خلقه من مشاعر سلبية من بقية المذاهب والأديان.

– تواجد جيل جديد من الشبان المُهمش اجتماعياً واقتصادياً.

– سهولة التواصل الاجتماعي عبر وسائل التواصل الإلكتروني، لعب دوراً إيحابياً في تسيهل التجمعات الشعبية السلمية في الساحات والشوارع.

تأثير الثورات الإيجابي التي انطلقت في بقية البلدان العربية تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين.

الأسباب الاقتصادية:

– تدهور الأوضاع المعيشية المستمر للجماهير الشعبية، مقابل تشكل طبقة من الملياردية من السماسرة الطفيلية، وتشاركيتها مع مجموعة من الضباط المسؤولين. وبعلم القيادات السياسية الحاكمة …ومشاركتها.

– عمق واتساع الأزمة الاقتصادية من بدايات الثورة إلى يومنا هذا… ومعاناة الجماهير المطردة.

– عدم توفر فرص العمل، وأزمة البطالة ….وأزمات السكن في المدن …وارتفاع الأسعار للمواد الغذائية الأساسية …

بكلمات أخرى، هذه الأسباب الموضوعية لانطلاقة الثورة، تنفي نظرية ” المؤامرة ” التي يرددها النظام السوري، وبعض القوى السياسة التي تدعمه. مثل هذا النظام السياسي – الاقتصادي، وفي هذه التركيبة، لا يمكن إصلاحه، بل لا بد من اقتلاعه من جذوره، و بناء نظام جديد عادل عبر الثورة.

من الضروري هنا، التذكير بأن الثورة السورية انطلقت بدون قيادة سياسية من أي حزبٍ أو تنظيمٍ سياسي، وهذا ما أعطاها طابعها العفوي الجماهيري ، ولكن مع استمرار الحراك بدون قيادة ديمقرطية تمثله كان له تأثيراته السلبية.

فانطلاقة الثورة من الشارع وبدون قيادة سياسية تعني أيضاً دون أي برنامج سياسي، بل خلف المطالب التي تجسدت بعدة شعارات ..مثل:

الحرية والكرامة …واحد واحد الشعب السوري واحد …

إن استمرار عدم التوافق على برنامج للمرحلة الانتقالية وما بعدها، أدى إلى انقسامات عديدة بين القوى الثورية الوطنية…وهذا الوضع مستمر إلى يومنا، على الرغم من التوافقات بين بعض التنظيمات، وتشكيل بعض التحالفات، ولكنها لا تزال ليست جامعة، وليس لها تمثيل واسع في الشارع السوري ولا على المستوى الدولي.

من المفيد والضروري التذكير بحقيقة أن غياب التنظيمات السياسية المُعارضة، كان نتيجة الحكم الاستبدادي الأمنوقراطي لعشرات السنين، والمنتشر في كل حي ومدينة وقرية ومؤسسة وتنظيم سياسي ومدني وجماهيري وفي كافة مؤسسات الدولة وقطعات الجيش.

أما في الخارج فكانت القوة الأكثر تنظيما واتساعاً ضد النظام هي تنظيم : الإخوان، بالإضافة لشخصيات وطنية في مختلف الدول.

من هنا يمكن تفهم أسباب انقضاض الإخوان لقيادة المُعارضة في الخارج، وسيطرتهم على „ المجلس الوطني „ الذي تأسس مع بدايات انطلاقة الثورة. واليوم يقوم هذا التنظيم على قيادة الثورة المُضادة الإسلاموية السياسية والسلاحوية.

أشكال تصدي النظام الاستبدادي للثورة:

– إعلامياً وسياسياً: تم نفي وجود ثورة في سوريا … وتم لصق الاتهام بأن ما يجري هو من قبل تنظمات مأجورة للخارج…. وليساهم في ذلك: أطلق من سجونه بعض قيادات الإخوان وغيرهم من الإسلاميين.

– الاستخدام المفرط للسلاح: استخدم كافة الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية المُحرمة دولياً لقصف المدن والقرى!

وكذلك القصف بالبراميل وغيرها من الأسلحة الثقيلة.

السجون: قيام النظام بالسجن العشوائي لمئات آلاف السوريين والسوريات والأطفال بدون محاكمات، واستخدام أساليب التعذيب الوحشي ضدهم …بما فيها الاغتصاب. التغييب الواسع: أي عدم اعترافه بتواجد آلاف المسجونين، وعدم اعترافه بالوفيات، وعدم إعلام أهل المتوفي بذلك.

الطائفية:

استغل النظام الاستبدادي مسألة انتساب الرئيس …ومن ثم ابنه للطائفة العلوية أسوء استغلال!

بدءاً من تسليم المؤسسات الأمنية والعديد من المواقع القيادية العسكرية لأبناء الطائفة العلوية، بهدف جرهم للمشاركة في حكمه، وإلزامهم بالدفاع عنه، وبأنهم في حال تخلوا عنه …فهم مُستهدفون!

وللأسف! الكثير من قوى الثورة، بالإضافة لقوى الثورة المُضادة يقدمون البراهين على ذلك، بغض النظر عن كون ذلك عن وعي وإدراك أو بدونه.

كما استغل النظام موضوع الطائفية في لجوئه „ لحزب الشيطان الإيراني في لبنان „ وكذلك للنظام الإيراني الاستبدادي لحمايته من شعبه… وسمح في الدخول إلى سوريا للعديد من التنظيمات „ الجهادية العلوية „ لدعم نظامه الاستبدادي الذي ليس له أي علاقة في ممارسة الحكم الإسلامي – الشيعي.

على المستوى الدولي: حاول النظام ولا يزال كسب التأييد لنظامه أو على الأقل تحييد العديد من الدول في دعمها للثورة السورية. وهنا استطاع النظام النجاح في الشق الثاني، فالعديد من الدول والتنظيمات الدولية بعد مشاهداتها ومتابعاتها لما يجري على الساحة السورية من قبل „ التظيمات الجهادية „ من داعش للنصرة وغيرها من التنظيمات الإسلاموية الإرهابية تحت الأعلام السوداء… توقفت كلياً عن دعمها للثورة السورية ولا تزال، حيث لا ترى البديل الديمقراطي.

– اللعب على المسألة القومية:

قام النظام باللعب على عدة محاور:

بخصوص القضية الكُردية استطاع النظام، خاصةً بعد انتشار „ التنظيمات السلاحوية الجهادية „ في شمال البلاد، ومحاولاتها السيطرة على شرق الفرات، أن يتوافق مع إخوتنا الكُرد على „ عدم الاعتداء المُتبادل“، الذي كان عملياً – عسكرياً لصالح الطرفين.

من جهة استطاع أخوتنا الكُرد تجميع قواهم المسلحة ضد عدوانٍ واحد لهذه التنظيمات الإرهابية على مناطقهم، واستطاعوا تحقيق الانتصار، ومن جهةٍ أخرى حماية مناطق شرق الفرات من القصف العشوائي للنظام.

وبذلك حققوا نجاحاً على هذين المستويين. والنظام ارتاح من التصدي للثورة على الجبهة الشرقية.

على الرغم من التحييد السلاحوي لإخوتنا الكُرد، ولكن هذا لا يعني نسيانهم للمعاناة والاضطهاد لهم من جانب النظام مثل: الحرمان من المواطنة، ومنع التحدث والتعليم باللغة الكُردية، سياسة التعريب لتسميات المناطق الحغرافية والمدن والقرى والأحياء…

عدا عن التهجير القسري سابقاً في „ مشروع طالب هلال“ لبناء ما يُسمى“ الحزام العربي „ … واليوم جاء أردوغان لتنفيذه على الأرض في استخدامه لعودة اللاجئين للشمال السوري، وقيام „ الحزام“ بقيادة الإخوان، الذين يتقاضون رواتبهم من أردوغان ومنح العديد منهم الجنسية التركية!

بالنسبة للآشور والسريان والأرمن ….بعد أن سيطرت التنظيمات الإسلاموية على بعض المدن والقرى، وجدوا في النظام الجهة „ الأقل سوءاً „ عليهم، على الأقل داخل البلد. فوقف العديد منهم موقف الحياد.

وهذا التحييد كان في نهاية المطاف لصالح النظام.

ما هو الحل الوطني المطلوب اليوم؟

من الضروري والملح اليوم وبعد مضي عشر سنوات على انطلاقة الثورة:

توافق التنظيمات والشخصيات الوطنية الديمقراطية، باستثناء قوى „ الثورة المضادة“ وتنظيماتها المُسلحة،

على مشروع وطني جامع يتلخص باختصار:

التوافق السياسي على المرحلة الانتقالية وما بعدها، يتم فيه:

– تبني مشروع قيام دولة المواطنة الديمقراطية،

– وتبني مشروع قيام نظام الإدارات الذاتية المحلية،

– وفصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة.

ومن ثم التوافق على قيادة وطنية ديمقراطية لهذا المشروع.

تقوم هذه القيادة الوطنية التوافقية وكل التنظيمات والشخصيات السورية المنضوية تحت هذا المشروع بأوسع النشاطات لنشر هذه الرؤية في الوسط السوري حيثما تواجدوا، ولنشرها على المستوى الدولي عبر التواصل مع القيادات السياسية والمدنية، وعلى مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

وبالطبع هذا الحل السياسي السوري يتوافق مع قرار مجلس الأمن 2254.

مع التأكيد على أن الحل يبدأ بتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة،

ومن مهامها تشكيل لجنة لصياغة مشروع دستور. ( وليس كما يجري اليوم: لجنة من خارج قيادة المرحلة الانتقالية).

ومن المهام الوطنية: المطالبة بخروج كافة الجيوش والفصائل المسلحة الأجنبية عن الآراضي السورية.

المهمات الوطنية كبيرة ومتعددة من هنا تنبع الدعوة الوطنية الصادقة:

من أجل التنسيق السريع بين القوى الوطنية السورية

على برنامج وطني وقيادة وطنية توافقية له

لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لكل السوريين.

  • Social Links:

Leave a Reply