الانتخابات اللبنانية -الانهيار الشامل  

 الانتخابات اللبنانية -الانهيار الشامل  

محمد سعيد سلام

تتشابك الأحداث والوقائع وقضايا المنطقة مع بعضها، ويؤثر كل منها في الآخر على نحو لافت، وتتجاوز خطوط سايكس – بيكو الوهمية في بعض اجزائها ومستوياتها .

وتبرز كل منها على حدا حالات القصور والضعف والقوة والفراغات السياسية والاستعراض والخداع والحقائق .

ومن أهم هذه الأحداث ما جرى ويجري في القدس الشريف وتعامل المحلي الفلسطيني والاحتلال الصهيوني اليهودي والإقليمي والدولي معه، ومقتل شيرين أبو عاقلة باعتباره حدثا ذا دلالة متكررة يتم إخفاؤها عالميا على نحو ممنهج تثبت ماذا يعني الغرب الأميركي والأوروبي ومنظمة الأمم المتحدة، ومنها أيضا الانتخابات اللبنانية المعنية هاهنا بالإضاءة عليها وتفكيكها وقراءتها سياسيا من خلال نقاط محددة .

لقد مايزت مرحلة الربيع العربي منذ انطلاقتها بين من يؤمنون بالتغيير الجذري من جهة، وبين السلطة ” العصابات الحاكمة ” والمعارضة الوجه الآخر والمنعكس الدقيق لهذه العصابات من جهة ثانية، ولا شك عندي سياسيا أن الثورة السورية هي الحدث الأبرز الذي يبين كل الاختلاجات والاعتلالات والاختلالات في المنطقة بعربها وعجمها، ويوضح البدايات والنهايات والعمق والحواف، ويبين المآزق والمخارج؛ بما لا يلغي أهمية سواها وضرورة الاهتمام به والتفاعل معه وفهمه وتوضيح أثره .

كرست الانتخابات النيابية اللبنانية الطائفية السياسية المناقضة للمواطنة وللدولة تماشيا مع ما رعاه وسقاه المجرم حافظ أسد، وقوننه عمليا الطائف السعودي برعاية وإشراف أميركي بعد حرب طاحنة حاولت الحركة الوطنية وطمحت إلى التخلص منها، ومن أعباء وإرهاقات المحتل الفرنسي الذي اعتنى ببذرتها وتأسيسها.

ولم ينجح الصوت اللبناني خارج الطائفية بأكثر من ١٢ % وحاصرت القوى والأحزاب الطائفية جميعها هذا الصوت، وتضافرت جهودها عليه وضده، هذا إذا سلمنا جدلا أن هذه النسبة المنتخبة ستكون قادرة على التحرر من براثن الطائفية، وواعية لأحابيلها وأجنداتها .

وإذا راعينا الدقة السياسية فإن الطائفية السياسية هي التي ربحت ب 113 صوتاً، ولا يختلف أحدها عن الآخر إلا من حيث الدرجة، وهو ما يريده المشغل الأميركي عبر موظفيه الأبرز الإيراني والعربي والأوروبي من خلال أدواتهم المحلية، ويدرك جميع هؤلاء أن كلا منهم يشكل حماية لوجود الآخر، أما تصريحاتهم وشعاراتهم فهي للاستهلاك الإعلامي والتلاعب العاطفي وإرواء ظمأ بسطاء السياسية، فجنبلاط ضد حزب الله وسلاحه لكنه حليف نبيه بري ثنائي الطائفية والمدافع الشرس عن حزب الإجرام؛ ونبيه بري ضد باسيل الذي يرعاه شريكه الطائفي؛ ووئام وهاب وطلال أرسلان ضد جنبلاط ويناصرون حركة أمل وبريها وحزب إيران الطائفي وشيطانه، وهكذا عون وجعجع وعلاقتهما وتحالفاتهما السابقة، ومثلهما الكتائب والمردة، وليس أشرف ريفي والسنيورة عنهما ببعيد !

طائفية بعضها من بعض .

رغم كل ما سبق من ترهيب، وتجارب مريرة، ورغم ثورة 17 تشرين الثاني المفرملة، ورغم جريمة المرفأ المريعة، ورغم الإفقار الشديد حتى شبح الجوع، ورغم الأحداث الكبرى في المنطقة لم يستطع اللبنانيون تجاوز الطائفية السياسية المرض المقيت المزمن عندهم إلا بنسبة ضئيلة، ما يؤكد حدة الأزمة المقبلة والانهيار الأوسع .

وتثبت الانتخابات اللبنانية بما لا يدع مجالاً للشك مطلقا أنه لا يمكن المراهنة على الإقليمي الوظيفي المتعدد والمشغل الدولي،  لأنهم لن ينتجوا إلا الاستبداد القائم على الفساد والإفساد والإجرام، أو الطائفية السياسية، أو المزج بينهما بعيداً عن الدولة العادلة باستعمال واستئجار أدوات محلية رخيصة .

وفي حال وجدوا إصراراً شعبياً على التخلص منهما سيعمدون إلى الاحتلال العسكري المباشر لمنع أي تفلت، لأن أي صيغة سياسية خارج الاستبداد والطائفية السياسية بقرار شعبي ذاتي سيدق المسمار الصلب والمتين الأول في نعش النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية .

من الخطأ التقليل من أي إنجاز سياسي مهما كان بسيطا أو متواضعاً، ولا بد من مراكمته والبناء عليه، لكن الخطأ الأكبر تضخيم إنجاز سياسي ما والمراهنة عليه خارج إطار حجمه الطبيعي. صحيح أن قدرة هذه النسبة النيابية على اختراق المنظومة الطائفية اللبنانية الحاكمة والمعارضة يعتبر إنجازا شرط الإقرار بحجمه الضئيل، وإلى أي مدى سيستمر وأين سيتوقف ومتى ؟ حتى لا يشرعن تلك الطائفية المقيتة، وكيف سيواجهها وماذا سيعلن ويبوح به لحاضنته الشعبية ؟

كما أن السرور بسقوط بعض الأشخاص المحسوبين على المجرمين والإجرام مشروع إلا أن السرور الحقيقي يكون بالتخلص من الطائفية السياسية بكل أركانها وبناء الدولة؛ ولا يكون بنجاح طائفي على طائفي آخر، أو ببروز تبعية على تبعية أخرى، لا سيما أنهم في المحصلة السياسية سيصبون جميعا بخانة الأميركي وخدمته .

والحقيقة المرة القاسية التي تبرهن عليها الانتخابات اللبنانية، وتدمغها تجربة مئة عام منذ إعلان لبنان الكبير، أنهم سيخرجون من حالة ارتهان إلى حالة ارتهان أكثر خضوعا وذلا وألما ودموية .

فالذي حمى العصابة المجرمة في سورية، وسمح للميليشيات الطائفية والحرس الثوري الإيراني البغيض والروسي النازي  مع باقي المحتلين بمساعدتها في قتل وإرهاب الشعب السوري سيتيح لحزب الله أن يتابع الجرعة الإجرامية في لبنان أكبر مما هي عليه الآن عند اللزوم .

وسيخدرهم بتصريحات غوغائية من هنا أو هناك :  بلن نسمح بصبرا وشاتيلا ثانية، أو بطرابلس ثالثة، أو ب 7 أيار رابعة، أو بتل زعتر خامس .

هذا هو الخيار المفضل أميركيا، وسيتسع الرقع عليه وعلى الوظيفي وأدواتهما، وستنفلت عرى المنطقة أكثر؛ وما يجب التعويل عليه هو القرار السيادي الذاتي. وآن للبنانيين أن يتحرروا من أوهامهم بأنهم الأكثر حرية في المنطقة، والأكثر تعايشا وتعارفا فمنذ خرج المحتل الفرنسي وهم يتغذون ويعيشون على مائدة الطائفية السياسية، ويضيعون الفرص في تحمل تبعات الاستحقاقات السياسية، فماذا ينتظرون بعد جريمة المرفأ ؟!

وماذا عن شعار ” كلن يعني كلن ” ؟!

وفي الختام فإن الثورة السورية تؤكد مرة ألف صوابية بوصلتها من حيث كسرها لمنظومة العصابة المستبدة رغم أنف داعميها وعلى رأسهم الأميركي، والحيلولة دون حكومة الوحدة الوطنية المشتركة بين العصابة المجرمة والهياكل المصنعة برعاية المشغل الدولي التي تقفز على إرادة الشعب السوري ودم شهدائه ومعاناة معتقليه ومهجريه قسريا.

وبقي أن تكمل دورها القيادي للمنطقة الذي يبدأ بمقارعة المحتلين دون إجراء أي عملية تفاضل بينهم، ضمن مشروع سياسي يعكس قيمة الجغرافية والتاريخ، ويتخلص من وهم الزعامات الفارغة التي تضحك على شعوبها .

وهذه الثورة هي المؤهلة الوحيدة وفق الظروف القائمة في اكتساب وإكساب المنطقة المناعة من التبعية والهيمنة بكل أشكالها لإرساء السيادة على حساب الانبطاحية السياسية.

  • Social Links:

Leave a Reply