الصحافة وأثرها – حافظ قرقوط

الصحافة وأثرها – حافظ قرقوط

الصحافة وأثرها 

حافظ قرقوط

عرف الإنسان في مسيرة حياته وتطورها أهمية الكلمة ودورها في التعبير والوصف والتواصل، ومن ثم فهم أهميتها في إيصال المعلومة التي يريدها إما بصفتها خبر أو لتشكيل رأي عام من خلال تضمينها رأياً ما أو فكرة، ليصل لاحقاً إلى تداولها عن طريق ما يسمى اليوم بالصحافة. 

تشير العديد من المراجع المتداولة إلى أن الفضل في نشوء فكرة الصحافة هي للحضارة اليونانية حيث استخدمتها السلطات بطريقة المنشورات المعلقة في أماكن محددة للتعريف بقرارات الدولة وبعض المعلومات، ومع النهضة الأوربية بالقرن الخامس عشر توسعت هذه الفكرة وتطورت لتصبح عبارة عن منشورات خبرية مكتوبة باليد وتوزع بين الناس عن طريق التجار إلى أن تم اختراع الطباعة من قبل الألماني يوهان غوتنبرغ إذ أعقب ذلك ظهور أول صحيفة مطبوعة في ألمانيا، وهكذا بدأت مسيرة الصحافة المطبوعة تتنقل في انطلاقاتها من دولة إلى أخرى، ووصلت إلى أميركا مع بداية القرن الثامن عشر لتؤثر لاحقا في فكرة استقلال أميركا ونشوئها كدولة وتم إعداد وثيقة الحقوق التي أقرت حرية الصحافة لتظهر أهمية الصحافة أثناء الحروب والأزمات الكبرى حيث الناس تبحث عن الخبر وتطوره، لكن غالباً ما كانت تصل للطبقة المقتدرة مالياً ولا يحصل عليها الفقراء.

في البلاد العربية انطلقت أول صحيفة في مصر عام 1800 بعد دخول نابليون ثم بدأت تظهر في بعض الدول العربية الأخرى خلال القرن التاسع عشر، لكن كلها كانت تنطق باسم الحاكم لنقل أخباره وقراراته للناس، بحسب دراسة في موقع سطور، إلى أن بدأ بعض المثقفين العرب والمهتمين بالسياسة يتعلمون من الأوربيين كيف استفادوا من الصحافة في محاربة الجهل والفساد وتثبيت القوانين، وهكذا بدأت الصحافة العربية تأخذ مكانتها في إيصال الخبر والرأي.

في سوريا بدأت الصحافة بالقرن التاسع عشر لتساهم بنشوء عصر النهضة شرق المتوسط، وكان ذلك في ظل السلطات العثمانية الحاكمة، ومع دخول الفرنسيين للبلاد تطور العمل الصحفي ليأخذ دوره الواسع في نشر المعلومة وتوثيق الحدث ومحاربة الأمية والعسف، واتضح أهمية حرية الصحافة في تحريك الرأي العام، وهذا ما انتقل إلى ما بعد الاستقلال عن فرنسا وقيام الدولة السورية حيث شهدت مرحلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي تطوراً ملفتاً للصحافة السورية ليس فقط بمركزية العاصمة دمشق أو في مدينة اقتصادية وثقافية كبيرة كحلب بل في كافة المحافظات، ولكن بدأ العسكر بانقلاباتهم يضيّقون على الصحافة والصحافيين واتضح ذلك في مرحلة الوحدة مع مصر حيث تراجعت الصحافة الحرة لتعاود نشاطها بشكل محدود بعد الانفصال، ثم تدهور دورها بعد انقلاب البعث 1963 لتتلاشى كلياً وتصبح عبارة عن عناوين دعائية لحاكم مستبد وحزب إقصائي أعلن قيادة الدولة والمجتمع وصبغهما بثقافته ورؤيته السياسية وصولاً إلى انقلاب حافظ الأسد لتصبح الصحافة بوضوح هي المسوق للحاكم الفرد الذي احتلت صوره وأخباره واجهة صفحاتها.

سُمح في سوريا خلال حكم الأسد لصحافة محدودة لبعض أحزاب ما أطلق عليه بالجبهة الوطنية التقدمية وهي أحزاب تدور في فلك البعث والأسد ولا دور سياسي لها في سوريا، لكن حتى صحافتها تلك على محدوديتها لم تشكل فارقاً بشيء، بل كانت بغالبيتها أشبه بمناشير حزبية، وظهرت أيضا لدى بعض التنظيمات السياسية المعارضة التي عملت بطريقة سرية بعض المنشورات السياسية ولكنها أيضا كانت أشبه بالبيانات السياسية التي لم تصل سوى لنخبة محددة بسبب القمع والخوف وبقيت على الهامش دون فعالية شعبية.

مع ظهور الأنترنت وما يوصف بثورة المعلومات أو المعلوماتية، انتشرت بشكل واضح الصحافة الإلكترونية وأثرت على جمهور واسع حيث بدأ الشغف بالوصول إليها يتوسع وبدأت تظهر قوتها بعجز الحكومات المستبدة بالتصدي لها ومنعها من عبور الحدود، وهكذا أخذت دورها وتطور فعلها وساهمت بتحريك الربيع العربي، حيث سرعة انتقال الصورة والخبر والتفاعل معه. وكان للسوريين دوراً هاما ً بذلك خلال ثورتهم على نظام الأسد، إذا استطاع الشباب السوري نقل الحدث للعالم بأدوات بسيطة وبكاميرات الموبايل لتكون أول حرب دموية بشعة يتم نقلها من كل حارة وقرية وشارع وبيت على الهواء مباشرة، ويتم تثبيت وتوثيق جرائم الحرب على مرأى من العالم أجمع بأنامل أولئك الشجعان الذين طوروا خبراتهم بشكل ذاتي من خلال تجربتهم.

للأسف لم تستطع المنظمات الناشئة للثورة والمعارضة السورية والتي تلقّى بعضها أموالاً طائلة أن تواكب تلك الأحداث الاستثنائية وتؤسس منابر إعلامية فاعلة تستفيد من الطاقات الواعدة التي تفجرت للشباب السوري بل مارست دور الانتهازي الذي سخرهم على الرغم من صعوبة الظرف المرافق لنقل الخبر بالصوت والصورة والمتاجرة به لجني تمويل أكبر ثم تركهم لمصيرهم، لتتحول غالبية المنابر الإعلامية إلى سوق استعراض أمام الممولين الذين استطاعوا من خلال أموالهم تحييد الطاقات وتكريس الذاتية والأنانية وخلط الأوراق وتشويه منظر الثائرين السوريين وتعميم حالة التطرف والانتقام والأفق الضيق والطائفية على حساب شعارات الحرية والكرامة وبناء الدولة وترسيخ مفاهيم العدالة والقانون ومقارعة الاستبداد والفساد بآن.

يمكن القول هنا إنه كان لصحيفة الرافد التي عرفتها منذ انطلاقتها الأولى كمنبر لم يمتلك سوى الإرادة والتصميم المدعومين بالانتماء إلى مشروع فكري منفتح وغير مؤدلج بأحكام وشعارات مسبقة الصنع، ويتفاعل مع مفردات العصر ويتطور معها كضرورة من ضرورات الحياة وتطورها بتطور قوانينها، هذا المنبر الذي نبارك له ذكراه الخامسة لانطلاقته، استطاع بجهد القائمين عليه أن يحجز مكاناً له في الواقع الإعلامي السوري، وقد يكون له ميزة أنه نهض بتلك الجهود التي تظافرت لإنجاحه بعيدا عن التمويل والممولين، لكن بالتأكيد الفقر بالأدوات قاس على الإعلام الذي أصبح يعتمد على مفردات العصر وأدواته وتقنياته التي تحتاج إلى قدرة مالية جيدة لتكون أكثر ديناميكية وتفاعل وتستطيع التأثير بشكل واسع، فالإعلام شئنا أم أبينا هو الذي يمتلك الدور الأهم بتحريك الواقع وقيادة الرأي العام، والأمل أن يصبح هذا المنبر  ليس فقط ناقلاً للخبر والرأي والمعلومة، بل مؤثراً وصانعاً لها وبخاصة أن سوريا بثورتها ما زالت فقيرة جداً بهذا الجانب، حيث الإعلام السوري الجديد عوضاً عن لعبه دوراً دافعاً بشكل إيجابي، أصبح مساعداً على زيادة تشتيت الفكرة والموقف والرؤية التي أدت إلى تشتت السوريين إلى فئات مختلفة على مستوى طائفي وقومي وعقائدي وما إلى ذلك، وهذا ما استفاد منه كافة اللاعبين بالملف السوري دولاً وأفراد وخسر فيه السوريون كثيراً.

  • Social Links:

Leave a Reply