نظام الحملان في مواجهة المؤامرة الكونية

نظام الحملان في مواجهة المؤامرة الكونية

زكي الدروبي

طالعتنا بعض القنوات والصحف العربية بتقارير ومقالات تتحدث عن معاناة ومأساة الشعب السوري الذي تعرض نظامه لمؤامرة كونية تحت ذريعة الحرية والديمقراطية، وأسهبت في تفصيل كيف تم التغرير ببعض الناس، وتسلل الارهابيين وقوات الاحتلال، ناشرة صور الجولاني والبغدادي والأعلام التركية التي ترفرف في شمال سوريا، متجاهلة الأعلام الايرانية والروسية والأمريكية، كما ركزت على رايات الجماعات الاسلامية التي بدأ دخولها إلى سوريا بعد عامين على انطلاق الثورة السورية، وتناست أو تجاهلت رايات حزب الله ورايات PKK  وصور أوجلان.

صورت تلك القنوات على أن سماء سوريا قبل الثورة كانت صافية، والعصافير تزقزق، والفراشات تحوم، والأزهار تنعش هواء البلاد، لكن المتآمرون الموتورون العملاء للغرب ولبعض الدول العربية قاموا بتخريب هذا الجمال، وهجمت غيوم المؤامرة لتلبد هذه السماء الصافية الجميلة وتدمر الوطن السوري.

أصحاب هذه النظرية والمسوقون لها من المناهضين لربيع الشعوب الساعية إلى نيل الحرية من الاستبداد والانتقال إلى نظم ديمقراطية تعتمد على شرعة حقوق الانسان في تعاملها مع مواطنيها والمدافعين عن الانقلابات والاستبداد لم يروا أن رياح الربيع العربي أتت من أجل إزاحة الغيوم التي تلبد سماء الوطن أصلاً.

بدأت سماء الوطن السوري تتلبد بالغيوم منذ أن انقلب العسكر على المدنيين في آذار 1963 – وللمصادفة فإن آذار 2011 أتى برياح الثورة الهادفة إلى كنس الغيوم الداكنة التي تحجب الشمس عن سوريا – وتلاها انقلابات العسكر على زملاءهم العسكر، حتى وصل الأمر إلى حافظ الأسد الذي قتل افراد الشعب السوري منذ وصوله إلى كرسي السلطة، بدءاً برفاق دربه الذين شارك معهم بالانقلابات السابقة، والذين دعموه وأوصلوه إلى كرسي السلطة، مروراً باستغلال صراعه مع الاخوان المسلمين ليبيد مدينة بأكملها في عام 1982 وليقوم بمجازر متنقلة بين المدن السورية، ناشرا الرعب والذعر في صفوف السوريين، واعتقل كل معارض أو أي شخص يشتبه في أنه قد يشكل خطرا علي نظامه في القادم من السنوات، فأودعهم السجون وقضى على ما تبقى من أقلام حرة مستقلة مدجناً الصحافة السورية محولا اياها لصحافة تسبح بحمده.

لم يرى أصحاب نظرية المؤامرة كيف حول حافظ الأسد سوريا العظيمة إلى سوريا الأسد، بحيث أصبحت مزرعة لعائلته والمقربين من سلطته، فدب الفساد، وتراجع البلد في كل المستويات، ودفعت عقوله المفكرة المستنيرة، وعلماءه الأفذاذ، للهجرة، فأصبحوا منارات في العلم والمعرفة لدى المجتمعات الأوروبية والأمريكية وفقدهم وطنهم.

لم يرى هؤلاء كيف حول نظام الأسد النظام الجمهوري في سوريا إلى نظام ملكي وراثي، حيث تم توريث الجمهورية من حافظ إلى ابنه بشار في مسرحية سخيفة لا ترقى حتى لتكون مسرحية كوميدية.

لم يرى هؤلاء كيف خرجت بثينة شعبان لتقول بأن المتظاهرين على حق وأن سلة الاصلاحات وضعت قيد التنفيذ، وسيتم تلبية مطالبهم، لتقوم قوات الأمن بإطلاق الرصاص عليهم وقتلهم، ولم يروا كيف كانت أسماء الأسد تتسوق من متاجر أوروبا التحف الثمينة والمجوهرات والأحذية الفاخرة البالغ ثمنها آلاف الجنيهات الاسترلينية بينما يعيش معظم الشعب السوري فقيراً معدماً.

وغاب عنهم الموضوعية بتناول السواد الذي تم إظهاره على الشاشات مدعين أنه نتيجة حتمية للمؤامرة الدنيئة على سوريا حسب وصفهم، ونسوا كيف ملئ نظام الأسد السجون بالمفكرين والمثقفين وأصحاب الفكر المدني، وأطلق بدلاً عنهم مئات الجهاديين التكفيريين، وكذلك فعل نوري المالكي، وسهل لهم الحصول على الأموال والسلاح.

إن المتتبع لما تبثه هذه القنوات والصحف من تحيز وعدم موضوعية يدرك بأن حركة الشعوب المطالبة بالحرية والديمقراطية قد أوجعت بعض الأنظمة التي تحسست على رأسها وبدأت تروج لهذا الفكر المؤامراتي كي تخيف شعوبها فيرتدعوا عن أي حركة احتجاجية مهما كانت مطالبها محقة كي لا يحصل لهم ما حصل للشعب في سوريا واليمن وليبيا، لكن الشعوب أبت إلا أن تعبر عن مطالبها فانتفضت في السودان والجزائر والعراق ولبنان، ولازالت المياه هادرة والجمر متقد، وكل محاولات الثورات المضادة من أجل إيقاف هذا السيل الهادر باءت بالفشل حتى الآن، وما نجحوا فيه فقط زيادة مستوى الدماء والضحايا والتكلفة العالية للحصول على الحرية، وهذا سيدفع الشعوب لتكون حريصة جداً على ما وصلت إليه ولن تضحي بأي مكسب من مكاسبها في المستقبل.

  • Social Links:

Leave a Reply