مخاطر التغيير الديموغرافي في سورية (1)

مخاطر التغيير الديموغرافي في سورية (1)

د. عبد الله تركماني – سوريا الأمل:

يعرف السوريون أنّ النظام سعى باستمرار لامتلاك الأدوات الكفيلة بتأبيد سلطة آل الأسد، وأنه لم يتوانَ عن ارتكاب أبشع الجرائم في سبيل هذا الهدف، لكن، لم يكن يدور في خَلدهم أنه يُمكن أن يلجأ إلى اقتلاع  الشعب من بيوته وقراه وبلداته ومدنه وتشريده في الداخل السوري وفي جهات الدنيا الأربع، وإحلال مرتزقة من شعوب أخرى مكانه، في عملية تغيير ديموغرافي تهدّد النسيج الوطني السوري، وأنه يُمكن أن يلجأ لتحقيق غايته هذه إلى استخدام أشدّ الأسلحة فتكاً، بما فيها الحصار والتجويع، والسماح لإيران ببناء الحسينيات، واستغلال الفقر لتقديم المساعدات والخدمات ترغيباً بالتغيير المذهبي، وسعيها للاستحواذ على مناطق واسعة في جنوب العاصمة دمشق بحجة وجود مراقدها المقدسة. ولم ينحصر التملك الشيعي في مناطق جنوب العاصمة، بل انتقل الأمر إلى الأحياء القديمة في دمشق، بهدف تغيير الطبيعة الديموغرافية لسكان دمشق الأصليين.

كما أنّ سياسة التهجير إحدى نقاط التلاقي الأولى بين الأسد وإيران، مع اختلاف أهداف ودوافع كل منهما، فالأسد يريد ضرب حاضنة الثورة وإعادة السيطرة الكاملة على سورية، ولو كانت حطاماً. بينما تسعى إيران إلى تغييرٍ ديموغرافي يحقق لها وجوداً ونفوذاً على الأرض يُمكِّنها من التحكُّم في مسار عملية السلام في سورية لاحقاً، بالإضافة إلى تحقيق هلالها الشيعي.

وليس من شكّ في أنّ هذا العبث في البنية المجتمعية السورية، إذا ما قُيِّض له أن يتواصل، سوف يؤول إلى حروب أهلية مفتوحة، وإلى خلخلة الكيان الوطني السوري وزعزعة استقراره وتفجيره، هذا عدا عن تداعياته الجغرافية التي سوف تطال الإقليم بأسره.

 التغيير الديمغرافي سياسة ممنهجة

منذ بداية الثورة السورية في آذار/مارس2011 كانت استراتيجيات استخدام العنف، والمجازر المرتكبة، من قبل قوات النظام والميليشيات التابعة له، سياسة ممنهجة لعملية التغيير الديمغرافي. ومع عسكرة الثورة، استخدم النظام استراتيجية الاتفاقيات المحلية مع المدن و/أو الأحياء المحاصَرة التي تتعرض للقصف المستمر من قِبله، لإجبار السكان المحليين على ترك منازلهم، والنزوح من المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

ففي حمص، انخفض عدد السكان من 1.5 مليون نسمة قبل بدء الثورة، إلى حوالي 400,000 نسمة في تشرين الأول/أكتوبر 2016. تقريبًا حوالي 65% من السكان الأصليين للمدينة هُجِّروا إلى البلدان المجاورة ونزحوا إلى محافظة إدلب.

كما ساهم النظام الإيراني بالمشاركة بفعالية في مخطط التغيير الديمغرافي في بعض المناطق، مع تزايد تأثيره بشكلٍ كبير من خلال إنشاء الميليشيات والمؤسسات التي تروِّج التشيّع. فقد أُثيرت الاستنكارات مثلاً، بعد موجة عمليات الشراء التي قام بها تجار إيرانيون لمساحات كبيرة من العقارات السورية في عدد من المدن، بالدرجة الأولى في وسط العاصمة دمشق ووسط مدينة حمص، بالإضافة إلى أملاك خاصة بأولئك الذين هربوا من سورية. هذا بالإضافة إلى جهود السفارة الإيرانية لشراء عقارات في أحياء تاريخية في دمشق القديمة، في المنطقة التي تمتد من الجامع الأموي إلى باب توما. واشترت طهران عدداً كبيراً من المنازل، مع مساحات من الأرض، في منطقة مقام السيدة زينب غرب العاصمة، والتي عمل ” حزب الله ” على تحصينها بشكل كبير واستخدامها كعازل أمني، كما سكنتها عائلات شيعية لبنانية منذ أواخر العام 2012. هذه العناصر مجتمعة، بصرف النظر عن حجمها، ضاعفت التوترات الطائفية في سورية وغذَّت خطاب التغيير الديمغرافي.

وتدرك إيران أنه لترسيخ نفوذها واستدامة أطماعها في سورية تحتاج إلى قاعدة ديموغرافية ذات ثقل اجتماعي، فسورية هي أضعف حلقة في سلسلة مشروعها الإمبراطوري من الناحية الديموغرافية، بينما هي الحلقة الذهبية بالمعيار الجيو- استراتيجي. فالشيعة في العراق أكثرية سكانية، وهم في لبنان ثالث كتلة سكانية كبيرة. لكن الشيعة في سورية لا يتجاوزون 0.5 في المئة من السكان حتى عام 2010. لذلك تسعى لزيادة نسبة الشيعة في سورية، وتتبع طرقاً عدة من التملّك والاستيطان والتوطين والتجنيس ونشر المذهب الشيعي، يترافق ذلك مع تهجير السنّة العرب. وكأن كلام الأسد يُعبّر عن لسان حال إيران ومصالحها حينما يقول ” إن النسيج الاجتماعي اليوم هو أفضل من أي وقت مضى “.

وهكذا تسعى إيران لإحداث تغييرٍ ديموغرافي في سورية، إما بالقوة العسكرية كما حدث في القصير والقلمون الغربي وبعض مناطق ريف دمشق، أو من خلال القوة الناعمة (شراء العقارات، وإقامة المشروعات والاستثمارات، ونشر التشييع).

 

وهكذا، اتخذت السياسة الممنهجة للتغيير الديمغرافي عدة سبل، من أهمها:

التهجير القسري للسكان

تعتبر عملية التهجير القسري لأهالي بلدتي مضايا والزبداني في ريف دمشق الغربي إلى محافظة إدلب في شمالي سورية، في 14 نيسان/أبريل 2017، واحدة من أكبر عمليات التغيير الديموغرافي، بعد حصار النظام و” حزب الله ” اللبناني وتجويعهما لمدينة الزبداني وبلدة مضايا عدة سنوات.

 

وتُشكّل هذه الواقعة الحلقة الأخيرة من مسلسل التهجير القسري الذي أخذ مساراً معقّداً ومتصاعداً، بدأ بُعَيد اندلاع ثورة الشعب ضد سلطة آل الأسد، وما زال مستمرّاً. ونستطيع أن نميّز في هذا المسار بين مرحلتين اثنتين، شكّل خطاب بشار الأسد في 26 تموز/ يوليو2015 الحدَّ الفاصل بينهما، وهو الخطاب الذي قال فيه ” الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جواز سفره، الوطن لمن يدافع عنه ويحميه “، وأردف قوله ” الشعب الذي لا يدافع عن وطنه لا وطن له ولا يستحق أن يكون له وطن “. كان ذلك في لحظة وصلت معها قوّاته، والميليشيات الطائفية الداعمة له، إلى حالة من التراجع والتردّي والاندحار. ثم إنه أمر بالغ الدلالة أن يقول لمجموعة من الصحافيين والمحلِّلين الأميركيين والبريطانيين في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2016، أي بعد أكثر من سنة على خطابه المشار إليه، إن ” النسيج الاجتماعي في سورية أصبح أفضل من ذي قبل “، طبعاً هذا بعد قتل أكثر من نصف مليون، وتشريد وتهجير نحو نصف الشعب السوري.

في المرحلة الأولى، ومع تصاعد العنف الذي لجأ إليه نظام الأسد في مواجهة ” شعبه “، وبخاصة بعد استخدام الطائرات والدبّابات والصواريخ والمدفعية، واستهدافها التجمّعات السكنية والنشاطات السلمية المدنية في القرى والبلدات والمدن، كان كثير من الأهالي يُضطرون إلى ترك أماكن سكنهم والبحث عن مكان آمن يلجؤون إليه بعيداً من الموت. وشيئاً فشيئاً، شكّلت هذه الحالة ظاهرة من الهجرة العشوائية المؤقتة التي كانت تتمُّ بحكم الأمر الواقع. لكن، شهدت هذه المرحلة حالات مُقلقة، تمثّلت بـ:

التهجير الذي شهدته بلدة القصير والقرى المحيطة بها، بعد أن اقتحمتها ميليشيات ” حزب الله ” وقوات النظام في نيسان/أبريل 2013، وجرى، في معظمه، باتجاه لبنان، ولا سيّما بلدة عرسال البقاعية، ومنطقة عكّار في الشمال. ومنذ هذه الواقعة، كما تبيّن فيما بعد، بدأ الحزب في إرساء سياسة التغيير الديموغرافي في هذه المنطقة على أساس مذهبي وبصورة منهجية مدروسة.

التهجير الذي شهدته أحياء حمص القديمة بعد الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في أيار/مايو 2014 وقضى بإخراج جميع المقاتلين والمدنيين من تلك الأحياء، وترحيلهم إلى مناطق أخرى في حي الوعر بحمص أو بلدة الدار الكبيرة بريف حمص الشمالي.

في المرحلة الثانية، التي تلت خطاب بشار الأسد في 26 تموز/ يوليو 2015، أخذ التهجير يأخذ طابعًا مختلفاً ممنهجاً. بدأ التفكير جديّاً بالانكفاء إلى ما اصطُلح على تسميته بـ ” سورية المفيدة ” لتحصينها وحمايتها. وقد كانت مسألة التغيير الديموغرافي في صُلب خطة التحصين والحماية هذه. ولجأ، من أجل تحقيق هذا الهدف، إلى إطباق الحصار على المناطق التي تقع تحت سيطرة المعارضة، حيث جرى حرمانها من جميع مقوّمات الحياة، تطبيقاً لمبدأ (التجويع من أجل التركيع)، وإخضاعها، بعد ذلك، عبر التهديد بالإبادة، لبدعة ” المصالحة ” التي تعني الاستسلام والتهجير. هذا ما شاهدناه في داريا والمعضمية في غوطة دمشق الغربية، وفي مضايا والزبداني غربي دمشق، وفي حي الوعر في حمص، وفي غوطة دمشق الشرقية، وفي أماكن أخرى أيضاً.

في المسار ذاته، في أواخر آذار/مارس 2017، رُحِّل ما بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً من المقاتلين والمدنيين من حي الوعر في مدينة حمص إلى جرابلس وإدلب في شمالي سورية. وهذا ما كنا شاهدناه أيضًا، أواخر العام الماضي، في حلب الشرقية التي خضعت لحرب مستعرة ومدمّرة من قِبَل الروس والإيرانيين وقوات الأسد، حيث جرى إفراغها من أهاليها الذين تمَّ تهجيرهم إلى محافظة إدلب.

واستخدم النظام السوري والقوات الموالية له في عملية التهجير القسري أدوات سياسية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية وإدارية من أهمها:

المجازر: ارتكبت قوات النظام والقوات الموالية مجموعة من المجازر على أساس طائفي، بهدف ترهيب السكان والدفع بهم إلى ترك مناطقهم، ومن أمثلة تلك المجازر: مجزرة الحولة في 25 أيار/مايو 2012، وغيرها.

القصف الجوي: لجأ النظام إلى القصف الجوي بالبراميل المتفجرة بهدف تدمير مقوّمات الحياة، ما دفع بالسكان إلى النزوح القسري عنها بحثاً عن الأمن والخدمات.

التضييق الاستخباراتي: لجأ النظام إلى التضييق الأمني على السكان، وذلك إما بالتضييق على حركة تنقلهم من وإلى داخل مناطقهم، أو باعتقال الشباب بذرائع أمنية أو بذريعة السَّوق للخدمة الإلزامية، الأمر الذي دفع السكان إلى ترك هذه المناطق.

الحصار: اتّبع النظام الحصار للتضييق على السكان وتعريضهم لمراحل حصار طويلة، كما حصل في داريا والمعضمية وأحياء حمص القديمة والزبداني ومضايا وغيرها.

اتفاقات الإخلاء: جرت عمليات تفاوضية بين ممثلي النظام والمسلحين المحليين، تمخض عنها استعادة النظام للمناطق التي تسيطر عليها الفصائل وتهجير من فيها من مدنيين ومقاتلين، وشهد عاما 2015 – 2016 العددَ الأكبر من اتفاقات الإخلاء، ويقدر عددها بين حزيران/يونيو 2012 وآب/ أغسطس 2016 بـــ 7 اتفاقات. ففي أواخر العام 2016 خيّر النظام وحلفاؤه عشرات آلاف المحاصرين، في أحياء حلب الشرقية، بين الموت قصفًا وجوعًا وبردًا، والخروج من بيوتهم إلى المجهول في أكبر عملية تهجير تشهدها سورية.

  • Social Links:

Leave a Reply