الفقر المطلق يسحق عائلات سورية ويشردها في طرابلس_المدن

الفقر المطلق يسحق عائلات سورية ويشردها في طرابلس_المدن

“نشتهي أكل قطعة من اللحم وكسرة من الخبز، نهرب من منازلنا يوميًا إلى الشارع، حتّى لا يطالبنا صاحب المنزل لدفع إيجاره الذي نعجزه عن تأمينه”. هذا ما تقوله فاطمة (30 عامًا)، امرأة سورية من إدلب، هربت قبل سنوات من شلّال الدّم والحرب إلى لبنان، بعد أن فقدت زوجها، فلجأت إلى الشمال لتعيش مع بناتها الثلاث في إحدى غرف منطقة العيرونية.

قصّة فاطمة، هي واحدة من آلاف قصص السوريين الذين لجأوا إلى لبنان، هربًا من الحرب وإجرام “الأسد”، منذ العام 2011، فوجدوا أنفسهم مشردين في بلدٍ ليس أقلّ بؤسًا وقسوة. على واحدٍ من أرصفة منطقة الضمّ والفرز في طرابلس، وجدنا فاطمة تفترش الأرض يوميًا منذ الصباح حتّى الغروب. طبعت أشعة الشمس الحارقة وجهها ووجوه بناتها، ببقعٍ سوداء شاحبةٍ وجافة، ورسمت خطوطًا على ما ظهر من أجسادهن التي يجرّبن ضمّها تحت مناديل عتيقة يلفوها على رؤوسهن.

لكنّ فاطمة لم تكن وحدها مشرّدة على الطريق..

عائلات هنا وهناك

منذ أسابيع، بدأت تتفاقم في طرابلس ظاهرة العائلات السورية المشرّدة في الشوارع والطرقات. جولة واحدة في المدينة، وتحديدًا على طول امتداد محيط معرض “رشيد كرامي الدولي”، كذلك في “الضمّ والفرز” وفي حديقة “الملك فهد” وعند الأوتوسترادات وطلعة الخناق، كفيلة لرؤية مشهدٍ يبدو مريبًا، مع افتراش عشرات العائلات السورية الأرصفة. وهم يجلسون مع أولادهم الصغار على الأرض، رجالًا ونساءً، وكأنهم من دون مأوى يحميهم من هذا التّشرد في زمن فيروس “كوفيد – 19″.

خلف المعرض، وعلى طول تقاطع الأوتوستراد المزروع بالشجر والأعشاب، تتجلى كارثة إنسانية. بين كلّ مترٍ وآخر، تفترش الرصيف مجموعة من عائلات اللاجئين السوريين. الرجال والنساء يجلسون يتسامرون ويتشاجرون حينًا، ويتمدّد بعضهم للنوم حينًا آخر. أمّا الأطفال، فيحتارون بأمرهم من هذا التّشرد، يلعبون بعض الوقت رغم انعدام طاقتهم، فيما يُدبدب الرُضّع على الرصيف نفسه من دون حذاء، ويمسحون وجوههم وشفافهم بكل ما تلتقطه أياديهم الصغيرة من جراثيم الأرض وأوساخها.

على بُعد أمتارٍ من فاطمة التي أخبرتنا أنّها تفترش الرصيف بعد أن أصبحت عاجزة عن تأمين 250 ألف ليرة بدل إيجار الغرفة التي تسكنها، نتجه نحو رمضان العلي. يجلس رمضان على الرصيف مع طفله وزوجته المريضة. يُخرج نظارة ابنه المكسورة من جيبه ويقول لـ”المدن”: “ابني مريض بـ 7 درجات في عينه وأعجز حتى عن تصليح نظارته، بعد أن خسرت عملي في لبنان، ولا يوجد أيّ فرصة أخرى. نحن لسنا متسولين وإنما مشردون من دون حولٍ ولا قوّة، وأهرب يوميًا من صاحب المنزل الذي استأجرته في القبة”.

في الجهة المقابلة من المعرض، نتجه نحو سيدة أخرى تدعى سوسن منير، تفترش الأرض مع 7 آخرين من بناتها والأطفال. هربت سوسن مع عائلتين كانا يعيشان سويًا في أحد مخازن منطقة القبة، مقابل 200 دولار أميركي شهريًا. تسأل مستنكرةً: “تسألون عن سبب تشردنا على الطرقات، وأنتم اللبنانيين تعجزون عن تأمين لقمة عيشكم؟ تتخيلون حجم كارثتنا بعد تفاقم الأزمات في لبنان؟”. تابعت بالقول: “نموت من الجوع حرفيًا بعد تفشي فيروس كورونا والانهيار الاقتصادي في لبنان، ولا نستيطع شراء أدنى حاجاتنا الغذائية في ظل الغلاء الفاحش في الأسعار. زوجي يعاني من الكهرباء في رأسه، وتراكمت علينا ديون 3 أشهر لإيجار المخزن الذي ننام فيه، فيما صاحبه يصرّ على طردنا بالقوة إلى الشارع”. تهزّ برأسها جارتها على الرصيف رشا العلي (27 عامًا)، والتي هربت أيضًا من غرفةٍ استأجرتها في أبي سمراء إلى الشارع وتنتظر “من يحنّ عليها” كما تقول، بوجبة طعام لأطفالها. قالت: “خسرت عائلتي في سوريا، فهربت من الموت لأجد نفسي أموت كلّ يوم في لبنان”.

بؤس الكبار من اللاجئين يعيشه الصغار أيضًا. نقترب من عزيزة البالغة 12 عامًا، تغمر شقيقتها الصغيرة كما لو كانت أمّها. تستحي من الكلام، ومن طلب أيّ شيء تحتاجه، ولو طعامًا. نسألها عن والدتها فتخبرنا أنّها توفت منذ سنوات، وتكتفي بالقول: “أحلم فقط أن أكون في المدرسة مثل جميع الأولاد، وأشعر أن هذا الحلم لن يتحقق”. كذلك سناء البالغة 14 عامًا، جاءت إلى لبنان هربًا مع والدها بعد أن خسرت أمّها قبل 10 سنوات، تطلب الطعام أو ألف ليرة لتأكل أيّ شيء. قالت: “أنزل من العيرونية إلى الشارع يوميًا مع شقيقي بعد أن تزوج أبي وتركنا. نفتش عن طعامٍ وعن أيّ أحد يمكن أن يساعدنا، لأن فقدنا الأمل من تلقي المساعدات من الجمعيات والأمم”.

المفوضية وقدراتها

في الواقع، غالبًا ما تنتشر ظاهرة تشرّد العائلات السورية على الطرقات في شهر رمضان. لكنّ هذا العام، تضاعفت أعداد العائلات المشردة على الأرصفة، وبلغت المئات في طرابلس وحدها، وهو مشهد قابل للاستمرار والتدهور نحو الأسوأ، مع تفاقم أزمة اقتصادية غير مسبوقة في لبنان، وتدهور الليرة التي يدفع اللبنانيون ثمنها باهظًا. فما حال اللاجئين؟

يشرح مسؤول العلاقات العامة شمال لبنان، في المفوضية السامية في الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، خالد كبار، أوضاع اللاجئين السوريين التي تزداد صعوبة في لبنان وتؤدي إلى انتشار ظاهرة التّشرد على الطرقات.

وفي حديث لـ “المدن”، يشير كبارة أنه قبل تدهور الوضع الاقتصادي الذي يترك آثارًا بالغة على اللبنانيين واللاجئين، “كان لدينا نحو 37 في المئة من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون عند تحت الفقر، وأكثر من 55 في المئة منهم، يعيشون فقرًا مدقعًا”. أمّا بعد هذه الظروف، إضافة إلى أزمة فيروس “كورونا” التي قيّدت الفرص المعيشية، “نقدّر أن أكثر من ثلاثة أرباع اللاجئين السوريين أصبحوا تحت خط الفقر في لبنان، نتيجة تضاعف التحديات المعيشية والاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها”.

لكن، هل فعلًا شحّت مساعدات الأمم للاجئين السوريين؟ أجاب كبارة: “لم تتغير ولم تشحّ المساعدات المقدمة للاجئين في لبنان، وإنما كل عام نعيد تقييم وضع العائلات التي كانت تستفيد من هذه المساعدات، ثم نعمل على تجييرها للعائلات الأكثر حاجة، وهذا ليس شحًا وإنما تغييرًا سنويًا في سياسة تقديم المساعدات للمستفدين منها، حتى تطال أكبر عددٍ ممكن”.

يأسف كبارة على تدهور واقع اللاجئين في لبنان، ويوضح أن مصطلح “الأكثر حاجة” يعني أنّ الجميع بحاجة، ويحق لهم نيل المساعدات. قال: “ندرك أن هذه المساعدات لا تكفي لتغطية كل الحاجات، ونحن نكون بالخيار الأصعب في تحديد العائلات “الأكثر حاجة”، بما أنّ الغالبية العظمة هي بحاجة، لكن الميزانية المالية غير كافية لتغطية الجميع، ونسعى لتوسيع برنامجنا في هذه الظروف من أجل تأمين التغطية الأوسع والأسلم، لكل المحتاجين بصرف النظر عن جنسيتهم”.

الأرقام والوقائع

تستفيد من المفوضية نحو 34 ألف عائلة من المساعدات النقدية التي تقدمها مع شركائها من المنظمات الأممية والإنسانية. وبعد انتشار فيروس “كورونا”، رفعت المفوضية عدد العائلات التي تحصل على المساعدات النقدية إلى حدود 11 ألف عائلة ، وتسميها بـ”المساعدات الطارئة” ضمن معايير محددة قامت بوضعها. والمساعدات النقدية، هي عبارة عن 250 ألف ليرة شهريًا لكل عائلة، وهناك مساعدات أخرى مثل المساعدات الغذائية، التي يقدمها برنامج الغذاء العالمي، وهي عادة تقدّم لكل فرد، ولا يستفيد الجميع منها.

ويشير كبارة أنّ عدد الأفراد السوريين في لبنان المسجلين لدى المفوضية، هو 910 آلاف و256 فرد. وكان التسجيل قد توقف في العام 2015، بحسب قرار الحكومة اللبنانية آنذاك لوقف التسجيل، باعتبار أن العدد تجاور المليون لاجئ، وكان هناك استحداث نظام جديد لدخول اللاجئين السوريين إلى لبنان. أمّا عدد الأفراد المسجلين، فيشكل 208 آلاف و524 عائلة سورية، وفق أرقام المفوضية. لكن هذا الرقم، لا يعكس بطبيعة الحال العدد الفعلي للاجئين السوريين في لبنان، كما أنّ التسجيل في المفوضية لا يعني الحصول على المساعدات.

وفي السياق، يذكّر كبارة أنّ الأرقام الساخنة في كل مكاتب المفوضية على الأراضي اللبنانية، جاهزة لتلقي اتصالات اللاجئين من أجل تقديم الشكاوى وطلب المساعدات. وعلى مستوى دفع إيجارات المنازل التي يضطر اللاجئون التّخلف عن تسديدها، بسبب انعدام قدرتهم الاقتصادية ما يؤدي إلى تشردهم، فإنّ المفوضية لا تلحظ برامجها تقديم بدل استثمار منازل للاجئين.

أمّا الكارثة الكبرى، فهو أنّ المخيمات بأغلبيتها الساحقة المنتشرة في مختلف المحافظات اللبنانية، ومعظمها غير رسمي، فإنّ المساكن فيها خاصة، والعيش فيها يكون باستئجارها لقاء بدل. فهل ستتحول معظم أرصفة لبنان مع اشتداد الأزمة الاقتصادية إلى مأوى للاجئين السوريين وربما للبنانيين أيضًا؟

  • Social Links:

Leave a Reply