“طريق موت” جديد يعبره سوريون من السودان إلى مصر

“طريق موت” جديد يعبره سوريون من السودان إلى مصر

“مع الأسف، من المتوقع أن نشهد المزيد من الكوارث، لأن عدداً كبيراً من السوريين في السودان، يبحثون عن وسائل للهروب، من أجل الحصول على وضع أفضل من وضعهم الحالي في السودان”.

بعدما دُمِّرَ منزلهم في الغوطة الشرقية في ريف دمشق، قرر ياسر (اسم مستعار) ومعه عائلته، السفر إلى لبنان والعيش هناك نهاية عام 2012. لكن نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية، قررت العائلة العودة إلى سوريا بداية عام 2019.

كان ياسر يعمل في مجال الكهرباء في البيوت من صيانة وتمديد وتعهدات، وعندما عاد إلى دمشق، لم يعد إلى منزله المدمر، بل استأجر شقة صغيرة في دمشق، فيما كان الوضع في سوريا قد زاد سوءاً.

تعثرت محاولات ياسر الحصول على فرصة عمل جيدة، يستطيع من خلالها تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، علماً أنه متزوج ولديه طفلة تعاني من مرض السكر، لذلك فكّر بالسفر خارج سوريا مجدداً، وبدأ يتواصل مع أقرباء وأصدقاء له في مصر، أخبروه أن “الشعب المصري يشبهنا إلى حد ما، وطيب المعشر، ولا يوجد عنصرية تجاه السوريين هنا”.

هكذا بدأ زياد (اسم مستعار) سرد حكاية شقيقه ياسر، الذي مات إثر حادث سير، ومعه خمسة أشخاص أثناء محاولة دخولهم مصر عبر الحدود السودانية- المصرية بطريقة غير رسمية فجر يوم الأربعاء 21 نيسان/ أبريل 2021، في سيارة نقل رباعية الدفع كانت تحمل 22 لاجئاً سورياً. كما أصيب 16 شخصاً بإصابات بالغة، ونُقلوا إلى العناية المركزة.

نشرت صفحة “دعم العائلات السورية- السودان” أسماء الضحايا وصور المقابر الترابية التي دفنوا فيها في مدينة بورتسودان، وهي مدينة تقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

يتكثف المشهد السوري في صور المقابر وموقع الدفن، في منطقة صحراوية على الحدود السودانية- المصرية. ربما لم يتوقع من أزهقت أرواحهم إثر الحادث أن يدفنوا هناك، في المكان الذي ظنّوه مجرد محطة عبور من حياتهم البائسة وموتهم البطيء في سوريا، إلى أمكنة أخرى يحلمون أن يعيشوا فيها حياة كريمة، لكن حياتهم توقفت عند اللحظة العابرة، وابتلعهم الثقب الأسود الذي يتربص بهم في رحلة الشتات.

ورحلة الموت بين مصر والسودان هذه، ليست الأولى من نوعها التي يعاني منها الشتات السوري، فعلى امتداد السنوات العشر الماضية سقط ضحايا سوريون بالعشرات وهم يحاولون النجاة من الحرب في بلدهم، سواء عبر الحدود المجاورة أو عبر البحر إلى أوروبا.

حكاية الحدود المصرية

رحلات الموت عبر الحدود تحمل دائماً وصمة مهربين يتلقون أموالاً لتأمين الباحثين عن حياة آمنة، وغالباً ما يتركونهم لمصائرهم البائسة سواء في عرض البحر كما حصل مع عشرات اللاجئين أو عبر حدود غير آمنة. هذا ماحدث مع ضحايا الحادث المصري الأخير. يروي زياد حكاية رحلة شقيقه ياسر الذي كان يريد النجاة من وضعه الصعب في سوريا خصوصاً أن لديه عائلة واطفال. تواصل مع مهربين في السودان حتى وصل الى مدينة بورتسودان بانتظار موعد الرحلة.

في الموعد الذي حدده المهرب، تحرك الجميع باتجاه الأراضي المصرية، ودخلوا إلى منطقة صناعية مصرية، “وضعهم المهرب في غرفة موجودة هناك، وحذرهم من الخروج منها، حتى لو تأخر عليهم يوم أو يومين أو أكثر، كي يستطيع تأمين دخولهم إلى مصر من دون أن يتم القبض عليهم. لكن أحد الأشخاص الذين كانوا موجودين في الغرفة، كان برفقة زوجته وأبنائه الخمسة، شعر بالضيق من المكوث الطويل في الغرفة، فقرر الخروج ليأخذ فكرة عن المكان، ليلحظ وجوده أحد العمال المصريين هناك، وجاء إليه يسأله ماذا يفعل هنا؟ ليعترف الرجل للعامل بأنه موجود هنا بصحبة مجموعة من السوريين ويرغبون في الدخول إلى مصر من خلال عملية تهريب. وشى العامل المصري بهم في قسم الشرطة هناك، لتأتي بعدها دورية من الشرطة المصرية وتعتقل جميع من كانوا في الغرفة، وتزجهم في سجن في منطقة حلايب”.

بحسب شقيق ياسر فإن المعاملة في سجن حلايب جيدة. مكث الجميع في السجن لمدة شهر كامل، بعدها تم ترحيلهم إلى سوريا. وبعد شهرين على عودة ياسر إلى سوريا، فكر بتكرار الرحلة مرة أخرى فتواصل مع مهرب آخر وفعلاً سافر إلى السودان وأقام عند قريب له في الخرطوم، إلى أن أرسل له “أبو علي” رجاله لأخذه إلى بورتسودان حيث ستتم عملية التهريب. وتم وضعه هناك مع مجموعة جديدة من السوريين تضم 22 شخصاً، كانوا موزعين على شقتين، بانتظار موعد الرحلة. يقول زياد: “عندما تحركت الرحلة باتجاه مصر، لم يخبر ياسر أهله، بل أخبر زوجته فقط، كان يرغب أن يؤجل إخبار أهله لكي يفاجئهم بخبر وصوله إلى مصر”. وفي يوم الأربعاء صباحاً، بتاريخ 21 نيسان/ أبريل اتصلت زوجة ياسر بشقيقه زياد، وأخبرته أن ياسر مات، وقد قرأت خبر وفاته على إحدى صفحات “فايسبوك”.

لم يصدق زياد خبر وفاة شقيقه، وبدأ بالتواصل مع الأشخاص الذين قاموا بنشر خبر حادث السيارة التي كانوا بداخلها، حتى وصل إلى أشخاص كانوا في موقع الحادث، وتواصل مع المسعفين الذين نقلوا الجرحى ومن لقوا مصرعهم إلى المستشفى.

  • Social Links:

Leave a Reply