مظاهرات حاشدة في بغداد تُؤذن بتشكّل جبهة شعبية ضد تغوّل الميليشيات

مظاهرات حاشدة في بغداد تُؤذن بتشكّل جبهة شعبية ضد تغوّل الميليشيات

لقيت دعوة للتظاهر في العاصمة العراقية بغداد احتجاجا على اغتيال النشطاء وإفلات قتَلتهم من العقاب تجاوبا شعبيا فاق التوقّعات، وذلك في رسالة قوية بشأن تحوّل الشارع العراقي إلى قوّة رئيسية في مواجهة ظاهرة انفلات السلاح وتغوّل الميليشيات التي عجزت أجهزة الدولة عن لجمها رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بذلك.

واحتشد الثلاثاء الآلاف من المتظاهرين القادمين من محافظات الوسط والجنوب وبعض محافظات غرب البلاد للمشاركة في التظاهرة الشعبية الضخمة.

وشكّلت التظاهرة إحراجا لحكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي التي عجزت عن تنفيذ وعودها بالقبض على القتلة وتقديمهم للعدالة، بقدر ما وجّهت إنذارا للميليشيات التي تقف وراء سلسلة الاغتيالات وللأحزاب ذات الصلة بتلك الميليشيات بأنّ الشعب هو من سيتولى بنفسه مستقبلا مواجهتها والحدّ من تغوّلها.

وتدفّق المحتجّون من محافظات بابل وواسط والبصرة وميسان وذي قار والمثنى والنجف وكربلاء والديوانية بوسط وجنوب العراق، بينما قدم البعض من مناطق شمال وغرب البلاد، بالإضافة إلى مشاركة واسعة من سكان العاصمة بغداد.

وتجمّع المحتجّون في ساحتي الفردوس والنسور وسط وغربي العاصمة قبل التوّجه إلى مركز التظاهرة الموحّدة في ساحة التحرير وسط المدينة، حيث تصدّت لهم القوات الأمنية بالرصاص الحيّ ما أسفر عن سقوط قتيلين والعديد من الجرحى في صفوفهم.

وكان قد دعا إلى التظاهرة الحراك الشعبي تنديدا بعجز الحكومة عن الكشف عن قتلة المحتجين والناشطين في الحراك، وذلك بعد أن مثّل اغتيال الناشط البارز إيهاب الوزني مؤخّرا في مدينة كربلاء القطرة التي أفاضت الكأس بعد أن كان سلاح الميليشيات قد أسقط من قبل العشرات من الناشطين من بينهم هشام الهاشمي وصفاء السراي وسعاد العلي وريهام يعقوب وحسين عادل وسارة طالب وأمجد الدهامات وفاهم الطائي، وغيرهم من الذين ما يزال قتلتهم طلقاء إلى اليوم.

وتعليقا على تظاهرات الثلاثاء قال السياسي العراقي المستقل والناشط في انتفاضة أكتوبر جبار المشهداني إن أي فعل احتجاجي صار يرعب الطبقة السياسية العراقية مهما كان حجمه أو نوعه أو مكانه.

وأكّد في تصريح لـ“العرب” أنّ الاحتجاجات الجديدة رسّخت “حراك تشرين” كفاعل سياسي جديد قادر على تغيير المعادلة السياسية، بل وقلب الطاولة على كل اللاعبين التقليديين في المشهد السياسي العراقي المعاصر.

كما رأى أن للحراك الاحتجاجي صدى يتجاوز حدود البلد، معتبرا أن دولا من الإقليم وخارجه تراقب بدقة حركة المحتجين التي قد تكون بديلا سياسيا مقبولا في العراق بعد إعلان موت العملية السياسية العراقية بشكلها الحالي.

وأضاف انّ أهم ما يميز الاحتجاجات أنها أثرت في الطيف الاجتماعي واستطاعت أن تنمي فكرا سياسيا مواجها غاضبا من الطبقة السياسية الحالية التي جربت كل أشكال المواجهة مع المحتجين من القنابل الدخانية والرصاص الحي والاختطاف والقتل ولم تفلح كل محاولاتها في قمعهم.

ورأى أنّ الحكومة والطبقة السياسية كلها تتمنى أن تضعف حركة الاحتجاجات وتتلاشى كي يستمر مسلسل الهيمنة على خيرات العراق مع غياب تام لمستحقات الشعب من أمن وخدمات وبنى تحتية.

وأشار إلى أن ما يتم تداوله حاليا من نية الأحزاب الحاكمة تأجيل الانتخابات المبكرة وترحيلها إلى العام المقبل هو واحدة من ارتدادات انتفاضة تشرين وملحقاتها، فقد نجحت الحركة الاحتجاجية في التدخل المباشر والمؤثر في رسم خارطة الأحداث السياسية.

وفجر اغتيال الوزني رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء في التاسع من مايو احتجاجات غاضبة في عدة مناطق بالعراق استمرت لأيام، فيما أمر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بإجراء تحقيق عاجل في الحادث وتقديم الجناة للعدالة.

ورغم قوّة حركة الشارع إلاّ أن قدرتها على تغيير الأوضاع في البلاد ما تزال في نظر البعض محدودة وذلك بفعل صلابة القوى الممسكة بزمام السلطة والمستعدة لاستخدام ما لديها من مال وسلاح لممانعة التغيير والحفاظ على مكاسبها السياسية والمادية الكبيرة.

وقال الكاتب العراقي مسار عبدالمحسن راضي إنّ تظاهرات الخامس والعشرين من مايو لن تستطيع ممارسة ضغط على الحكومة ولا تحمل مؤشّرات على تغيّر قادم في السياسات، أو تحسّن في واقع الخدمات المتهالكة في البلد.

واعتبر في تصريحات لـ“العرب” أن التظاهرات “ليست أكثر من إعلان مدفوع الثمن بدم الناشطين لبعض الكُتل السياسيّة التي أخذت ما يكفيها من شرعيّة ثورة أكتوبر 2019، ديباجتُه: نحنُ أصبحنا الأقوى في الساحة ونستطيع توزيع النفوذ السياسي على بقيّة الأحزاب العراقية. وبالطبع هنالك أهداف أخرى هي أن تكون إجراء استباقيّا لاستنزاف الحراك الاحتجاجي وإنهاكه قبل أكتوبر”.

والهدف الأول بحسب راضي هو “منع ثقب منطاد الانتخابات المُبكّرة باحتجاجات شعبيّة عارمة قد تُسقطه. وتداعيات ذلك إن حصل أكبر من قدرة النظام السياسي الحالي على إدامة خرافة شرعيّته. خاصّة أن أكتوبر القادم سيكون شبيها بمُدرّجات الكولوسيوم الرومانيّة، حيثُ سيملأ الرأي العام الدّولي جميع أماكن الجلوس”.

أما الهدف الثاني فهو “استيعاب تيار المُقاطعة الانتخابيّة الذي بدأ يصعق الشارع العراقي ويُشعرُه بأنّهُ فكرة معقولة تستطيع تحقيق غاية إحراج النظام الحالي وربّما حتى إنهاء تداول أسهُم شرعيّته في البورصة الإقليميّة والدّوليّة”.

وتظل المفارقة في رأي راضي أنّ “القادة السياسيين في العراق بدأوا يروّجون منذُ الآن أنّ الحالة الصيفيّة للمزاج العراقي بدأت، ولا يأتون على ذكر الانقطاع الكهربائي المزمن. لكن عليهم أن يتذكَّروا ما قاله جون جي ميرشايمر ‘في أي وقت يكون فيه القادة غير قادرين على بيع سياسة للجمهور بطريقة قانونية عقلانية، هناك فُرصة جيّدة أن المشكلة تخص تلك السياسة وليس الجمهور”.

  • Social Links:

Leave a Reply