النظام الإيراني وطالبان: أعداء الأمس.. أصدقاء اليوم

النظام الإيراني وطالبان: أعداء الأمس.. أصدقاء اليوم

ضياء قدور_حرمون

لا تنطبق حكمة أهل المنطق التي تقول إن “النقيضان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان، واحد منهما هو الصحيح أو هو الحقيقة”، على قوانين السياسة؛ فالأخلاق قاعدتها المبادئ، التي تعدّ ثابتةً لا تتغير، أما السياسة فقاعدتها المصالح والرغبات المتغيرة والمتبدلة. هذه المقدّمة الموجزة تعبيرٌ واضحٌ عما آلت إليه العلاقات ما بين أعداء الأمس وأصدقاء اليوم: (النظام الإيراني وحركة طالبان الأفغانية).

سنلقي الضوء في هذه الورقة البحثية على تاريخ العلاقات ما بين النظام الإيراني وحركة طالبان الأفغانية (منذ عام 1998 حتى عام 2021)، ومراحل تطور هذه العلاقات، وتحولها على مبدأ (أعداء الأمس، أصدقاء اليوم)، مبينين أسباب التقارب ما بين الطرفين، ونختم الورقة بقراءة استشرافية لمستقبل هذه العلاقات ومآلاتها.

محاور البحث:

– مقدمة

– أعداء الأمس

– بداية تحول العلاقات

– أسباب التقارب

– أصدقاء اليوم/ المآلات ومستقبل العلاقات

– خاتمة

مقدمة:

بعد أن كانت إيران تنتقد ما تصفه بـ “الدول الداعمة لحرکة طالبان”، في إشارة إلى الإمارات، وباکستان، والسعودية، سرعان ما تبدّل الموقف الإيراني المتشدد تجاه حركة طالبان، بعد الغزو الأميركي لأفغانستان، للتأكيد أن مستقبل أفغانستان لا يمكن رسمه من دون وجود دور لحركة طالبان الأفغانية فيه.

أعداء الأمس:

لطالما اعتبرت إيران حركة طالبان الأفغانية، من الناحية الأيديولوجية، كونها حركة إسلامية سنّية، ومن الناحية السياسية، لقربها من المنافسين الإقليميين لإيران (المملكة العربية السعودية وباكستان)، تهديدًا لأمنها الإقليمي. وكانت العلاقة بين النظام الإيراني وحركة طالبان الأفغانية تأخذ صورة نمطية، تتمثل في العداء المستحكم الذي يُعزى لأسباب عدة أهمّها: الاعتبارات الطائفية، إيران شيعية وحركة طالبان سنّية، وعلاقات حركة طالبان وصلتها بجماعة “جند الله”، وهي جماعة سنّية تنشط داخل محافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية.

ونتيجة لذلك، كاد العداء المستحكم ما بين الطرفين أن يشعل حربًا إيرانية ضد حركة طالبان، في عام 1998، وذلك عندما هاجمت طالبان القنصلية الإيرانية في مدينة مزار شريف شمال أفغانستان عام 1998، وقتلت حينذاك ثمانية دبلوماسيين إيرانيين ومراسل إيراني، كانوا داخل القنصلية.

لكنّ تدخّل المرشد الإيراني علي خامنئي في ذاك الوقت، ورفضه قرار مجلس الأمن القومي الإيراني، أوقف شنّ تلك الحرب التي وصفها خامنئي بأنها فخّ لإيران، وذلك ووفق ما أدلى به مساعد أمن البرلمان الإيراني آنذاك علي ربيعي.

مع ذلك، أفضت تلك التوترات الحاصلة ما بين الطرفين إلى استقرار عشرات الآلاف من الجنود الإيرانيين على الحدود الأفغانية، استعدادًا لأيّ مواجهة مستقبلية محتملة.

في نهاية المطاف، لم تكن طهران صديقة لطالبان، لذلك سعت في الماضي لدعم الجهات الفاعلة المناهضة لحركة طالبان، وخاصة “التحالف الشمال” الأفغاني، بقيادة أحمد شاه مسعود، وذلك قبل اغتياله في عام 2001.

وفي أعقاب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، وقيام الولايات المتحدة الأميركية بشنّ حرب ضد طالبان والقاعدة في عام 2001، رأت إيران الفرصة سانحة لضرب حركة طالبان الأفغانية، من خلال التعاون مع القوات الأميركية هناك لإسقاط حكومتها.

في ذاك الوقت، أكدت تقارير عديدة أن طهران قد قدمت دعمًا كبيرًا للجانب الأميركي، على المستوى السياسي والدبلوماسي والعسكري، حيث أدّى كلٌّ من قاسم سليماني كقائد لفيلق القدس، وجواد ظريف كنائب وزير الخارجية لشؤون المنظمات الدولية، دورًا رئيسيًا في هذا الدعم، الذي اشتمل أحد أوجهه على تقديم المواقع الحساسة لحركة طالبان وحثّ الأميركيين على ضربها [2].

وفيما بعد، لم يخفِ الجانب الإيراني أيضًا تعاونه مع القوات الأميركية لمحاربة طالبان وإسقاط حكومتها، وذلك ما جاء على لسان محمد أبطحي (نائب الرئيس الإيراني محمد خاتمي حينذاك)، الذي أشار في محاضرةٍ، ألقاها في 13 كانون الثاني/ يناير من العام 2004، إلى أن بلاده قدّمت الكثير من العون للأميركيين في حروبهم في أفغانستان، وأنه “لولا التعاون الإيراني”، لما سقطت كابل بهذه السهولة

بداية تحول العلاقات:

على الرغم من التعاون (الأميركي – الإيراني) الذي تجلت إحدى نتائجه في إسقاط حكومة طالبان في كابل، فإن السياسة الإيرانية في تلك الفترة اتسمت بتعقيدات خاصة تجاه جارتها الشرقية المتحاربة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى العداء والتنافس طويل الأمد، بين إيران والولايات المتحدة في المنطقة.

وبعبارة أكثر وضوحًا: أدت المنافسة شديدة التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى اعتماد طهران لسياسة متناقضة وثنائية الاتجاه على الأقل، حيث دعمت إيران استقرار الحكومة المركزية في أفغانستان في السنوات الأخيرة من جهة، وفي الوقت ذاته، سعَت لإقامة علاقات وثيقة مع أعدائها، أي مقاتلي حركة طالبان، من جهة أخرى.

بداية، لم يكشف الجانبان الإيراني والطالباني عن نقطة انطلاق هذا التحول في علاقاتهما، والانتقال بها إلى مرحلة التعاون وتجلياتها، إلا أن صحيفة “هشت صبح” الأفغانية تُرجع بداية تحول العلاقات إلى الأيام الأولى من سقوط حكومة طالبان على يد القوات الأميركية.

ففي الأيام الأولى التي تلت سقوط طالبان، تغيّرت نظرة إيران لهذه المجموعة بشكل لافت، لدرجة أن إيران قدّمت ملجأً لعدد من قادة ومقاتلي حركة طالبان الفارين، بعد أن وجدوا صعوبة في الذهاب إلى باكستان. وعلى عكس ما كان متوقعًا، لم تسلّمهم طهران إلى الحكومة الأفغانية الجديدة، وبقي هؤلاء آمنين على الأراضي الإيرانية.

وفي الحقيقة، لم يقتصر التحول في العلاقات، ما بين النظام الإيراني وحركة طالبان الأفغانية، على تقديم الملجأ والمأوى فقط، بل تعدّى ذلك ليصل إلى تقديم الدعم العسكري. فهناك اتهامات عديدة وجّهت إلى إيران من أطراف إقليمية ودولية بتزويد حركة طالبان بالأسلحة والمتفجرات والتدريب والتمويل.

ففي العام 2007، حذر الدبلوماسي الأميركي إريك إدلمان الرئيسَ الأفغاني حينذاك حامد كرزاي من أنّ “الوساطة الإيرانية أصبحت سلاحًا فتاكًا”، بحسب إحدى البرقيات الدبلوماسية الأميركية المسرّبة.

وذكرت وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية أنّ إيران زودت حركة طالبان بصواريخ أرض جو، وأنّ القوات البريطانية اعترضت القذائف المحمّلة بالمتفجرات، وهي نوع من الألغام الأرضية الفتاكة.

بالرغم من ذلك، كان الدعم العسكري الإيراني المقدّم لطالبان والذي أدى فيه قائد “فيلق القدس” السابق، قاسم سليماني، دورًا فاعلًا فيه، يسعى للحفاظ على النفوذ الإيراني وتحقيق أهداف طهران الخاصة من التقارب، من دون تقوية طالبان لدرجة تمكنها من تغيير التوازن الاستراتيجي والعودة إلى السلطة في أفغانستان

وفي الحقيقة، أدى النظام الإيراني في أفغانستان لعبة مزدوجة: فمن جهة كان يتعاون مع الحكومة المركزية في كابل، ومن جهة أخرى، كان يدعم بشكل مدروس حركة طالبان ومقاتليها سرًّا، دون تهميش الدولة الأفغانية.

أسباب التقارب:

بعد سقوط حكومة طالبان في كابل، تغيّرت الظروف الإقليمية والدولية كليًّا، ووجدت طهران في دعم حركة طالبان أمرًا ضروريًا لكبح الولايات المتحدة على حدودها الشرقية، وخطوة لا بد منها لتقييد نفوذ القوات الأميركية في أفغانستان.

وفي الواقع، بالرغم من الخلافات القائمة ما بين أعداء الأمس وأصدقاء اليوم (النظام الإيراني وحركة طالبان الأفغانية)، فهما يشتركان في بعض المصالح الرئيسية، وكثيرًا ما عملا على المستوى التشغيلي، خاصة أن كلا الطرفين يحذر من الغرب والولايات المتحدة، وكلاهما يسعى إلى تقويض نفوذ واشنطن.

لذلك، كان وجود “العدو المشترك” المتمثل في الولايات المتحدة أحدَ أهمّ الأسباب الأولية التي دفعت الطرفين إلى التقارب، ولكن أسباب التقارب الإيراني الطالباني تعود حقيقة لأسباب عدة، كان يخفيها الطرفان سابقًا، نتيجة للبراغماتية التي كانت طاغية على مشهد العلاقة ما بين الطرفين، وهذه الأسباب سنتطرق لذكرها تباعًا:

أولًا: المصلحة المتبادلة:

خلال السنوات الماضية، اتبعت الولايات المتحدة سياسة قمع وتحجيم حركة طالبان الأفغانية، وبموازاة ذلك فرضت ضغوطًا كبيرة على باكستان، من أجل تنفيذ عميلة مراقبة واسعة على أعضاء حركة طالبان، ومنع حصول الحركة على السلاح والمصادر المالية عن طريق باكستان. وبالفعل، أسهم ذلك الأمر في منع أو تقليل وصول طالبان للسلاح والمصادر المالية.

وعلى ما يبدو أن ما أدى إلى تقارب طالبان وإيران هو “المصلحة المتبادلة”، فطالبان -كحركة سياسة ذات جناح عسكري- بحاجة إلى السلاح والمال، في حين أن النظام الإيراني يرى أن بقاءه واستمراره بحاجة إلى تحد وإلى إظهار مزيد من القوة في وجه الولايات المتحدة.

ثانيًا: الرقابة الباكستانية الشديدة المطبقة على حركة طالبان:

خلال السنوات الماضية، جنحت باكستان التي تمتلك روابط استراتيجية مع الولايات المتحدة، لفرض ضغوطات كبيرة على أعضاء طالبان الموجودين داخل أراضيها. وحاولت باكستان باستمرار، خلال سبعة عشر عامًا الماضية، أن تجعل حركة طالبان خاضعة لقرارها، وأن تستفيد منها كورقة ضغط على الحكومة الأفغانية للوصول إلى أهدافها ومصالحها. ولذلك، من المحتمل جدًا أن هذه المجموعة أرادت أن تقلل من ارتباطاتها وقواعدها وامتيازاتها الموجودة داخل باكستان، بسبب الرقابة الشديدة المطبقة من قبل باكستان على أعضائها.

وهذا ما ظهر جليًا في مقابلات قوات الناتو مع مسجوني طالبان، حينما أعرب العديد من قادة ومقاتلي هذه الحركة أنهم لا يثقون ولا يرحّبون بارتباطهم بإسلام آباد، لأن باكستان كانت تطبق رقابة شديدة على أعضاء هذه المجموعة، مبينين أن أي طالباني لا يتعاون مع باكستان كان يتم اعتقاله فورًا، فضلًا عن أن الصدمة الناجمة عن وفاة زعيم طالبان الملا أختر محمد منصور، في تاريخ 21 أيار/ مايو 2016، في بلوشستان (الملجأ الذي ظلت الجماعة تشعر فيه بالأمان دائمًا) كان بمنزلة حافز أقوى لتلك المجموعة، للبحث عن طرق و آليات أخرى لا تشمل باكستان.

وهذا يعني أن على طالبان أن تحفظ روابطها مع طهران -إن لم نقل تقويها- وتبحث عن طرق وآليات عمل أخرى في علاقتها مع طهران، لتلقي الدعم العسكري والمالي اللازم، وإيجاد متنفس لها أمام الضغوط التي تتعرَّض لها من قِبَل باكستان.

ثالثًا: القلق من تصاعد نفوذ (داعش) في أفغانستان:

بعد توصّل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق نووي في عام 2015، افترض البعض أن هذه التطورات قد تخفف من حدة القلق والمخاوف الإيرانية حول الوجود الأميركي في أفغانستان، وقد تؤدي إلى وقف دعم النظام الإيراني لحركة طالبان، أو تقليصه على الأقل. لكن هذا الافتراض لم يكن صحيحًا البتة، بل على العكس، إذ تشير التقارير الإخبارية الصادرة في عام 2015 إلى زيادة مستويات تحويل المال والأسلحة الإيرانية إلى طالبان.

ويعود أحد أسباب ذلك إلى القلق المشترك من تصاعد نفوذ تنظيم (داعش) في أفغانستان، وهذا الأمر ما يفسّر أيضًا تقارب موسكو أخيرًا مع حركة طالبان الأفغانية.

في تلك الفترة، أعلن آلاف من مقاتلي طالبان السابقين، ومعظمهم في محافظة نانجارهار، ولاءهم لتنظيم (داعش)، فضلًا عن المخاوف التي كانت تدور داخل حركة طالبان الأفغانية من أن بعض أنصار الملّا منصور المحبطين بسبب الموت المفاجئ لزعيمهم قد ينضمون إلى صفوف تنظيم (داعش).

ولذلك، دأبت إيران في تلك الفترة على تقوية علاقاتها مع حركة طالبان، لإعطاء نفسها ثقلًا نوعيًا جديدًا لمنافسة الثقل الذي أصبح تنظيم (داعش) يحظى به بعد أن امتد نفوذه للأراضي الأفغانية. وأوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» حوارًا مع أحد قادة طالبان، يُدعى “عبد الله”، وهو معتقل سابق في السجون الإيرانية، تحدّث فيه بأنه تلقّى طلبًا إيرانيًا بالإفراج عنه، مقابل القتال في أفغانستان، ومبلغ مالي 580 دولارًا شهريًا للقتال ضد مقاتلي (داعش) الذين يجنّدون مسلحين في صفوفهم في أفغانستان، خاصة في مناطق حدودية لإيران، مشيرًا إلى أن مئات المقاتلين من طالبان أفغانستان يتلقون الدعم المالي والأسلحة من النظام الإيراني، مقابل مقاتلة (داعش) في أفغانستان وعدم السماح لهم بالاقتراب من الحدود الإيرانية.

رابعًا: قضية ندرة المياه:

تُعَدّ ندرة المياه في أجزاء من آسيا قضية أساسية، لذلك تسعى السلطات الإيرانية للحصول على أكبر حصّة من إمدادات المياه من أفغانستان، التي بنت السدود لتلبية احتياجاتها في عمليات الرّيّ والطاقة. وعلى الرغم من أن الجارتين (إيران وأفغانستان) قد وقَّعَتا معاهدة تقاسم المياه في عام 1973، لكن هذه المعاهدة تتضمَّن أن حصة إيران ثابتة من نهر هلمند، ولا تتجاوز الكمية المتفَق عليها في المعاهدة، وإن زادت الكميات المتاحة من المياه في النهر في المستقبل.

ولذلك، أعربَت إيران أخيرًا عن مخاوفها من مشاريع يجري تطويرها حاليًّا في غرب وجنوب أفغانستان، ومن ذلك مشروع سدّ سلمى، في محافظة هيرات الذي يُنشأ حديثًا بتمويل هندي لتوليد الطاقة الكهرومائية لاستخدامه في مشاريع الريّ، والذي من الممكن أن يقلل من تدفُّق المياه إلى إيران. ويبدو أن ما دفع العلاقة بين إيران وطالبان إلى الاستمرار هي قضية ندرة المياه، ومحاولات إيران استغلال علاقتها بطالبان لاستهداف مشاريع المياه والطاقة، مقابل تزويدها بالمال والأسلحة المتطورة. فوَفْقا لملفّ عرضه موقع “صوت أميركا”، فإن عددًا من الحكام الإداريين في المحافظات الجنوبية والغربية من أفغانستان اتهموا إيران باستغلال علاقاتها الوطيدة مع طالبان، لاستهداف مشاريع الطاقة والمياه نيابة عن طهران.

وقال حياة الله حياة (حاكم ولاية هلمند الجنوبية) إن إيران تريد من طالبان تعطيل بعض السدود في البلاد، بحيث يمكن لطهران الحصول على حصة أكبر من المياه من نهر هلمند.

وأشار حياة الله إلى أن إيران تسعى لتقويض مشاريع التنمية على طول نهر هلمند، لتتمكن من سحب مزيد من المياه، واتهم عناصر الحرس الثوري الإيراني بتزويد حركة طالبان بأسلحة متطورة، لمهاجمة المنشآت الحكومية والبنية التحتية، مشيرًا إلى أن طالبان استخدمت صواريخ هاون تحمل علامة شركة إيرانية مصنِّعة للأسلحة أُطلِقَت في عاصمة المقاطعة.

خامسًا: الخوف من المستقبل:

منذ اللحظة الأولى التي سقطت فيها حكومة طالبان في كابل، علم النظام الإيراني أن القضاء على حركة طالبان في أفغانستان بشكل كامل يعني إحلال حكومة علمانية ديمقراطية تتمتع بقسط كبير من الحريات التي يتم قمعها في إيران بشكل كامل، وأن القضاء على حركة طالبان قد يفضي إلى تشكيل حكومة متوافقة تمامًا مع الغرب والولايات المتحدة وتمتلك معهم علاقات شراكة استراتيجية طويلة المدى.

ولذلك، سعى النظام الإيراني إلى تعزيز حركة طالبان وتقويتها لإثارة مزيد من عدم الاستقرار والاضطراب في أفغانستان، وللتأكد من عدم وصول الأفغانيين إلى حكومة ديمقراطية تنعم بالحريات التي يخشى من أن تتحول كنموذج لإيران، وذلك بالنظر للقواسم المشتركة (اللغوية والثقافية) بين إيران وأفغانستان.

لقد مرّ الشعب الأفغاني بمراحل عديدة شهد فيها حكومات وانتخابات وصحافة أكثر حرية من إيران لبعض الوقت. ولذلك، إذا أدت قضية الثقافة والمساحة المفتوحة والحرية في أفغانستان دورًا مهمًّا وجديًّا، فإن ذلك سينعكس بشكل طبيعي وكبير على إيران، التي يمارس نظامها القمع الشديد، ويعاني شعبها حاليًا أزمة اقتصادية خانقة.

أصدقاء اليوم / المآلات ومستقبل العلاقة:

يعود أول اعتراف رسمي بالتقارب الإيراني الطالباني إلى الأيام الأخيرة من عام 2018، عندما أعلن علي شمخاني، أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، خلال زيارته لأفغانستان، عن إجراء بلاده لمحادثات مع طالبان لأول مرة. وكان الإعلان الإيراني الرسمي قد أتى حينذاك في توقيت تستهدف فيه الإدارة الأميركية، بقيادة دونالد ترامب، النفوذ الإيراني في المنطقة وتحاصره اقتصاديًا. ولذلك أقدمت طهران على خطوة متقدمة، لتؤكد أنها تمتلك مزيدًا من الأوراق في المنطقة لمواجهة هذا التوجه الأميركي.

في خضم ذلك، أزالت إيران من أدبياتها الرسمية صفة الإرهابية عن طالبان، وظهر ذلك جليًا، عندما تحدث اللواء فيروز آبادي (الرئيس السابق لأركان القوات المسلحة الإيرانية) بأن حركة طالبان لا تتصرف اليوم كقوة إرهابية. وفي المقابل، كان لطالبان تصريحات لافتة، على لسان ناطقها الرسمي، ذبيح الله مجاهد، الذي أكد في كانون الثاني/ يناير 2019، أن إيران تُعدّ البيت الثاني للأفغان

ومن المرجح -كما يبدو- أن تتعزز العلاقة مستقبلًا، بالرغم من أنها قد تواجه عددًا من المطبات، خاصة بعد توقيع اتفاقية الدوحة بين طالبان وواشنطن، في 29 شباط/ فبراير 2020، التي أثارت استياء طهران، لأنها قد تؤدي إلى علاقات أميركية أفضل مع طالبان فيما لو نجحت مستقبلًا

وفي الحقيقة، إن لدى طهران أسبابًا وجيهة للحفاظ على شراكتها التكتيكية مع طالبان، على الرغم من كل خلافاتها الأيديولوجية مع طالبان. فإيران تريد أن تبقى على اتصال مع طالبان، تحسبًا لحصولها في نهاية المطاف على دور في الحكومة الأفغانية

لكن التقارب سيكون تكتيكيًا ومشروطًا، بالنسبة إلى إيران، التي قدّمت دعمها لحركة طالبان والحكومة الأفغانية على مبدأ (لا غالب ولا مغلوب)، وهو النهج الذي ستتبعه إيران مستقبلًا، لأن المصلحة الإيرانية تقضي استمرار استغلال الطرفين ضد بعضهما البعض، على أمل إبقاء الخلاف قائمًا بينهما في سبيل تحقيق الأهداف الإيرانية، وهو ما سيجعل من أفغانستان -بطبيعة الحال- ساحة لتنافس الخصوم في قادم الأيام

خاتمة

تغيّرت العلاقة بين إيران وحركة طالبان تغيّرًا كليًّا، لتنتقل من مرحلة العداء المستفحل إلى مراحل التعاون المشترك وتجلياته، وفقًا للمتغيرات السياسية الإقليمية والمصالح المتبادلة. ولم يقتصر التقارب الإيراني الطالباني على التقارب الأيديولوجي الذي يتخذ من عداء الولايات المتحدة منهجًا له، إذ أصبح التعاون بين الطرفين يمتدّ إلى مجالات اقتصادية وأمنية وسياسية، وهذا ما يفسّره استمرار الدعم الإيراني لطالبان والحكومة الأفغانية في الوقت ذاته، بعد إعلان الانسحاب الأميركي في أفغانستان.

وفي الوقت الذي تخشى فيه إيران قيام دولة سنّية متشددة بقيادة طالبان، أو حكومة علمانية تتمتع بقسط من الحريات والديمقراطية ولها علاقات جيدة مع الغرب والولايات المتحدة على حدودها الشرقية، من المرجح أن تستمر إيران في استغلال علاقتها مع الطرفين (طالبان والحكومة الأفغانية) على مبدأ (لا غالب ولا مغلوب)، على أمل أن يبقى الخلاف والصراع مستمرًا بينهما.

وكما عملت إيران بدأب وصمت على تحويل العراق إلى دولة تابعة، تسعى على الساحة الأفغانية لأن تضمن أن أي حكومة تقوم هناك، بعد مغادرة القوات الأجنبية، لن تهدد مصالحها، في أسوأ الأحوال، وأن تكون ودّية ومتماشية معها، في أحسن الأحوال. لذلك، مع استعداد واشنطن مغادرة الأراضي التي خاضت فيها أطول حروبها، ستكون إيران في وضع جيد لتوسيع نطاق انتشارها في أفغانستان، خاصة بعد أن حافظت داخليًا على علاقاتها مع كل من طالبان والحكومة الأفغانية.

  • Social Links:

Leave a Reply